قبل أيام صدرت رسالة “أنصفونا”، وتلاها نداء من بعض عائلات المعتقلين، هما رجع الصدى لصرخة أطلقها زعماء ما سمي تيار “السلفية الجهادية”، وظلت تتردد في أرجاء هذا البلد منذ أحداث 16 ماي الأليمة، بعد سنوات قضوها في السجن وبعد محاكمات شهد القاصي والداني، بمن فيهم رجال النظام أنفسهم، بأنها كانت محاكمات ظالمة شابها ما شابها من خروقات وتجاوزات، أسهم فيها التحريض الإعلامي والسياسي بشكل كبير.

مبادرة ودعوة لفتح صفحة جديدة وطي أخرى، وما أكثر الصفحات التي طويت في هذا البلد وفتحت من جديد. وترحيب هنا وتردد هناك، وعجز من طرف النظام -لحد الآن- عن اتخاذ قرار سياسي شجاع يعجل بطي هذا الملف الذي صار وصمة عار في جبين المغرب، خاصة وأن دولا عاشت تجارب مماثلة استطاعت بهدوء وسرعة أن تتدارك ما يمكن تداركه (الجزائر ومصر وموريتانيا)، وأن تطوي الصفحة لتدشن مرحلة أخرى.

ونحن، وإن كنا نعتبر أن الصلح خير وأن هذه الدعوة ومعها النداء فرصة لإنجاز المصالحة، ورفع الجور والجنف عن بعض أبناء هذا الشعب المستضعف، ممن اكتووا برصاص المخزن المصبوب، فإننا نرى أن على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها وتعلنها صراحة أنها بارتجاليتها وسياساتها الفاشلة في كل الميادين الاجتماعية والاقتصادية والثقافية أوجدت المبرر المادي، والأرضية الخصبة لانتشار أفكار العنف والكراهية، وأنها بعد ذلك بمقاربتها الأمنية غير الرصينة عمقت الجرح ووسعت الشقة، وأنها تتحمل جزء كبيرا من المسؤولية فيما حدث.

الاعتراف بالأخطاء وتحديد مسؤوليات كل الأطراف مدخل لابد منه، واختيار شجاع ينبغي الإقدام عليه حتى لا يتكرر نفس الخطأ والخطر، فالاحتقان الاجتماعي وقمع الحريات وتكميم الأفواه وعدم القبول بوجود معارضة حقيقية تعبر عن فئة عريضة من المجتمع وتأميم “الشأن الديني”، كلها عوامل توجد بيئة لانفجار وشيك لا تكفي هذه المسكنات في احتوائه أو الحد منه. فالمغرب يعيش تراجعا هائلا عن المكتسبات السابقة في ملفات حقوق الإنسان والحريات، والمغاربة صاروا يعيشون في سجن تعتقل فيه الآراء والأفكار وتكمم فيه الأفواه ويسفه فيه أصحاب الدين والأحلام .. ولذلك فالشعب، بكل مكوناته، يرفع صوته لينادي “أنصفونا”.. فمن حقنا أن نعيش العدل والحرية والكرامة والرخاء في بلدنا.