إنه لمن سخرية القدر أن يتخلف المضمون عن تطور الشكل، فترى الدولة الحافية العارية –بل الحُفاة العراة هم عامة الشعب وليس الملأ المترفون- تطيل بنيان الإدارات وتحرص على “تَزْوِيقِ” الواجهات حتى يخيل لمن ليس له خبرة بمكايد الجَبْر، أن الأمر يتعلق بقطع مع الماضي القريب، والانتقال من واقع مكروه إلى واقع مأمول يناسب الألفية الثالثة.

لكن سرعان ما يقف المرء على حكمة السابقين –إن سوَّلت له نفسه أو أرغمته ظروفه- أن يعود الإدارة المغربية (قياسا على عيادة المريض)، فيجد نفسه ملزما رغم أنف أبيه بكل “آداب” العيادة:

– عدم الإطالة لأنه سيخرج –في الغالب- صفر اليدين ولن يقضي ما جاء من أجله.

– استحضار الأمل لأنه أمام مؤسسة تحمل سمات الاحتضار.

– رفع أكف الضراعة بالدعاء آملا في أن يرفع الله هذه الغمة عن هذه الأمة…

فيخرج من الإدارة وهو يستشعر رجة في قفصه الصدري، وكأني به يكتم أنفسا قرينه الذي يريد أن يصرخ، لفسح المجال لهمهمة خافتة تقرأ من شفتيه: “المزوق من برا آش خبارك من لداخل”.

الإدارة المغربية تعاني من مرض عضال، حقيقته مُرَّة، يدركها المواطن البسيط من خلال معاناته، والمثقف الباحث من خلال اطلاعه خاصة على بعض التقارير الدولية من قبيل التقرير الذي أصدره البنك الدولي عن المغرب سنة 1995 حيث حدد الأزمة في البلد في مجالات ثلاث: الإدارة، التعليم، والاقتصاد.

فالبنك الدولي لا يمثل الناصح الأمين المتلهف على مصلحة المغرب والمغاربة، بل هو مؤسسة استعمارية تدفع في اتجاه ما يحقق مصلحة الأخطبوط الاستكباري، لكن كان بالإمكان –لو صحَّت النيات وصدقت الإرادات- أن نستفيد على الأقل مما نعتبره حكمة سواء في تقريره أو تقارير غيره من المؤسسات.

لكن، والحمد لله، الذي لا يحمد على مكروه سواه، فقد ابتلينا في هذا البلد الحبيب بمسؤولين يمثلون بامتياز “الصم البكم الذين لا يعقلون”. فإذا كان البنك الدولي مؤسسة لخدمة “الكبار”، فالمتنفذين في إداراتنا يحسنون التملق “للكبار” ويدركون جيَّدا أن الموقع بالولاء وليس بالكفاءة، والعبرة بعطف أولياء النعمة وليس باحترام القانون.

ولذلك، فمن غرائب الإدارة المغربية، إضافة إلى البيروقراطية القاتلة، أنك تجد صغار الموظفين في المكاتب، وهم لا يتصدرون، بالطبع، إلا لصغار المآرب، ولا ينفذون إلا وفق التعليمات، وإن كان كل مكتب مفتوح الأبواب لا تخرج منه إلا وقد دفعت الأتعاب.

لكن المتنفذين الإداريين لا تفتح أبواب مكاتبهم –في الغالب- إلا عندما يخرج خبر غيابهم المتكرر إلى الرأي العام، أو يخبرون بزيارة خاصة جدا، وإذا ذهبت تتعمق في سياسة، بل جناية، الأبواب الموصدة هذه، يزودك العارفون بخبايا الإدارة المغربية بالجواب الشافي وهو أن هؤلاء المتنفذين جاؤوا ليشتغلوا بالإدارة وليس ليشتغلوا في الإدارة، وبين الوظيفتين فرق دقيق يحتاج إلى فقه عميق لا يدركه إلا الجهابذة من علية القوم.