رجل طيب ودرويش ومسالم ينتظر أن يُفعل به ولا يَفعل، وأن يدبَّر له ولا يدبِّر. خلقه الله هلوعا منوعا جزوعا، يرتعد عندما يلج كل إدارة عمومية، وترتجف قدماه عندما يدخل دائرة الشرطة ليتسلم شهادة سكناه.. امتلأ قلبه بالوهن ومفاصله بالرعب وكبده بالهلع، وأذناه بحكايات تزممارت ودرب مولاي الشريف وحتى غوانتنامو..

هو “إمعة” إذا أحسن الناس أحسن وإذا اخطؤوا أخطأ، وإذا صفقوا صفق وإذا انكمشوا انكمش.

“سبهللا” لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة. يردد نفس الثغاء ويميل مع كل ريح، حذر من نفسه، خائف من ظله. ينحني أمام الكبار ويرضى بالقليل. يحب كل السلطات المحلية ويقدس أعوانها لأنه يتصورهم مثل الريح والمطر والشمس والقمر، قضاء وقدر وظواهر طبيعية لا يمكن تغييرها أو حتى الوقوف في وجهها.

هو محدود الدخل ومحدود المعارف ومحدود الاهتمامات، محور حياته لقمة عيش و”طرف خبز” من البيت للعمل ومن العمل للبيت.مغموس في الشقاء والقلة والذلة.

أجمل لحظات حياته هي فوز المنتخب الوطني أو فريقه المحلي، وأعلى درجات طموحه هي الحصول على اشتراك سنوي في الجزيرة الرياضية أو الحصول على هاتف محمول بكاميرا رقمية وتعبئة 200 درهم مضاعفة..لذلك لا يستحيي أن يرفع شعار “حمار وبخير” مع العلم أنه “مظلوم وبخير” و”جائع وبخير” و”مريض وبخير”.

يحب الثكاثر الذي قد يصحبه إلى المقابر، أحمق من جده هنبقة، وأطمع من عمه أشعب، زعنفة على هامش المجتمع ومبعثر في دروب التاريخ..

تربى على ثقافة الوهم وبهرجة الكلمات، لذلك تجده يصدق كل ما يظهر على شاشة التلفزيون وكل ما تكتبه الجرائد، ولكن حين تستفزه وقاحة أو ركاكة إحدى الكذبات “الرسمية” فإنه يرفض تصديقها محملقا وضاربا كفا بكف، ولكن المسكين يسمعها أكثر من سبع مرات في سبعة برامج على لسان سبعة مذيعين وربما في سبعة جرائد أيضا، فيبدأ في تصديقها واستيعابها وعند آخر الليل يكون مقتنعا بها، وفي الصباح يبدأ ترديدها ونشرها بل والدفاع عنها أيضا..

عندما شاهد صور الحرب على غزة فاضت عيناه حزنا وكمدا، فرفض الطعام ليوم كامل لكنه تسلل من الباب الخلفي للمسجد حين فوجئ بوقفة مسجدية تضامنا مع غزة.

شعاره في الحياة “لعن الله ساس يسوس وما تصرف منها” وهو يعلم أن بين حروف الشعار يقبع الجبن من الحاكم وتعشش الطاعة العمياء السلبية لحامل الهراوة، وتنزوي طباع النعاج وبلادتها وخضوعها. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه نظرات في الفقه والتاريخ صفحة 15: إن أعتى سلاح في يد الجبارين ليس قوة سلاحهم وجموع جلاديهم، لكنه القوة السالبة، قوة الخمول الفكري ووهن النفوس المنقلصة الى جحر التبعية.)