لن يكون رحيل السيد طنطاوي فقد واحد، فقد كان رحمة الله عليه عالما ملما بأصول الشريعة ومحيطا بفروعها، على يده تخرجت أجيال من العلماء تشغل الآن مناصب الإفتاء والتعليم والتأليف في مرافق الأزهر وغيره من مدارس فروع الشريعة بمصر العروبة وغيرها من بلدان العالم الإسلامي.

رحم الله شيخنا وأسكنه فسيح جناته، فقد اختار له الحق سبحانه مجاورة أهل البقيع تكريما له على ما قدم وبذل من أجل علوم الشريعة، بل ولعل الله سبحانه كذلك أراد أن يريحه من عتاب من خالفوه الرأي في مسائل عدة تجاوز صداها بلاد العرب والمسلمين.

وكأن القدر خزن للراحل ابتلاء استثنائيا في زمن تعددت مصاعبه على العامة، فما بالك بالخاصة من العلماء والأمراء. رحيل الشيخ يفسح المجال على مصراعيه لنقاش غاية في الأهمية حول دور العالم وأهمية الفتوى في عصرنا الحالي، فقد كان الفقيد يقود نموذجا لمدرسة تتبنى مواقف خاصة من قضايا يغلب عليها الطابع السياسي، في المقابل توجد على مسرح العلوم والفتوى نماذج أخرى تنتقد مدرسة الشيخ أو تعترض عليها جملة وتفصيلا.

فمن إقالته رحمه الله للشيخ علي أبو الحسن رئيس لجنة الفتوى بالأزهر بسبب فتواه بوجوب القتال في وجه الأمريكيين إذا هم دخلوا العراق، مرورا بقراره إيقاف الشيخ نبوي محمد العش رئيس لجنة الفتوى وإحالته على التحقيق على خلفية فتواه بعدم شرعية مجلس الحكم الانتقالي العراقي وتحريم التعامل معه إلى استقبال الحاخامات بالأزهر إلى مصافحة رئيس الكيان الإسرائيلي ومجالسته في مؤتمر حوار الأديان إلى تبرير شرعية الجدار الفولاذي على غزة وإجبار إحدى الطالبات بإعدادية الأزهر على خلع النقاب. كل هذه الخرجات جعلت الرجل ومواقفه مثار نقاش كبير تمحورت مواضعه حول قضيتين مركزيتين:

الأولى حول ماهية المعايير المعتبرة في العالم والمفتي في عصرنا الحاضر؛

والثانية حول طبيعة العلاقة السائدة بين العالم والحاكم.

الأزهر واستراتيجية الاحتواء بعد 1961

منذ تأسيسه والأزهر الشريف يتمتع بالاستقلالية التامة في توجيهاته واختيار علمائه ومناهج تعليمه، هذه الميزة جعلت الأزهر -بشهادة الجميع- محجا للطالبين للعلم والفتوى والتبحر في أصول الشرع وفروعه. فالأزهر بهذه الميزة كان مقصد المفكرين ومجمع اللغويين ومرتع المجتهدين وحلم المتعلمين في العالم الإسلامي بأسره.

لكن مع بداية الستينيات من القرن الماضي، بدأ الأزهر يغوص في المحن المتتالية، محن أفقدته هيبته ومكانته وذهبت ببريق خريجيه وجردتهم من قوة العلم واتساع الإدراك إلى أن غدت رسائل بعض طلاب الأزهر لا ترق إلى مستوى مثيلاتها في كلية ما في قطر إسلامي.

كان الأزهر فيما مضى يؤثر في مجريات الحياة العامة بل يتحكم فيها ويوجهها، وكان شيخه الأكبر سلطانا على الجميع، فاستقلال إرادة الجامع وشيوخه جعلتهم يزهدون في كل ما من شأنه تدنيس سمعة الجامع وعماره.

ومع خروج المستعمر، وبروز الملامح والأسس العامة للدولة القومية المصرية بدأ الخصام الذي أنتج انفصاما، وبعد الانفصام ومعاناته استمر الاحتواء. فكلنا يطالع بشعور ينتابنا فيه الفخر والأسف معا، ذكريات سنة 1974 عندما أعلن المرحوم عبد الحليم محمود استقالته من الأزهر على خلفية إصدار الرئيس السادات قراره بتقليص صلاحيات شيخ الأزهر لصالح وزير الأوقاف. هذا الموقف الذي يعتبر فلتة في مسار الانحدار سالف الذكر، أرغم حكام مصر على الرضوخ لموقف الشيخ وإعادة الاعتبار للأزهر الشريف.

لكن للأسف لم يرق الخلف إلى موقف السلف، فقد تحول الأزهر من جامع علوم وفقه إلى ملحقة لرئاسة الجمهورية تصوغ به المواقف، وتثني به الأعناق المشرئبة لكلمة الحق.

لم يكن سيد طنطاوي رحمة الله عليه بدعا من رجالات هذا المسار، بل أظنه سجل ريادته لهذا المسار بامتياز، فلم يعرف الأزهر جدلا حول آرائه وفتاواه وشيوخه كالذي شهده برآسة سيد طنطاوي.

بغض النظر عن المواقف السياسية التي لنا معها كلام في الفقرات الموالية، يكفي أن نذكر مظهرا واحدا من مظاهر انتكاسة الأزهر والمتمثل في طريقة انتداب وانتخاب شيخ الأزهر نفسه وشيوخ الدرجات العليا بالجامع.

فالذي يمنح فإنه بالتأكيد سيأمر ويمنع، والشيخ طنطاوي رحمه الله باعتباره أحد المعينين على رأس هرم المشيخة الأزهرية، أصبح بحكم الواقع موظفا كأمثاله من بعض العلماء في الدول العربية، موظفون لدى الأنظمة التي على ما يبدو، لا حاجة لها بعلم أو نحوه، وإنما حاجتها تأمين مراكزها الشخصية وإن تطلب الأمر نزع مرارة أو كبد.

العالم وضرورة الوعي السياسي وفقه الواقع

من طوام المعرفة الإسلامية الرسمية الحالية أنها تقدم الإسلام كأنه نسخة منقحة للمسيحية “ما لقيصر لقيصر، وما لله يحدده القيصر”، فهم وسلوك ألحقا الأذى الوافر بالعلم وأهله ومؤسساته على مر قرون الانتكاسة الإسلامية. ونتيجة لهذا الفهم وهذه المعرفة من جهة، وتعاظم الاستبداد السياسي من جهة ثانية، انحدر الوضع ببعض العلماء إلى مراتب لا يحسدون عليها. فلا هم بالمفتي المقنع ولا بالناصح الورع، ولكن موظف في مكتبه ينتظر التعليمات من أصحاب القرار.

الأزهر حاليا يجسد واحدة من هذه المؤسسات الدينية الرسمية التي تمثل الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، وذلك نظرا لخصوصية النظام المصري ورمزية الدولة المصرية بين الدول العربية. فباعتبار شرعيتها التاريخية والجغرافية حيث تمثل مصر بوابة الشرق الأوسط وعراب المشاريع الأمريكية بالمنطقة، خصوصية نبهت لدى الساسة المصريين غريزة امتلاك الشرعيات كلها بما فيها الشرعية الدينية وذلك بتدجين الحقل الديني وترويض العلماء بالاعتماد على أكثر من وسيلة، نذكر من بينها:

– تحديد سقف التدين بثوابت تخدم المصالح الشخصية العليا للساسة؛

– إبعاد العلماء عن سبيل الوعي السياسي المؤهل للمشاركة في الحياة العامة، وبالمقابل استدراجهم إلى تصويغ المواقف السياسية الرسمية بلبوس ديني وفتاوى فاصلة.

لذلك نجد أن بعض شيوخ الأزهر وعلى الرغم مما قد يبدو من نبوغهم الفكري وتوسعهم المعرفي، فإن ملامح الجهل السياسي بادية على مواقفهم وفتاواهم. وهنا نشير إلى ما تقدم به المرحوم طنطاوي من دفعات عندما انهالت عليه الانتقادات عشية مصافحته لرئيس الكيان الغاصب ومجالسته له بمؤتمر حوار الأديان، فقد برر الشيخ رحمه الله خطأه هذا بعدم معرفته ببيريز وجهله بملامحه، على الرغم من أنه زار مصر مرات عديدة واستقبل بها رسميا استقبال الأبطال على الطريقة المصرية.

هذا التبرير، أضف إليه مسارعة الشيخ إلى استقبال ساركوزي، وزير الداخلية آنذاك بالأزهر الشريف، والتصريح بأحقية الفرنسيين في تبني القوانين التي تخدم مصلحة دولتهم ولو كانت هذه القوانين منع حجاب أو رفض ممارسة شعيرة إسلامية بادية السلمية، ناهيك عن فتواه بجلد الصحفيين الذين نشروا خبر مرض الرئيس مبارك. كلها تنم عن قصور في الوعي السياسي الذي من شأنه تجنيب الأزهر سيل انتقادات تنقص من قيمة علمائه وتقلل من كفاءة خريجيه.

سيل انتقادات لن يوقفها رحيل شيخ وتنصيب آخر، بل ستجد جوابها في بحث سبيل استراتيجية تحريرية في مصر وغيرها من الدول العربية تعيد الاعتبار للعلم وأهله، حتى لا يضطر غيور للقول غدا أو بعد غد: “لا تصافح” أو “فضيلة الإمام الأكبر، استقيلوا يرحمكم الله”.

وعندها سيتحول الكلام والانتقاد –بدون شك– من جدل حول قضية، إلى مطالبة بحق لأمة انتهكت حرمتها بفتاوى باطلة.

تغمد الله فقيدنا برحمته، فقد تواترت تصريحاته قبيل الوفاة في أكثر من منبر، تأكد استبعاده زيارة القدس على وضعها الحالي تحت الاحتلال بتأشيرة إسرائيلية.

لكي لا تتكرر المأساة

وإن كنا واثقين من أنه لا داعي لرفع سقف التوقعات في ظل وجود نظام مصري، كأمثاله من الأنظمة العربية، لن يفرط في شرعية عليها يقوم كيانه، فإننا نؤكد على لسان الأمة عدم رغبتنا في تكرار المأساة بهذه الحدة.

لا سبيل إلى تجنب المأساة الحاصلة الآن، إلا بإحراز العلماء مسافة كافية عن طموحات الحكام، فلن يصلح حال العالم في عصرنا هذا إلا بما صلحت به أحوال سالف علمائنا.

جاء عن ابن عبد البر أن الحجاج قال يوما لخالد بن صفوان: من سيد أهل البصرة ؟ قال له: الحسن، قال: وكيف ذلك وهو مولى ؟ فقال: احتاج الناس إليه في دينهم واستغنى عنهم في دنياهم، ما رأيت أحدا من أشراف أهل البصرة إلا يروم الوصول في حلقته ليستمع قوله، فقال الحجاج: هذا والله السؤدد.

كلمة حق قالها الحجاج رغم أنفه وأنوف من سار على ضلاله واتبع سبيله.

هكذا كان العلماء، يستغنون عن دنيا الناس، ويقطعون الرجاء مما في أيدي الناس حكاما كانوا أو محكومين. بهذه الخصلة، وهذه الخصلة فقط، تعلقت بتلابيب ثياب علمهم عموم المسلمين، ودانت لهم الإرادات واستوت على منوال سلوكهم أمور العباد خاصها وعامها.

لكن، عندما نفر العلماء الحصير، وفرطوا في فقه وسنة وتفسير، ورضخوا لضغوط أهل التبذير. هوت سمعتهم، واهتزت آراؤهم، وصاروا جزء من ديدان قراء ينتظرون هوى الحاكم ليؤسسوا فتواهم على المقاس أوهم يترقبون قرار الساسة ليلبسوه حلة الشرع تبريرا وتصويغا.

وقد صدق الجرجاني حيث قال:ولو أن أهل العلم صانوه صانهم *** ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أذلوه جهارا ودنســوا *** محياه بالأطماع حتى تجهما
رحل السيد طنطاوي رحمة الله عليه، ولن نقول فيه إلا خيرا كما أمرنا، لكن برحيله يفتح النقاش عريضا حول آفة هي أم الآفات وعنها تنسل كل الطوام. فسنة الله في خلقه تقول بأنه إذا فسدت أمور العامة فإن فتوى العالم التقي تكون بوصلتها إلى النجاة، أما إذا فسدت البوصلة فقد انقطعت بالأمة السبل إلا سبيل مناجاة المولى عز وجل أن يقيد لها من يحمل همومها مشروعا يكون العالم فيه رائد التحرير وقائد الاقتحام.

لما ولي إسماعيل بن علية على الصدقات، كتب إلى عبد الله بن المبارك يستمد منه رجالا من القراء يعينوه على ذلك، فكتب إليه بن المبارك:يا جاعل العلم له بازيا *** يصطاد به أموال المساكين
احتلت للدنيا ولذاتها *** بحيلة تذهب بالدين
فصرت مجنونا به بعدما *** كنت دواء للمجانين
أين رواياتك فيما مضى *** عن بن عوف وبن سيرين
درسك العلم بآثاره *** وتركك أبواب السلاطين
تقول أكرهت فما حيلتي *** زل حمار العلم في الطين
رحم الله علماءنا جميعا فما نحسب أنفسنا إلا تلاميذ في حلقات علومهم.