أَيا قُدْسُ أَنّى نُلَبّي النِّداءَ *** وقَدْ خَلَعَ الذُّلُّ عَنّا الغِطاءَ؟
إِذا انْطَفَأَتْ أَشْمُسُ العِزِّ فينا *** سَكَبْنا على لَهَبِ المَجْدِ ماءَ
سَماءُ فِلِسْطينَ بَيْضاءُ لَيْلاً *** بِضَوْءِ قَنابِلَ تَشْوي الهَواءَ
بِغَزَّةَ تَجْري مَجاري دِمانا *** بِأَنْدَلُسٍ.. ثَمَّ في كَرْبَلاءَ
كَأَنَّ دَمَ العَرَبِيِّ مُباحٌ *** لِتَحْويلِ دَمْعِ القَصيدِ رِثاءَ
رَأَيْتُ يَدَ المَوْتِ مِراراً تَجْني *** رِجالاً.. ناشِئَةً.. ونِساءَ
كَأَنَّ الرَّدى مَلِكٌ في رِكابٍ *** يُحَيّي الرَّعايا صَباحَ مَساءَ
بِكَفَّيْنِ قَدْ سالَتا طَلَقاتٍ *** تُوَزِّعُ قَبْلَ الفَناءِ الفَناءَ
أَتَكْفي الحِجارَةُ في يَدِ بِنْتٍ *** بِعُمْرِ النَّدى كَيْ تَرُدَّ القَضاءَ
وقَدْ خالَطَ الدَّمُ حِنّاءَها في *** يَدَيْها فَصارَ الجَمالُ دِماءَ ؟
وبالقُرْبِ طِفْلانِ بَلْ سَبْعَةٌ بَلْ *** كَثيرونَ ماتوا جِياعاً ظِماءَ
خِيامٌ تُهَدُّ نَخيلٌ يُعَرّى *** أَزيزُ صَواريخَ يُرْدي الفَضاءَ
أَناشيدُ تُهْمَلُ تَحْتَ رُكامٍ *** وأَسْلِحَةٌ.. تَذْبَحُ الغُرَباءَ
تُرى جُثَّةٌ عَنْ يَمينِ اثْنَتينِ *** وفَوْقَهُما الدَّمُ يَكْسو الرِّداءَ
يُحَطَّمُ تاجُ العَدالَةِ قَهْراً *** ولا امْرُءَ فينا سَميعٌ نِداءَ
أَيا قُدْسُ يا أورْشَليمُ قَدِمْنا *** نُقَدِّمُ للمَيِّتينَ العَزاءَ
على فَمِنا صَلَواتٌ رِقاقٌ *** وأَلْفُ دُعاءٍ يَدُقُّ السَّماءَ
دَمُ الشُّهَداءِ تَحَوَّلَ مِسْكاً *** ومَصْرَعُهُمْ فَجْرَ خُلْدٍ أَضاءَ
وأَرْواحُهُمْ في السَّمواتِ تَسْعى *** مُنَعَّمَةً في الجِنانِ جَزاءَ
أَيا قُدْسُ لا تَذْبُلي سَوْفَ نَسْقي *** فَمَ الأَرْضِ أَدْعِيَةً ورَجاءَ
سَنَرْفَعُ عِنْدَ الصَّلاةِ يَدَيْنا *** لِنَنْسُجَ مِنْ رِئَتَيْنا الدُّعاءَ
ونَجْعَلُ بَحْرَ القَصيدَةِ رُمْحاً *** ونَجْعَلُ قَلْبَ الخَرابِ نَماءَ
ونَنْفُخُ في حَجَرِ الكَوْنِ روحاً *** تُحَوِّلُ جِسْمَ السَّلامِ كِساءَ
أَيا قُدْسُ إِنَّ غَداً لَقَريبٌ *** وهَذي مَواكِبُهُ.. تَتَراءى
كَأَنَّ صَلاحاً وطارِقَ لاحا *** على فَرَسٍ.. يَحْمِلانِ الهَناءَ
وفَوْقَهُما يَصْهَلُ النَّصْرُ حيناً *** وحيناً يَرُشُّ اللُّجَيْنَ سَناءَ!