وثيقة المبادئ

في 16 يونيو 1994 وجه الملك الراحل الحسن الثاني خطابا إلى مجلس النواب، حث فيه على بذل الجهود من أجل وضع: ميثاق يحدد المقاييس الأساسية للنظام التربوي المغربي، قصد مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل).

لهذا الغرض أحدثت لجنة وطنية واسعة 1 ، لم تحقق الهدف المرسوم لها رغم ما بذلته من جهود، بحيث لم يتمخض عن أعمالها إلا نص مشروع التقرير النهائي حول: “وثيقة المبادئ الأساسية” بتاريخ 25 يونيو 1995.

قبل التطرق إلى ملامح إصلاح التعليم العالي حسب هذه الوثيقة، وإلى أسباب نكوص اللجنة عن صياغة ميثاق وطني للتعليم، وكذا أسباب عدم تطبيق ما أقرته “وثيقة المبادئ” مع ما تحقق حولها من إجماع لمختلف الأطراف، نرى من الضروري الوقوف عند طبيعة تلك اللجنة، لعلنا نستنتج أهميتها، وبالتالي أهمية ما تمخض عنها.

طبيعة اللجنة الوطنية المختصة بدراسة قضايا التعليم

تشكلت اللجنة الوطنية المكلفة بدراسة قضايا التعليم من 335 عضوا من بينهم فعاليات تربوية وسياسية واقتصادية واجتماعية، توزعوا على ست لجان هي:

– لجنة المبادئ الأساسية.

– لجنة الهيكلة والتأطير والنظام التربوي.

– لجنة التعليم الأولي والأساسي والثانوي والأصيل.

– لجنة التكوين المهني والتعليم التقني.

– لجنة التعليم الجامعي وتكوين الأطر والبحث العلمي.

– لجنة التمويل.

وتم تعيين مكتب مسير للجنة يضم 26 عضوا 2 يتوزعون على الشكل الآتي:

– 6 وزراء.

– 10 ممثلين عن الأحزاب الوطنية.

– 4 ممثلين عن النقابات من بينهم ممثل عن النقابة الوطنية للتعليم العالي.

– 4 ممثلين عن القطاعات الاقتصادية.

– رئيس لجنة التعليم بالبرلمان.

– ممثل عن رابطة علماء المغرب.

وقد عرفت أشغال هذه اللجنة بعض التعثر، بسبب غياب منهجية واضحة. لكننا نعتقد أن ما كان من خلافات داخل اللجنة يعد أمرا طبيعيا، إذ أنه ليس من السهل تحقيق إجماع حول بعض القضايا التعليمية بين هيئات سياسية ونقابية مختلفة المشارب والتوجهات. ثم إنه بحجم تلك الخلافات تكون أهمية المتفق حوله.

إن لجنة من هذا الحجم وبهذه الأهمية، لا شك ستكون بذلت جهودا كثيرة، وأُنفقت على أشغالها أموال طائلة. لذلك أليس من العبث أن تلقى وثيقتها نفس مصير المشاريع السابقة؟

الخطوط العريضة لوثيقة المبادئ الأساسية

لقد تبنت –بصفة شبه كلية- اللجنة الوطنية المكلفة بالنظر في قضايا التعليم المحاور الكبرى بشأن التعليم العالي، التي تم التوصل إليها في الأرضية التوافقية، حيث تم تلخيصها في مشروع الميثاق الوطني للتعليم العالي، الذي تم عرضه على اللجنة الوطنية.

ورغم أن اللجنة المختلطة 3 حرصت على إصدار “الأرضية التوافقية” في شهر يوليوز، أي قبل بداية أشغال اللجنة الوطنية في غشت، كي تجد تلك الأرضية طريقها إلى التنفيذ، وحتى لا يتم تعويمها في إطار “ميثاق التعليم” المنتظر، رغم كل ذلك فإن “الأرضية التوافقية” سوف لن تعرف طريقها إلى التطبيق بصفة كاملة، سواء في إطارها الخاص، كما رأينا ذلك سابقا، أو في إطارها العام، أي بكونها جزء من “ميثاق التعليم”.

بعد هذه الملاحظة نورد –بإيجاز- الأهداف الكبرى والمبادئ الأساسية، التي تضمنتها وثيقة المبادئ، مع إشارة إلى أن تلك الأهداف والمبادئ وردت بصفة عامة في ارتباطها بمختلف مستويات المنظومة التربوية، دون تقسيمها إلى تعليم أساسي أو ثانوي أو عالي، فهي أهداف ومبادئ تهم التعليم العالي، كما تهم باقي مراحل التعليم.

هكذا بعد التأكيد على المقومات الحضارية والدينية، وكذا الأبعاد المحلية والقومية والكونية التي يرتكز عليها نظامنا التعليمي، تم تحديد الأهداف الكبرى والمبادئ الأساسية فيما يلي:

أولا: الدمقرطة والتوحيد

الدمقرطة والتوحيد مبدآن أساسيان تم التركيز عليهما في الفقرة الثالثة التي تحمل عنوان: “المبادئ الأساسية للمنظومة التربوية”.

فالأول يعني سهر الدولة على جعل ميدان التربية والتعليم والتكوين فضاء للتنشئة الديمقراطية، كما يعني تنمية الروح الديمقراطية لدى التلاميذ والطلبة من خلال العلاقات والمضامين التربوية والأنشطة المختلفة والمساهمة الفعلية في العملية التعليمية. وقد ربطت الوثيقة بين دمقرطة التعليم ودمقرطة المجتمع سياسيا واجتماعيا. أما المبدأ الثاني فيعني الاتفاق على مواصفات محددة للمدرسة المغربية، سواء كانت عمومية أو خصوصية. بحيث تستجيب لمتطلبات الحياة المتطورة. ويستهدف التوحيد أيضا المناهج والبرامج، مع مراعاة الخصوصيات المحلية والنوعية، وتم التأكيد على أن مبدأ التوحيد لا يتعارض مع التنوع والتجديد والإبداع وتشجيع المبادرات.

ثانيا: التعريب والتعميم

إذا كان التعريب من المبادئ الأساسية، فإن التعميم من الأهداف الكبرى. فالوثيقة تعتبر التعريب من المبادئ الأساسية، انطلاقا من كون اللغة العربية ليست وسيلة تواصل فقط، ولكنها أداة أساسية للتعبير عن الذات، وتحقيق الاندماج، وترسيخ الهوية، وتعزيز روح المواطنة. وترى الوثيقة ضرورة تعريب جميع مجالات الحياة لتتمكن البلاد من مواكبة وتيرة التطور.

والتعريب لا يعني طمس الأمازيغية، التي تدعو الوثيقة إلى تدريسها، عبر مراحل مدروسة، كما لا يعني الانغلاق ورفض اللغات الأجنبية، بل يجب تعلم تلك اللغات، لكن دون حصر اللغة الأجنبية الأولى في الفرنسية.

أما التعميم فهو هدف أساس تدعو الوثيقة إلى مواصلته باعتباره خدمة عمومية، واستثمارا مجتمعيا، وشرطا أساسا من شروط التنمية، ووسيلة للقضاء على التخلف). وبهذا الصدد تدعو الوثيقة إلى إيلاء تمدرس الفتاة أولوية قصوى، وإلى مراعاة تمدرس المعاقين في عملية التخطيط التربوي.

ثالثا: الإلزامية والمجانية

تعتبر الوثيقة الإلزامية شرطا جوهريا لتعميم ودمقرطة التربية والتعليم والتكوين، وللتخفيف من حدة الفوارق الاجتماعية، ومبدأ من مبادئ المسلسل الديمقراطي.

أما مبدأ المجانية فتعتبره الوثيقة نتيجة حتمية للظروف الاقتصادية والاجتماعية لعدد كبير من الأسر المغربية. خاصة بالوسط القروي، ضمانا لمبدأ تكافؤ الفرص، وتحقيقا لمبدأي الإلزامية والتعميم.

وبعد أن حددت الوثيقة أهم الأهداف والمبادئ شددت التأكيد على ضرورة تحديث مختلف مجالات المنظومة التربوية (المناهج، البرامج، الوسائل، الهيكلة، البنايات، تجهيزات، العلاقات…).

كما حددت بعض وسائل وسبل الإنجاز. إلا أن شيئا من ذلك لم يعرف طريقه إلى التطبيق.

اعتراض الحسن الثاني على مبدأي التعريب والمجانية

رغم مشاركة الحكومة بستة وزراء في هذه اللجنة، الأمر الذي يجعلها مسؤولة عن تنفيذ ما اتفق عليه، فإن وثيقة المبادئ الأساسية بقيت مجرد حبر على ورق. كما أن اللجنة لم تستطع القيام بالمهمة المنوطة بها، أي إعداد ميثاق للتعليم يشمل كافة الجوانب. ولا يرجع ذلك في اعتقادنا إلى قصور ذاتي في اللجنة، وإنما إلى اعتراض الملك الراحل على بعض التوجهات المقررة، وبعبارة أصح إلى الاعتراض عن مبدئي التعريب والمجانية 4 .

إن تجربة اللجنة الوطنية أكدت من جديد ارتباط ملف التعليم بالمؤسسة الملكية. فالملك هو الذي أحدث اللجنة، وهو نفسه من ألغى أشغالها، وليست هذه المرة الأولى التي يبدي فيها الملك اعتراضه على أشغال لجنة ملكية مكلفة بقضايا التعليم، فقد حدث نفس الأمر سنة 1978.

حقيقة أخرى لا نملك إلا أن نقرها هي أن الاستغناء عن أشغال اللجنة والمعارضة الصريحة لبعض توجهاتها جاء بعد ظهور الإرهاصات الأولى لتقرير البنك الدولي سنة 1995. حيث تضمن هذا الأخير توصيات بشأن إصلاح التعليم، ووضع بعض الخطوات المنهجية لتدبيره. سنعود إلى ذلك بشيء من التفصيل لاحقا. أما الآن فإننا نسجل ملاحظة مفادها خضوع الإصلاح التعليمي بالمغرب لتوجهات خارجية. خاصة توجهات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، وقد يكون ذلك من أهم أسباب الفشل.

وخلاصة لما سبق نذكر أن التعليم العالي خلال عقد التسعينات عرف أزمة متعددة المستويات، ومتداخلة العناصر، لم يكن مجرد الوعي بها من طرف مختلف الجهات، سواء الرسمية أو غير الرسمية، كفيلا بتجاوزها، إذ وضعت مشاريع متعددة، كانت نقاط الاتفاق فيها أكثر من نقاط الاختلاف، مما جعل الكثير من التصورات تكرر نفسها لكن دون أن تجد طريقها إلى حيازة القوة القانونية ومن تم إلى التطبيق، فكانت النتيجة أن صعدت السلطات الحكومية برج الوصاية، وفرضت بعض الإصلاحات الجزئية لتكون بمثابة مسكنات مؤقتة، وكانت النتيجة الأخطر أن دارت عجلة عقد من الزمن دون أن يتحقق التقدم المطلوب على مستوى التعليم العالي، بل الذي تحقق هو المزيد من استفحال الأزمة، والمزيد من تبذير المال العام في مشاريع احتفظ بها في الرفوف.

لقد تتبعنا هذه المشاريع واحدا واحدا وكنا عند نهاية كل مشروع نفترض سبب عدم التطبيق، فقلنا بداية قد يكمن السبب في منطق الوصاية، وفي انفراد السلطات الحكومية بوضع تلك المشاريع دون أدنى مشاركة للأطراف المعنية، وبعد أن تم إشراك النقابة الوطنية للتعليم العالي تبين لنا أن تحويل التصور إلى تصرف في مجال التعليم يتطلب مشاركة أوسع ونظرة أشمل، واعتقدنا أن ذلك تحقق مع اللجنة المكلفة بقضايا التعليم، لكننا وجدنا أنفسنا مرة أخرى محاصرين بمنطق الوصاية ومكبلين بهيمنة المنظمات المالية.

ونحن إذ نؤكد كل هذه الأسباب التي مثلت عقبات كأداء في وجه تلك المشاريع، نذهب إلى أبعد من ذلك إذ نسجل أن المشكلة لا تكمن في عدم تطبيق تلك التصورات، ولكن في الأساس الهش الذي انطلقت منه، فرغم أنها حملت بين طياتها العديد من الإيجابيات، فإنها في أغلبها كانت تفتقر إلى الواقعية، إذ كانت تقرر الكثير من الإجراءات والمقتضيات الطموحة دون النظر إلى ما يوفره الواقع من إمكانات، سواء على المستوى المادي أو الحضاري أو الثقافي.

إن التعليم الناجح هو الذي ينطلق من إمكانات واقع ما ليغيره نحو الأفضل، وهو الذي ينسجم تماما بل ينطلق أصلا من الخصوصية الحضارية والثقافية للشعب المستهدف بذلك التعليم.

إننا لا نملك إلى حدود الآن إلا أن نقر أن المغرب لم ينهج منذ حصوله على الاستقلال سياسة تعليمية واضحة المعالم، فرغم اعتبارنا لبعض النتائج الإيجابية التي حققها التعليم على مستويات مختلفة، والتي من أهمها تخريج العديد من الأطر والكفاءات في ميادين متنوعة فإن ذلك يدفعنا إلى الإقرار بوجود سياسة تعليمية ناجحة لما نلحظه في المسار التعليمي من اضطرابات واختلالات، ولما نعيشه من مظاهر الأزمة الخانقة. خاصة على مستوى التعليم العالي.

وإذا استقبل المغرب الألفية الثالثة بشروط سياسية جديدة، وبميثاق وطني للتربية والتكوين، وبقانون جديد للتعليم العالي، فإلى أي حد كان لذلك أبعاد فلسفية واضحة؟ بعبارة أخرى إلى أي حد انبثق ذلك عن رؤية مجتمعية أصيلة المنطلقات، واضحة المعالم، مستشرفة للمستقبل؟.


[1] ضمت 335 عضوا وامتدت أشغالها من 2 غشت 1994 إلى آخر شهر يونيو 1995.\
[2] صادقت عليه اللجنة يوم 20 شتنبر 1994.\
[3] اللجنة المختلطة هي التي أعدت مشروع الأرضية التوافقية لإصلاح التعليم العالي، وهي غير اللجنة الوطنية المكلفة بقضايا التعليم (انظر ما تقدم).\
[4] ضريف (محمد)، الحركة الطلابية المغربية، منشورات المجلة المغربية لعلم اجتماع السياسي، الطبعة الأولى، 1996 ص 80.\