الانتساب الطيني إلى الأهل والقبيلة لا ينكره الدين الإسلامي إلا إذا انقلب وأصبح دعوى من دعاوي الجاهلية، والانتماء إلى القبيلة يجب ألا يخدش في القضية الكبرى وهي قضية إسلام المرء وإيمانه. وهذه (القضية الكبرى) هي التي تستحق أن ندافع عنها ونحامي وليست أي قضية أخرى مهما كانت. وإن الانتساب الطيني السلالي يجب أن لا يتعاظم في أعيننا فيعترض أفق انتمائنا للإسلام. وهذا التعظيم هو الذي حصل لكثير من الشباب المنتسبين إلى المناطق الأمازيغية جغرافيا حيث يصبح همهم الوحيد هو الدفاع عن “قضيتهم” المصيرية (الأمازيغية) – واعتبار الآخر غازيا يجب أن يرجع من حيث جاء . وهذا هو الذي حصل للنازيين فيما يسمى ب “النقاء العرقي ” وكذلك الصهاينة فيما يسمى بـ”شعب الله المختار” وظاهرة التعصب والانحياز لدى الشباب هو نتيجة للظلم الذي مورس على المستضعفين منذ الاستقلال الصوري، فتولد لدى هؤلاء نوعا من السخط على الوضع الاجتماعي والسياسي حيث وجدوا في الأمازيغية ودعاتها حصنا حصينا لمقاومة “الأعاريب”. وإذا كان هذا التحليل صائبا فإنه يتأكد أكثر عندما نتحدث عن منطقة الريف وشبابها. فلازالت الذاكرة الحية تحتفظ بالشراسة والهمجية التي عومل بها أبناء الريف إبان انتفاضة 1958 من مخزن مغرب “الاستقلال”، لكن الطغيان لا يعالج بطغيان مثله، والظلم الأصغر الذي يصيبنا به طغاة البشر لا نقابله بالظلم الأكبر والذي هو الشرك بالله والإلحاد في دين الله.

من يتصدر المسألة الأمازيغية؟

يتصدر المسألة الأمازيغية نضالا وكتابة وإعلاما تيار فرنكفوني تغريبي كان بالأمس القريب من أتباع الإيديولوجية الماركسية -بشكل ببغائي- بل ويعتبرها أساس كل تغيير. وبعد تهاوي الصنم الماركسي وانفكاك الإتحاد السوفيتي واستقلال جمهورياته، وإسقاط جدار برلين، انقلب هذا التيار إلى إيديولوجية هي خليط من الماركسية، والفرنسية والأمازيغية. تستقطب الشباب إلى “الحركة الثقافية الأمازيغية” وخاصة طلبة الكليات المتأثرون بهذا التيار بدرجات متفاوتة

ويزكي هذا الطرح (الفرنكفونية) كذلك ميل التيار المتصدر إلى الكتابة باللغة الفرنسية حيث تصدر صحف مكتوبة بالفرنسية بشكل كامل وتصدر أخرى مناصفة بينها وبين العربية. وتكتب على اللافتات أثناء خروج التظاهرات وتنظيم بعض الندوات والمحاضرات، كما أن ارتباط هذا التيار المتصدر للحركة الأمازيغية بمؤسسات دولية ذات طابع استعماري ومخططات احتوائية مثل “مركز الدراسات الأمازيغية” بباريس تدل على توجهه الفرنكفوني. وقد سبقت هذه اﻟﻜونكريسات أن وظفت لأهداف استعمارية فرنكفونية أتت بعض مفعولها التقسيمي العنصري في الجزائر. طبعا دون أن ننسى صداقة بعض رموز التيار المتصدر للكيان الصهيوني الإمبريالي التوسعي.

وبالفعل كم نحن الأمازيغ المعتزين بدينهم هوامش في هذه السوق الأمازيغية، التي دخلها كل داخل، فترى فيها ناسا لاهون عن مصير أمتهم الإسلامية، بل منابذون الانتماء لهذه الأمة منذ أن اكتشفوا أن لهم أمة غيرها. ويا عجبا للأمازيغ الأحرار الذين انقادوا وراء هذه الحفنة وأسلسوا لها القياد.

الرموز التاريخية لمتصدري الأمازيغية

يحبذ التيار المتصدر للمسألة الأمازيغية أن يعود إلى العصر الحجري وينتسب إلى العصور الوثنية لما قبل إسلامية ليختاروا لأنفسهم رموزا برعوا في ذلك التاريخ متخطين أجيالا من الأمازيغ المسلمين الذين برعوا هم كذلك على طول التاريخ الإسلامي المجيد. وها هو كسيلة الفارس الجاهلي الذي حارب المسلمين عن “حق” كان مقتنعا به، يصبح هو الراية والرمز لا طارق الفاتح.

وهناك من تأخذه حماسته إلى تراثه العتيد فيسمي أبناءه كسيلة والداهية ليس إعجابا ببطولتهما، ولكن لأن الاثنين حاربا الإسلام والمسلمين. وهذا ما فعله كذلك بعض العروبيون مع رموزهم فالذي يسمي ابنه صداما مثلا، ليس إعجابا بشخصيته الكارزمية ولكن لأن صدام حارب الله ورسوله. ولازال المتصدرون غير راضين على “نظام الحالة المدنية” المعمول به داخل البلد، فهم يسعون جادين لتغييره وإدخال مثل الأسماء التي أشرت إليها، وقد سميت بالفعل بعض الجمعيات الأمازيغية بأسماء جاهلية. كجمعية مسينيسا بطنجة وجمعية يوبا بالحسيمة، وجمعية يوغورطة بالناظور.

ولا بد من أن نستحضر ونستعرض رموز الصالحين من بني مازغ من المسلمين، والذين هم ضمائر غائبة عند التيار المتصدر كالحسن اليوسي الذي لقب بالحسن البصري في زمانه، ومحمد المختار السوسي العالم، ومحمد بن عبد الكريم المجاهد ثم طارق الفاتح، ويوسف بن تاشفين الملك الصالح، ومحمد بن تومرت المصمودي، وعبد المومن بن علي الصنهاجي وغيرهم.

وحتى الأمازيغ المسلمون الذين أثروا في مجرى التاريخ وصنعوا أمجادا لهذه الأمة المسلمة أريد لهم أن يقحموا خدمة “للدعوة” الأمازيغية الحالية فأصحاب النظرة العرقية الضيقة يسعون جادين ليدرجوا جهاد مؤمنين مصلين مخلصين لله رب العالمين في ناعورة الأيديولوجية العرقية فيتساوى في ذلك “يوبا” الذي قاوم الرومان و”كسيلة” و”الكاهنة” اللذين حاربا المسلمين ومحمد بن عبد الكريم الذي خاض جهادا مريرا ضد المستعمر الإسباني. كلا ! فالأمر أكبر من أن تقزم شخصية “مولاي محند” إلى هذا المستوى – مقاوم وانتهى الكلام – ولكن الرجل كان مربيا عالما بدينه مخلصا لله العالمين) 1 . وعندما كان يسأل رحمه الله عن الذي ساعده على محاربة الأعداء (أرومي) طوال ست سنوات كان يجيب: “الإيمان والإيمان وحده”. الإيمان والإيمان وحده يا من يريدون أن يبقوا أوفياء لبطلهم المجاهد. ولابد من القول في الأخير، أن سكوت عدد من العلماء -عما اكتنف تاريخ المسلمين من ممارسات عنصرية منذ أن تحول الحكم من حكم خلافي شوري إلى ملك عضوض ثم جبري على يد الأمويين- أحدث هوة بين أبناء البلد الواحد، وزاد هذه الهوة شساعة تغاضي النظام التعليمي الرسمي عن فترة مهمة من تاريخ الحضارة المغربية، وهي فترة ما قبل الفتح الإسلامي وما أفرزته من عطاء حضاري والذي هو جزء لا يتجزأ من تاريخنا العام. ولما كانت الهوية المغربية هوية إسلامية متعددة المكونات (أمازيغية وعربية وإفريقية وغيرها) -كما أسلفت – فما الذي يمنع من أن نتداعى إلى ميثاق وطني جامع يقوم على أرضية هذا الانتماء للإسلام تدرج فيه جميع القضايا المجتمعية بما فيها المسألة الأمازيغية.


[1] حوار مع صديق أمازيغي: 222.\