بسم الله الرحمن الرحيم

جماعة العدل والإحسان

سيدي سليمان

أيها الاخوة المسلمون والأخوات المسلمات يقول الله عز وجل في محكم كتابه مبينا مكانة القدس الشريف حين أسرى بعبده وحبيبه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، حيث قال عز وجل سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.

إن هذه الآية الكريمة توثق لحادثة الإسراء والمعراج التي لم تكن حادثة عابرة بل ربط الله عز وجل بها بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى للتأكيد على أهميةهذه البقعة المباركة في عقيدتنا الإسلامية وإن الذي بورك حوله لهو أعظم وأكرم مما حوله.

والمسجد الأقصى هو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، ومهبط الصالحين والأنبياء والمرسلين ومسرى خاتم النبيين، وقد دفن حول المسجد الأقصى كثير من الأنبياء والصالحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى”، وللمسجد الأقصى مكانته الجليلة في الإسلام فهو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

وبعد أن فشلت آلة الحرب الإسرائيلية في تركيع الشعب الفلسطيني والقضاء على مقاومته الباسلة التي امتدت على مر السنين، اجتهد قادة الصهاينة الجبناء ومنذ سنوات مضت على ابتكار مخططات جديدة قديمة تستهدف تهجير أعداد كبيرة من المواطنين الفلسطينيين من سكان القدس، بالتلازم والتزامن مع توسيع نشاط الحفريات وتخريب الملحقات التابعة للمسجد الأقصى الشريف، تمهيدًا لخلخلة أساسات الحرم القدسي وتعريضه للهدم، والغريب في هذا كله أن مثل هذا العمل الهمجي الجبان ليس جديدا علينا من قبل ذلك الكيان الغاصب الذي لا يحترم مقدسًا أو عهدًا أو أية مواثيق دولية أو إنسانية..

إن ما يقوم به هذا الكيان الهمجي اليوم من عدوان سافر على حرمة الأقصى المبارك، وكذا تهديمه لعشرات المنازل التابعة للمواطنين الفلسطينيين من أبناء مدينة القدس ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل عمليات التهويد، وطمس كل ما ينتمي للهوية العربية والإسلامية في فلسطين المحتلة، وأهم ما نخشاه هو أن تظل المواقف العربية والإسلامية تجاه ما يحدث تتراوح ما بين الشجب والاستنكار واستجداء المواقف الدولية، سواء في ما يتعلق بالمؤامرة على المسجد الأقصى أو المخطط الرامي لتهويد القدس أو التوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية أو التسوية النهائية التي تسعى إسرائيل إلى تمريرها وفرضها على العرب.

يحدث هذا بعد عام على العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة، حيث حاولت آلة الحرب الصهيونية الإجهاز على غزة وسكانها بالدبابات والطائرات والبوارج البحرية والقنابل المحرقة التي حصدت أرواح الآلاف من الأطفال والشيوخ والنساء والمدنيين العزل على مرأى ومسمع من العالم كله دون تحريك ساكن، بل إن هناك من سعى -للأسف الشديد- إلى تبرير ذلك العدوان الهمجي الغاشم وتقديم الإسرائيلي المجرم وقاتل الأطفال بصورة الضحية، فيما اختزل البعض الآخر الآثار والمشاهد المروعة للعدوان ومآسيه في دوائر ضيقة يتساوى فيها الجزّار مع الضحية.

ولا ندري كيف لهذه الذاكرة العربية والإسلامية أن تتناسى كل الفصول المروعة التي خلفتها المجازر الصهيونية، في صبرا وشاتيلا أو في قانا أو في دير ياسين أو في غزة أو في غيرها من المواقع والساحات والقرى الفلسطينية والعربية التي أثبتت فيها إسرائيل أنها إرهابية بكل امتياز.

وأمام كل هذه الماسي والآلام لا بد أن يدرك العرب والمسلمون عمومًا أن الحفاظ على المسجد الأقصى الشريف، يقتضي منهم تحركًا مكثفًا وجادًّا وموقفًا موحدًا ولغة صريحة جامعة، بعيدة عن الخطابات والشعارات الرنانة، فما ضاع بالقوة لايسترد إلا بالقوة، خاصة وأن الخصم معروف بمكره ونقضه للوعود والعهود.

وإنكم تسمعون اليوم وتورن الغليان الشعبي العارم الذي تعرفه المدن والقرى على امتداد وطننا العربي والإسلامي استجابة لنداء الأقصى واستنكارا لما يتعرض له من تهويد وتدنيس لمعالمه المقدسة واستباحة لتراثه الإسلامي و تزييفا لحقائقه التاريخية وآخر حلقات هذا المسلسل الإجرامي تجرؤ بني صهيون القردة والخنازير وتطاولهم على أولى القبلتين و ثالث الحرمين ومسرى الحبيب محمد صلى الله عليه وآله و سلم حيث قام الاحتلال الصهيوني بضم الحرم الابراهيمي الشريف ومسجد بلال بن رباح إلى التراث اليهودي النجس،ووردت أنباء من هناك تفيد أن الجنديات الاسرائيليات يتجولن بأحديتهن في أنحاء المساجد ويفعلن فيه الافاعيل وما خفي أعظم.

وإن هذه الافعال رغم بشاعتها تواجه بصمت عربي رسمي رهيب يدل على مدى الضعف الذي وصلت إليه الامة العربية والاسلامية على مستوى قادتها إن لم نقل تخاذلهم وتواطؤهم مع الدوائر الصهيونية والحكومات الغربية الداعمة لهذا الاحتلال السرطاني الجاثم على صدر الامة ما يقرب قرنا من الزمن. وإننا على يقين أن هذه الحقوق المسلوبة لن تعود إلا حضيرتنا إلا بسواعد المقاومين والمجاهدين والمناضلين المنافحين عن عقيدة دينهم ومقدساتهم وإن ما يسمى بمسلسل السلام ما هو إلا مكر الليل والنهار أراد به الصهاينة وأعوانهم إلهاء الامة وراء سراب زائف.

وإننا من هذا المنبر نجدد تشبتنا بمقدساتنا الاسلامية وكل شبر إسلامي وإن إرض فلسطين كل فلسطين من النهر إلى البحر لن نفرط فيها بإذن الله عز وجل مادمنا على قيد الحياة ومادمنا نشهد أن لاإله إلاالله رب المسجد الحرام ورب المسجد الأقصى ونشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إمام الصحابة في المسجد الحرام وإمام الأنبياء في المسجد الأقصى.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين لايضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأْواءَ حتى يأتيهم أمر الله و هم كذلك، قالوا يارسول الله وأين هم؟ قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس”.