مرة أخرى يجتمع الحكام العرب مع الغياب الواضح لبعض القادة التاريخيين، وفي سرت استكملوا بناء الوهم المستشف من خلال قراراتهم و طموحاتهم المعبر عنها ببعض التصريحات من قبيل أن الإجماع لم يعد ملزما للدول العربية الأعضاء بالجامعة، أو إن القادة العرب قد أصبحوا في مواقف لا يحسدون عليها، وكأنهم كانوا في يوم ما في مراكز يحسدون عليها.

ظنون كهذه تبرز اعتبار الحكام العرب أن أسواق الوهم لا تزال مربحة.

تأسس الوهم العربي الرسمي مع انتكاسة العرب بسبب وشايات بعضهم وعمالة البعض الآخر خصوصا بعد حرب 67، وأعيد تأسيسه ثانية بعد انقسام الأنظمة الرسمية وتباين تصوراتها حول معاني الكلمات و الأسماء والمسميات ودرجات الحس والشعور اتجاه قضاياهم المركزية، وبسبب إعلان إسرائيل نفسها منتصرة في قضية الصراع تشيد الوهم العربي الرسمي.

استمر بناء الخداع باستمرار تعنت اليهود وانطلاقهم من منطق خاص في المفاوضات يناقض المنطق العربي.

وها هو اليوم يكتمل البناء والتشييد في سرت بقيادة ” ملك ملوك إفريقيا” وأحد المعمرين العرب في كرسي الرئاسة. تساهم كل الدول العربية في إنتاج هذه البضاعة وتسويقها، كل حسب إيمانه بجدواها وموقعه وتاريخه وخطوط تماسه الجغرافية والتاريخية والنفسية والاقتصادية مع إسرائيل، بضاعة شجع استهلاكها منتظم عربي متباين الرؤى فاقد الوجهة ومعدوم التطلع إلى الأفضل.

طبيعة الوهم العربي الرسمي

عندما يتابع كل مواطن عربي بسيط مهزلة الجلسة الافتتاحية للقمة، فهو لا محالة سيجبر نفسه على متابعة متاهات متتالية، لا يكاد ينتهي من تتبع إحداها حتى يدخل سراديب الأخرى، إلا ما كان من شعارات جوفاء يزيد من ابتذالها نبرة الخنوع البادية على الخطباء الشيوخ بالقمة.

فهذا أحدهم يشرح وضع بلاده و يحذر من مغبة تصديق وسائل الإعلام فيما تنقل من حقائق الاستبداد وسلب الحقوق، وهذا يطالب بالتداول على رئاسة التجمع العربي وانتقال أمانته، متناسيا أنه هو نفسه وأكثر الحاضرين من حوله تزيد فترات حكمهم على الثلاثة عقود، وذاك ينذر بثورة عربية شعبية جراء المهازل الرسمية للقادة، متجاهلا أنه أول الجاثمين على صدور أبناء الشعب قهرا وديكتاتورية، ناهيك عن السجالات والملاسنات والضرب تحت الحزام خلسة بين القادة المجتمعين، حتى أصبحت القمم العربية فرصة للمصالحات العربية العربية على حساب الخوض في القضايا المصيرية.

تتعدد أشكال الضرب تحت الحزام على الطريقة العربية، ويكفي أن نذكر هنا بعض المواقف الدالة لعدد من القادة أثناء إلقاء أحدهم كلمته، فمنهم المغادر للقاعة لمناقشة بعض الهوامش، ومنهم النائم، ومنهم المراجع لكلمته التي تكلف بكتابتها خبيره في صياغة الخطابات،ومنهم ومنهم… لكن القاسم المشترك بين الجميع، أن كلا منهم يعرف خبايا الآخر وعثراته ومزايداته وطبعه. إنه بحق مرتع أوهام بامتياز، سوق تطور إلى مدرسة خاصة يستفيد من خدماتها تجار الانتخابات وعشاق الرئاسة و السلطة من أوربا و آسيا وأمريكا وغيرها من بلاد المعمور.

عندما يجتمع الحكام العرب، فإنهم من جهة، يكونوا واثقين أن القليل من الشارع العربي من يتابع مهازلهم، ومن جهة أخرى، فقد اكتسبوا المناعة الكافية من نقد الشارع ونقمة الإعلام المستقل، لذلك تجدهم لا يخجلون من تنويع نبرات الوعيد لإسرائيل مع الدعوة إلى الحزم في اتخاذ القرارات التي من شأنها ثني إسرائيل عن مخططاتها الاستعمارية القاتلة، لكن سرعان ما يصطدم الحماس المفتعل بالواقع الذي يحول التصريحات من الوعيد الشديد إلى التمسك بخيار السلام اللطيف ونبذ المقاومة، والإعراب عن الاستعداد الدائم لتفهم الحقائق الإسرائيلية على الأرض.

إن طبيعة الوهم العربي تتجسد من خلال تنصيب الزعماء أنفسهم قادة حقيقيون يقودون شعوبا طائعة يتحدثون باسمها الذي أضحى نكرة بفعل الإذلال المتكرر، يفاوضون نيابة عنها وكأنهم استكملوا كل الإجراءات الديمقراطية في اتخاذ القرار. غير أن هذا الوهم أصبحت حباله قصيرة بفعل وجود عدو إسرائيلي شرس يحدد الحقائق ويقدرها بقدرها، فهو يفاوض القادة المفترضين على اعتبار أنهم يمثلون تاريخا كان ولا يزال في مصلحته، يذكي من خلاله الانقسام العربي والإسلامي وينصب الأنظمة العربية أذرعا بشرية وفكرية بل حواجز نفسية في وجه الشعوب الغاضبة.

قمة على أرضية انهزام

قبل أن يجتمع العرب في سرت، مهدوا للقائهم بقرار “نكسة”، اسمه الموافقة على مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل،قرار تلقى صفعته الأولى بقرار إسرائيلي بديل، وهو اعتبار البناء في القدس كالبناء في تل أبيب، وتلقى ضربته القاضية برفض إسرائيل مقترح الإدارة الأمريكية بتجميد مؤقت للاستيطان.

هكذا تكون الإشارات في حق من أعطى الدنية من نفسه مطاعا غير مكره.

في الأعراف الإنسانية والبروتوكولات الدولية، تكون المفاوضات غير المباشرة بمثابة كسر الجليد بين طرفين يتبنيان خيارات ومواقف متناقضة ولم يسبق لهما أن عبرا عن وجهتي نظرهما أمام وسيط متفق حوله، أما والحالة هذه، أن القضية الفلسطينية أصبحت قضية العالم بأسره، وحطمت الرقم القياسي من حيث جلب القرارات و التوصيات الأممية والإقليمية، فإن مفاوضات من هذا القبيل إنما هي تجسيد فعلي لقدرة العدو والوسيط على إرجاع الأمور إلى نقطة ما قبل الصفر، المؤدي ضمنيا إلى التملص حتى من تلك الترهات التي سميت زورا قرارات و شرعية دولية.

فكيف تستطيع قمة هذه أرضيتها أن تصمد في وجه دوي القنابل وضجيج الجرافات المنتشرة في ربوع الضفة إلى تحت المسجد الأقصى المبارك. وما موقع هذه التصريحات والخطابات الرنانة من اللقاءات الحميمية مع قادة الكيان الغاصب وتوقيع الاتفاقيات وتبادل الزيارات وإبرام التفاهمات.

إن حقيقة العلاقة التي تربط بين العديد من الأنظمة العربية و التي تعتبر الوضع الحالي مجرد سوء تفاهم مع شريك التفاوض إسرائيل، هي الخلفية المدمرة التي ترسو على هاويتها كل القمم العربية الرسمية.

لا جدوى من تصدير الكلام الرخيص في ضوء تصدير بعض الأنظمة العربية مصادر الطاقة لإسرائيل بأقل الأثمان، ومد بعضها الآخر إسرائيل بالثروات والخيرات والقواعد العسكرية والمعلومات الاستخباراتية، أما البعض، فيقطع كل العلاقات إلا استقبال المعتقلين من السجون السرية وتعذيبهم على الطريقة العربية لإفشاء المعلومات المحرضة على الإرهاب ضد أمريكا و”إسرائيل”. لا حاجة للشارع العربي بتصريحات المفوهين في قمم المفاخرة واستعراض كرم الاستقبال والضيافة مع فتح الأنظمة ترابها العربي الطاهر في وجه الموساد يعيث بحياة الشرفاء ويبيع الفساد يخسا في أسواق النخاسات المتنوعة.

مخاض لحمل كاذب

تمخض الغضب الرسمي المفتعل فولد مشروعا معتوها بطرفين مشلولين:

– إطلاق مبادرة تأسيس مفوضية خاصة بالقدس

– تحديد نصف مليار دولار لدعم صمود المقدسيين

من كمال الوهم، الاعتقاد أن قضية القدس وفلسطين تحتاج الآن إلى مزيد من العمل البيروقراطي من قبيل، مفوضية خاصة تكلف الجامعة مزيدا من الخصام العربي- العربي، ونفقات إضافية لتنقل وإقامة أصحاب الفخامة والسيادة والسمو أعضاء المفوضية الجديدة.

ومن تمام الوهم، الاعتقاد أن نصف المليار هذا سيمنح المقدسيين الصمود اللازم في وجه القتل والسجن والتنكيل الإسرائيلي، والذي يقابله جمود النظام العربي الرسمي ودعمه لمشروع مقايضة الأرض والبشر من اللاجئين الفلسطينيين وفلسفة الوطن البديل.

نصف المليار هذا، لا يساوي عشر ما قد يختلسه مسؤول في دولة بترولية كما تطالعنا بذلك الصحف،علة لا تسلم منها أجهزة السلطة الفلسطينية المرشحة لاستلام المبلغ، هذه الأجهزة نفسها من وقف في وجه الدعم المخصص لإعمار غزة ما لم يمر عبر أرصدتها وصناديقها معروفة التدبير.

كل الفصول السالفة الذكر من مسلسل الوهم العربي، تستكمل مهزلتها بوجود أمين عام يتقن التصريحات وتنسيق الكلمات وانتقاء العبارات، كما يجيد اختيار المناسبات لدغدغة العواطف والضمير العربي الشعبي، ولعل اختيار اسم القدس للدورة الحالية للجامعة العربية واقتراح الانفتاح على تركيا وإيران من أجل التأسيس لمرجعية تفاوضية أقوى للعرب، أكبر دليل على ذلك.

قد يكون التماس بعض الوهم فعالا في شعوب مقهورة وجائعة، لكنه لن يستمر كذلك إذا انعدمت كل الشروط الضرورية للعيش والكرامة كما هو الشأن لجل الأمة العربية، لذلك فالرهان على هذا الخيار لتثبيت الاستقرار العربي الرسمي لن تكون له طائلة سواء كان باللجوء إلى رئيس أمريكي متفائل أو حوار تكتيكي مع إيران أو تركيا.

فرصة لليقظة

أمام النظام العربي الرسمي العديد من الفرص التي لا تتطلب كثرة القمم والمشاورات، وهي فرص مضمونة النتائج، حيث بينت الأيام صوابية بعض الخيارات رغم محدودية المقومات وتعدد الإكراهات. على الضمير العربي الرسمي دون لف أو دوران، أن يعمد إلى لحظة استرخاء تستعيد له اليأس من خيار دام أكثر من عقدين، وحينها سيدرك أن عليه أن يعمل على الآتي:

– تبني خيار المقاومة بكل أشكالها، وإن لم يستطع فلا أقل من الإحجام عن محاصرتها وشجبها

دعم صمود الشعب الفلسطيني بكل أطيافه دون تمييز، وإن لم يستطع فلا أقل من الدعم الفعلي للمصالحة الفلسطينية؛

– تبني الفعاليات الشعبية المنددة بأفعال اليهود، وإن لم يستطع فلا أقل من رفع القمع عنها والترخيص لها؛

– إيقاف العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وإن لم يستطع فلا أقل من خفض مستويات الاستقبال الرسمي؛

– رفض الوساطة الأمريكية المجحفة، وإن لم يستطع فلا أقل من إبداء القلق اتجاهها؛

– قطع العلاقات الاقتصادية مع الكيان الغاصب، وإن لم يستطع فلا أقل من منعها موقع التفضيل في العلاقات؛

– تعقب المخابرات الإسرائيلية على الأراضي العربية، وإن لم يستطع فلا أقل من وقف التنسيق الأمني؛

– ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين أمام العدالة الدولية، وإن لم يستطع فلا أقل من تشجيع مثل هذه المبادرات؛

– فتح المعابر المتاحة في وجه الفلسطينيين، وإن لم يستطع فلا أقل من غض الطرف عن حفر الأنفاق؛

– الاعتراف بالعجز والتخلي عن المسؤولية، وإن لم يستطع فلا أقل من الالتزام بالآليات الديمقراطية الحقيقية.

بهذه المفاتيح، بل بالقليل منها، يستطيع النظام العربي الرسمي استعادة الثقة الضامنة للاستقرار، وقد استعملنا هنا كلمة ” فلا أقل” لأننا نعلم، كما يعلم الجميع، أن النظام الرسمي يجد نفسه الآن مكبلا بالعديد من الاتفاقات الخفية والمعلنة، كما أنه مقيد بتعدد المصالح الشخصية المشتركة مع العدو، لكن بالرغم من ذلك يستطيع فعل الكثير ما دامت إسرائيل لم تلتزم بشيء على الإطلاق، بهذا القليل ستظهر الثمار إذا حسنت النيات.

كل هذه الإجراءات تحتاج إلى قرار واحد لا أكثر، الاقتناع أنه بالإمكان إفشال عدوان اليهود عبر تبني ثلاثة مواقف:

– الصمود على الأرض هو الذي يقلب حسابات العدو ويثبت قرارات الشرعية الدولية، لأن الشرعية بالنهاية تكون لمن لديه القدرة على فرضها.

– ليس السلام هو الحفاظ على وضع قائم، وإنما السلام اتفاق بعد رد جميع الحقوق.

– السلام الحقيقي منطلقه إصلاح وضع عربي داخلي بئيس بآليات دستورية محترمة من قبل الجميع.