في شهر أكتوبر من سنة 1995، أعلن الملك الراحل الحسن الثاني، أمام البرلمان في خطاب تاريخي، أن المغرب، وهو يستشرف الألفية الثالثة، يعيش مرحلة السكتة القلبية. واستشهد على ذلك بأرقام تضمنها تقرير البنك الدولي حول المغرب، مؤكدا أن هذا التقرير تم بطلب منه، حيث قال هذه المخاوف كلها، هي التي جعلتني أطلب، رسميا وكتابة، من مدير البنك الدولي أن يقوم بتحليل وراديوغرافية نزيهة ودقيقة للعناصر الثلاثة التي تكون اهتمامكم واهتمامي يوميا: العنصر الأول هو مشكلة التعليم، والثاني هو إصلاح الإدارة .. وثالثا رسم استراتيجية اقتصادية ومالية وتجارية). ثم أضاف وقد قلت .. أرجوك أن تعطيني جردا حقيقيا موضوعيا يكون مصحوبا بأرقام وبمقارنات مع دول أخرى في مستوانا وصلت إلى طور الوثبة والقفزة، حتى نرى لماذا لم نثب ولماذا لم نقفز). ونتذكر جميعا قولته الشهيرة: قرأت هذه التقارير، فوجدت فيها فصاحة موجعة وأرقاما في الحقيقة المؤلمة، ومقارنات تجعل كل ذي ضمير لا ينام). وهي القولة التي كان لها ما بعدها.

بدأت التحركات والمبادرات وتوالت البرامج والخطط وتتالت الخطابات والشعارات والإشارات وتغيرت الحكومات وأجريت انتخابات تلو الانتخابات. وها قد مرت سنين وسنين ولم تزدد البلاد إلا تدهورا، وأوضاع المواطنين إلا سوءا. فهل تجاوزت البلاد السكتة القلبية؟

سيجيب بعض المسؤولين بالإيجاب ويسهب بعضهم في إبراز الإنجازات الملموسة والحصيلة الإيجابية التي حققها المغرب خلال هذه المدة، وقد يفحم المستمعين بعشرات المشاريع المنجزة وتلك التي في طور الإنجاز، كما قد يسكت المعارضين بالإحصائيات والأرقام والمقارنات بين ما كان وما نحن فيه اليوم. وحتى إن لم يقتنع البعض، فتبرير عدم اقتناعه جاهز، فهو إما منكر جاحد، أو ناقص المواطنة، أو مشوش، أو عدمي، أو هو في أحسن الأحوال ممن لا يرى في الكأس إلا نصفه الفارغ، وانتهى الكلام. ولكن أي مستقبل ينتظرنا؟

سؤال لا يخلو منه مجلس للعامة أو منتدى للنخبة، وفي طرحه تخوف على مستقبل البلاد وشك في أنها تسلك المسلك الصحيح للتقدم. لقد تحدث التقرير آنذاك عن اختلاسات داخل المؤسسات العمومية، والمؤسف أن عدد المؤسسات التي تم اكتشاف اختلاسات فيها بعد ذلك في تزايد، وحجم الأموال المختلسة لا تكاد تصدقه عقول المواطنين البسطاء الذين تعجز ألسنتهم عن قراءة أرقامها، فأحرى عدها أو التصرف فيها، وهم الذين لا يتقاضى ما يقارب نصفهم الحد الأدنى من الأجور ويغرق ما يقارب خمسهم في البطالة.. وتحدث التقرير عن الامتيازات والزبونية، وللأسف لم تزدها هذه المدة إلا انتشارا، حتى إنك لا تكاد تسمع عن مباراة توظيف طبعتها الشفافية، بل الكل يشتكي من المحسوبية التي استفحلت حتى أصبحت الوزارات والمؤسسات غنائم توزع على بعض الأحزاب وأصحاب النفوذ.. وتحدث التقرير عن البيروقراطية وتعقد المساطر وبطء الإجراءات وعدم ملاءمة التشريعات، والوقائع حول بقاء الوضع على ما كان عليه كثيرة بلغت حد التواتر.. وتحدث التقرير عن القضاء، والكل يعلم الفساد الذي ما يزال ينخر هذا الجهاز ومناعته ضد الإصلاح رغم تعالي النداءات الداعية إلى إصلاحه.. ونفس الأمر في ما يخص الإدارة. باختصار، كل ما تضمنه تقرير البنك الدولي من مساوئ لم يزدد خلال هذه المدة من الزمن إلا تفاقما.

حدثت، بالفعل، تغييرات همت بعض القوانين والمساطر، وجدت مستجدات أزاحت البعض عن السلطة وحملت بعضا آخر إليها فتغيرت وجوه وأسماء، واستبدلت نصوص بنصوص، وتغيرت نبرة الخطاب وشكله ومضمونه، ولكن الشعب لم يلمس نتائج ذلك، والبلاد لم تستفد من هذه التغييرات لأنها لم تتجاوز الشكليات وبقيت حبيسة المكاتب والأوراق، بل إن الواقع يكذبها، حيث العديد من المعامل والمصانع تغلق وتسرح العمال بدون الحصول على أدنى حقوقهم، والأسعار في تزايد، والأجور جامدة، والبطالة في تفاقم، والضرائب في تزايد، والغني لا يزداد إلا غنى والفقير لا يزداد إلا فقرا، ومهما أوردنا من إحصائيات فإنها لن تعبر عن الحقيقة التي تفوق كل وصف.

إن واقع الحال يؤكد أن نتيجة تدبير هذه السنوات كانت خرابا على كل المستويات، وتبذيرا للجهود والأموال في كل الواجهات، ومردودية ليست في مستوى التحديات. وليت الأمر انتهى عند هذا الحد!

لو تعلق الأمر بخراب المؤسسات وسوء التدبير، وما شابه ذلك، لكان الأمر هينا يمكن تجاوزه بتغيير وإصلاح بسيطين متى توفرت الإرادة لذلك، ولكن المشكل أعمق لأنه يرتبط بإنسان يفقد الثقة يوما بعد آخر فيفضل الهجرة السرية أو العزوف أو الإدمان أو التطرف.

وعماد التنمية هو الإنسان، وعنوان المستقبل هو الشباب، وشباب بهذه المعاناة لن يتربى إلا على السلبية والانتظارية والحقد، وكل يوم يمر دون خطوات جدية للإصلاح يزداد المشكل تعقدا.

إن الأمر يرتبط بمستقبل البلاد الذي لا يجب أن يبقى حكرا على فئة ضيعت ماضيه، وتعبث اليوم بحاضره، وتريد أن تأسر مستقبله بتدبيرها السيء وأسلوبها المتقادم وخطابها الممجوج وخططها المتقادمة. ليت هؤلاء يحسنون قراءة الأرقام ووصف الواقع كما هو، ويستشعرون خطورة الآتي فيعلنون فشلهم واستقالتهم.. وحينها سيحظون بنوع من الاحترام. وليت ضميرهم يستيقظ ليحسوا بما اقترفوه ويروا بأم أعينهم ما ارتكبوه.. فمنذ مدة ونحن نسمع عن الأوراش المفتوحة والخطط المطروحة والبرامج المصادق عليها والاعتمادات المرصودة والجهود المبذولة والخطوات المنجزة.. ومنذ مدة ونحن نبشر بالفتح القريب والحل الأمثل والنهاية السعيدة.. بل في كل مرة، نسمع خطابا وتقدم لنا إحصاءات تفيد بأن ثمة تقدما، ولكننا لا نلمسه ولا نرى له أثرا ولا نشم له رائحة كما لا نتذوق له طعما، ثم سرعان ما نفاجأ بتقارير تنبئنا عن حقيقتنا التي لا هم للبعض إلا طمسها، وتبصرنا بعيوبنا وتشير إلى اختلالات وثغرات وتدق ناقوس الخطر.

إننا متخلفون ولا ضير في ذلك لأنه أمر واقع، وما علينا إلا العمل على تجاوزه، وأول الطريق لذلك تقاسم واضح للسلطة وتوزيع عادل للثروة وقطع مع كل مظاهر الفساد وإعطاء قيمة للإنسان.

بدون ذلك سنبقى هملا متسكعين في عالم يتحول بسرعة، ويوشك هول هذا التحول أن يجرفنا إلى حضيض الحضيض.

لطفك يا الله. رحم الله من قال آمين.