الثابت

لكل نظام سياسي ثوابته التي تميزه وتحدد طبيعته، فالأنظمة الديمقراطية لها ثوابتها وأسها التداول على السلطة وتوزيع الاختصاصات وتقنين مساطر اتخاذ القرارات وآليات المحاسبة، علاوة على استقلال القضاء وحرية الصحافة والحضور الفعال للمجتمع المدني. كما للأنظمة السياسية الشمولية ثوابتها: احتكار السلطة وشكلية أجهزة الدولة وغياب المحاسبة والتضييق على الصحافة وعدم القبول بالرأي المعارض.

والتجربة المغربية أكدت أن لا شيء تغير في شكل تدبير شأن البلاد والعباد رغم ما تم تسويقه من شعارات العهد الجديد والحكامة الرشيدة وغيرها التي كشف واقع الحال أن دار لقمان ما زالت على حالها، فالمشهد السياسي لم يزدد إلا تعفنا، ومؤسسات الدولة توسعت صوريتها، والوزير آخر من يعلم مستجدات وزارته، والصحافيون يزج بهم في السجون أكثر مما يتابع أباطرة المخدرات، والمال العام يتعرض لأبشع أنواع النهب تحت مسميات وهمية، ومعاناة المواطنين لا من يكترث لها: جوعى وغرقى ومشردين..، وتطوير أساليب التضييق على ذوي الرأي والموقف الرافضين للانبطاح الفاضحين نهج الفساد والإفساد وتبذير أموال الشعب.

المتغير

ضمانا للاستمرارية يعمد المخزن ـ مضطرا ـ لتغيير جلده، فيستبدل وجوها تقادمت وفقدت مفعولها، بعدما قامت بما أنيط بها من أدوار، وبدا أن صلاحيتها انتهت؛ يستغنى عنها بعدما تحمل أوزار مرحلة وتبعات إخفاقات كانوا فيها مجرد منفذين، ويؤتى بوجوه جديدة يُشرعِِن تنصيبَها الإعلانُ عن طي مرحلة واستشراف أخرى. فإبعاد قيدوم وزراء الداخلية الراحل إدريس البصري سوق على أنه قطع مع عهد التسلط والفساد وسوء تدبير شؤون البلاد، وحمل أوزار عهد سياسي أريد التخلص منه: تزوير الانتخابات وتهميش المؤسسات ومصادرة الحقوق العامة وتصفية الخصوم السياسيين، فظن البعض أن المخزن قد تاب، وأن عهدا عُمريا عزيزيا ـ نسبة إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله ـ قد بزغ فجرُه، وما هي إلا سنوات ليكتشف المغاربة أن الآلة المخزنية التي أنتجت إدريس البصري ما زالت تنتج نسخا متطورة لمن يحمي قلاع المخزن ويذود عن حماه.

ووفق نفس القاعدة استغني عن خدمات وزير داخلية “العهد الجديد” شكيب بنموسى وحمل مسؤولية مرحلة المقاربة الأمنية التي بقدر ما نجحت في الظفر بتقدير الاتحاد الأوروبي وأمريكا لانخراط المغرب الجدي واللامشروط في محاربة الإرهاب من خلال تفكيكه للخلايا الإرهابية، فشلت في احتواء حركات احتجاجية شعبية: صفرو وسيدي إفني نموذجا، أحداث أبانت أن عقيدة المخزن هي:”العصا لمن يعصى”. وجاءت قضية أميناتو لتبرهن بالواضح فشل التدبير لقضية جوهرية ارتهن لها المغاربة عقودا وفوت على البلاد فرص تنمية كثيرة، ليهتدي المخزن ـ متأخرا ـ أن مفتاح قضية الصحراء هو المقاربة الحقوقية والتنموية.

في هذا السياق جاء التعديل الوزاري الذي فاجأ الحكومة، فنودي على وزير جديد لأم الوزارات بخلفية قانونية متزامنا مع الإعلان عن تكوين هيئة تحضر مشروعا للجهوية في خطوة استباقية تجعل من مبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية تطورا طبيعيا في إدارة شؤون البلاد على أسس قانونية تضمن للشعب شروط مشاركة حقيقية في صناعة القرارات ووضع خطط التنمية وآليات المحاسبة.

هكذا يريد المخزن أن يسوق للخارج أكثر منه للداخل أن هناك إرادة سياسية للإصلاح تؤسس للاستقرار والسلم الاجتماعيين طمعا في نيل ثقة المؤسسات المالية وحشدا للدعم الدولي لنظامه السياسي؛ غير أن قمة غرناطة التي هلل لها المخزن خيبت الأمل لما ألح الجار الأوروبي والشريك ـ بل المستفيد ـ الأول من مؤهلات المغرب وسوقه أن على المغرب إجراء إصلاحات جوهرية في مجال حقوق الإنسان، ليضع الشريك الأول للمغرب يده على الجرح الغائر في جسم المخزن.

ولتواريخ الازدياد دلالة

غير بعيد عن التعديل الوزاري، جاء تعيين الولاة والعمال على العمالات التي أحدثت باعتبارها حلقة في مشروع المرحلة التي يراد أن يكون عنوانها: حكامة القرب والتفاعل مع نبض واقع الساكنة؛ لكن اللافت في التعيينات أمران لا يخلوان من دلالة:

أولهما تواريخ ازدياد من عينوا لتفعيل مقاربة حكامة القرب، فأغلبهم ـ 14 من أصل 18 ـ ازدادوا بين سنتي 1948 و1958 أي أنهم ممن عايشوا مرحلة القبضة الحديدية للمخزن في شخص وزير داخلية “العهد القديم” إدريس البصري، وتحتفظ ذاكرتهم بما كان عليه أسلافهم، وبم نالوا رضا المخزن، بهذا لن يحتاج هذا الجيل من رجال المخزن لتأهيل أو “رسكلجة” كما يقول إخوتنا التونسيون.

ثانيهما مجالات اختصاص تكوينهم، فأغلبهم يحمل شواهد في بناء القناطر، أي أن اختصاصهم هو تطويع الصلب ومقادير الإسمنت بناء على خصائص التربة وعوامل التعرية.

وأعتقد أن هذا الاختيار صائب ما دام المخزن يحتاج إلى من يطوع كل من تسول له نفسه أن يطالب بتحسين ظروفه المعيشية أو يحتج على إجراء مخزني، فالمرحلة تتطلب قبضة فولاذية، ولا غرابة أن يهل نجم مهندسي القناطر لتصريف سياسة المخزن.

خَصْمُ المخزن واحد

ما يؤرق كل نظام مخزني حيثما كان زمانا ومكانا هو صوت يعارضه ويندد بسوء تدبيره لشؤون العباد والبلاد، ويزداد المخزن غيظا عندما يتبنى هذا المعارض خطابا سلميا يتغلغل برفق فكرا وسلوكا في قاعدة الشعب، يربي ويعبئ، يواسي ويؤلف، فيغدو ملاذا للشعب، تشهد الأيام بصواب مواقفه، ويؤكد توالي نكسات وإخفاقات المقاربات والمبادرات المخزنية صحة مواقفه، فيضطر المخزن لقمعه ويفضح بذلك زيف شعاراته، فيظهر ـ وبشكل جلي ـ أن العقلية المخزنية تستعصي عن التغيير، وأن لا فرق بين مهندس قناطر أو رجل قانون الذي تسير وزارة الداخلية في عهده نحو تحطيم أرقام من سبقه، فمصالح الشرطة القضائية حررت في نهاية الأسبوع المنصرم محاضر 103 من أعضاء العدل والإحسان بنفس التهمة الواهية “تجمعات بدون تصريح” ليستمر نهج الحصار والتضييق واقتحام البيوت وترويع الأهالي واعتقال من برأتهم المحاكم. فمن شب على شيء شاب عليه، ومن عاش على شيء مات عليه.

إن على المخزن أن يعي أن العدل والإحسان دعوة ملتصقة جذورها بتراب هذا البلد، وانتشرت لتدخل قلوب وعقول وبيوت السواد الأعظم من الناس فحازت القبول والرضا والاحترام بسبب نهجها الرفيق البعيد عن العنف، وبسبب وضوحها منذ البداية سواء في منطلقاتها أو أهدافها أو وسائلها أو مبادئها أو مواقفها أو علاقاتها..) 1 ، ويدرك أنها تمكنت بفضل من له الحول والطول، جل وعلا، أن تصمد وأن تحافظ على تماسكها ومواصلة أداء رسالتها؛ بل إنها جعلت من هذه المحنة منحة، ومن المتاعب حوافز على المقاومة والتحدي، وإبداع الوسائل الكفيلة بمواصلة العمل بكل أبعاده التربوية والدعوية والسياسية والإعلامية وغيرها…) 2


[1] من مقال للأستاذ عمر احرشان عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية نشر بموقع الجماعة:09.5.26.\
[2] من حوار أجـراه موقع الجمـاعة مع الأستـاذ عبد الواحد متوكل، الأمين العـام للدائرة السياسية نشر:09.6.3.\