أصبح موضوع الأخلاق يطرح نفسه بإلحاح في يومنا هذا، وقد أرخى بظلاله على كافة الأصعدة، فوجدنا الجميع يدعو إلى تخليق الحياة العامة، وتخليق الإدارة، وتخليق المؤسسات العمومية والخصوصية على حد سواء، وما إلى ذلك من دعوات لإعادة الاعتبار للمبادئ والأخلاق التي تحكم العلاقات بين المواطنين في تعاملهم مع مؤسسات تحمي مصالحهم وتدافع عنها، إذن فهذه المناداة جاءت نتيجة خلل وفقدان ثقة ساد هذه الأوساط. في هذه الظروف تعالت صيحات المنادين بضرورة إعادة الاعتبار للأخلاق لكي تسود الثقة ويضمن حق الجميع، لكن هذه المناداة ظلت حبرا على ورق، واستعملها البعض كرماد يذر في العيون، وبقيت حبيسة القرارات، فلم تنزل إلى أرض الواقع، ولم يتم تطبيق أي بند منها، بل ظل الأمر كما عليه خصوصا ونحن نستمع ونعيش على إيقاع التغيير والتحول الديمقراطي والعهد الجديد وما إلى ذلك من المصطلحات التي تبعث على التفاؤل وكأن عصا سحرية ستحل كل هذا التراكم من الاستغلال والمحسوبية واللامبالاة. إن الدعوة إلى إعادة الاعتبار للأخلاق جاءت كردة فعل إزاء الوضعية المزرية التي ظلت تحكم العلاقات السائدة بين المسؤولين على الشؤون العامة وذوي المصالح من المواطنين الذين ظلوا يعانون من الحيف والتهميش، فأزمة الأخلاق هذه تجد جذورها في كيفية التعامل مع قضايانا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إذ عوض الوقوف على المشاكل ومحاولة البحث للداء عن دواء لا يتم إلا زيادة الطين بلة من خلال سياسة المراوغات والبحث عن منافذ وحلول ترقيعية من أجل الحد من الانتقادات، هكذا تتراكم المشاكل وتكبر.

إن إعادة النظر في سلوكاتنا مسألة هامة وتتطلبها المرحلة التي نحن مقبلين عليها فالعالم أصبح مفتوحا أمام الجميع، ومقولة أن العالم أصبح قرية صغيرة وظفتها أيادي حاولت الامتداد إلى مصالح الشعوب، فهو قرية صغيرة بالنسبة لأصحاب هذه الفكرة، في حين أن قرانا الممتدة عبر هذا القطر الحبيب تحتاج لأبسط ضرورات العيش من ماء صالح للشرب وكهرباء وما إلى ذلك. إن مفهوم العولمة الذي أثير بحدة في أيامنا الغبراء هاته لهو وجه لعملة واحدة مع ما يسمى بالأمركة، فسيادة النظام العالمي الواحد هو ما يطمح له منظرو الخريطة السياسية العالمية لأن قانون الغاب هذا ركز هذا المفهوم، فكيف لا يتوانى القوي عن استعماله ضد الضعيف.

قد يتساءل أحدنا وما بال هذا الوعظ والإرشاد في موضوع يهم أخلاقيات وسلوكات مجتمع حضاري ليكون الجواب، ومتى كان للحضارة قيام لولا الاعتناء بالأخلاق، نعود دائما لنردد البيت الشعري الذي تلقيناه منذ نعومة الأظافر.إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوافعلا فبقاؤنا رهين بأخلاقنا، وذهاب أخلاقنا يعني ذوباننا وسط النظام العالمي الجديد.

إذن فالعلاج الأخلاقي خير وسيلة لتفادي ما لا تحمد عقباه.