في ظل بيئة محافظة ومنغلقة، كالتي نعيشها في عالمنا العربي، تسودها نظم حكم تمسك بتلابيب اللعبة السياسية من كل جوانبها، يصبح الإقصاء هو جزاء كل من يشاغب على السياسات المتبعة.

وبطبيعة الحال فإن هذا الإقصاء يختلف من نظام إلى نظام ومن طرف مقصي إلى آخر.

في العالم العربي، هناك أنظمة تريد أن تظهر بمظهر الدولة الوطنية الحديثة التي تحترم التزاماتها الدولية، ولذلك تحرص على التخفيف من وطأة الإقصاء وتغليفه، ما أمكن، برداء القانون، مثل حرمان بعض التنظيمات السياسية من حقها في تأسيس حزب سياسي بالتنصيص في قانون الأحزاب -هذا إذا توفرت الدولة على قانون- على عدم قيام الأحزاب على أساس ديني أو عرقي. وقد تسلك بعض الأنظمة سبلا أكثر حدة لإقصاء كل معارض، فتلجأ إلى تلفيق تهم أخلاقية لتسويغ المحاكمات ذات الصبغة السياسية، والتي تحال أحيانا على محاكم استثنائية مثل محاكم أمن الدولة، والتضييق على الحريات الفردية وانتهاك حرمة الحياة الخاصة، وشن حملات للتشويه ضد المعارضين، والتعتيم على أخبارهم، وسد كل طرق تواصل المعارضة مع المجتمع.. وقد يصل الأمر إلى حد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ولذلك فكل هذه الدول لم تتعاف بعد من مخلفات سنوات الرصاص ولم تنتقل إلى مصالحة حقيقية مع تاريخها.. مصالحة تنصف المتضررين وتكشف الحقيقة وتحاسب المتورطين، أو على الأقل تعزلهم عن المسؤوليات العمومية.

وإذا كان هذا حال الأنظمة القائمة، فإن شكل الإقصاء تتحكم فيه، كذلك، طبيعة التنظيمات المعارضة وسقف معارضتها وحجم تغلغلها في المجتمع، حيث تستعمل أساليب الإقصاء الأقل حدة ضد تنظيمات المعارضة الرسمية، بينما تستعمل الأساليب الإقصائية الفجة ضد تنظيمات المعارضة غير الرسمية. ولذلك فشلت كل محاولات الإدماج التي جربت إلى حد الآن.

إن الإدماج فعل تلقائي إرادي يؤتي ثماره في بيئة سياسية سليمة تكون السيادة فيها للقانون والسلطة للمؤسسات، ويخضع فيها التنافس لأخلاقيات الممارسة السياسية. ولذلك لا يتصور في بيئة مثل هذه إلا اختلاف يقوي المجتمع ويغني قوته الاقتراحية ووظيفته الرقابية.

ولكن بسبب انغلاق النسق السياسي، فإن الإدماج التلقائي غائب في هذه الدول، ويحل، للأسف، محله الاحتواء والإضعاف.

ومن أهم الأمثلة ما حدث في بداية التسعينيات حين حاول إدريس البصري إدماج فريق من الإسلاميين أبدى رغبة في ذلك، ففاتح الملك الراحل الحسن الثاني في الأمر فأجابه الأخير: كم مقعدا يمكن أن يفوزوا به؟ فرد البصري: من 12 إلى 14 فأجابه الحسن الثاني: لا بأس.

هذه واقعة تثبت التحكم والضبط والتوجيه وانغلاق اللعبة السياسية. ورغم إرادة الاندماج، فإن الحزب لم يسلم من التضييق لأنه، ربما، لم يستسلم نهائيا ولم يقبل بالاحتواء الكلي، ولذلك يتعرض لتضييقات عديدة تتمثل في عدم التعامل معه بمساواة مع غيره، ودعم منافسيه بطرق فجة، وإشغاله بقضايا ثانوية، وتزوير الانتخابات ضده، واستعداء الدول الغربية عليه، وتحجيم مشاركته الانتخابية بالضغط عليه لتخفيض عدد مرشحيه، والتضييق على بعض رموزه، وخاصة تلك التي تصنفها السلطة في خانة الصقور.

ولا شك أن هذا الشكل من الإدماج يقود في النهاية إلى مسخ هذه التنظيمات وفقدانها لهويتها ومبادئها ومصداقيتها وجمهورها، ويعرضها لصراعات وانشقاقات تزيدها ضعفا على ضعف .. وبالمقابل، تتقوى الأنظمة لأنها تبقي على نفس مبادئها ومنطلقاتها مع تحول في الخطاب والشعارات وانتقائية في الانفتاح على البعض دون البعض الآخر.

وبطبيعة الحال، فإن تجربة الإدماج بهذا الشكل تفشل وتقود إلى مزيد من اليأس والإحباط واللامبالاة والعزوف الشعبي عن كل ما له علاقة بالسياسة والشأن العام، بل إنها تقود أحيانا إلى الارتماء في أحضان تنظيمات متشددة لا قدرة لها على تأطير الشارع، مما يفقد المجتمع أمنه واستقراره، والشواهد من عالمنا العربي كثيرة ومتنوعة.

وقد تصطدم الأنظمة أحيانا بصنف من المعارضة المتجذرة في المجتمع فتعجز عن إقصائها أو احتوائها، وتصل إلى اقتناع راسخ بأنها ستخرج خاسرة من كل حرب لاستئصالها.. وحينها تكون مضطرة لنوع من “التعايش الاضطراري” معها فتصنفها في منزلة بين المنزلتين، لا هي بالممنوعة ولا هي بالمشروعة. والهدف، بطبيعة الحال، التحكم والضبط بأقل الأضرار والخسائر. وأبرز مثال على هذه السياسة حالة الإخوان المسلمين في مصر والعدل والإحسان في المغرب.

ففي مصر، لا يسمح للإخوان المسلمين بتأسيس حزب ولا يعترف بهم كتنظيم قانوني، ولكنهم بالمقابل يتمتعون بحرية نسبية في الحركة (لهم وسائل إعلام، ومقرات، ونواب في البرلمان بتخريجة ذكية هي المستقلون …) وهذه كلها مكاسب تخضع لنظام المد والجزر حسب كل مرحلة على حدة وحسب طبيعة العلاقة بين الجماعة والنظام الحاكم في تلك المرحلة، مع العمل على ضبط حركة الجماعة والحرص على ألا تتوسع جماهيريا وإعلاميا، ولو استدعى الأمر أحيانا استعمال وسائل ضبطية خارج القانون، مع الحرص على عزل الجماعة عن محيطها وعن باقي الفرقاء بتضخيم الخلافات بينها وبينهم والنفخ فيها أو تهديد بعض هذه القوى من مغبة التنسيق مع الجماعة أو إغراء بعضها بامتيازات.

وفي المغرب، ورغم قانونية جماعة العدل والإحسان التي كانت سباقة إلى المطالبة بحقها في التنظيم الحزبي، ورغم حيازتها لأحكام قضائية من مختلف المحاكم المغربية بكل درجاتها بأنها جماعة قانونية، فإن السلطة ما زالت ترفض الاعتراف بحق هذه الجماعة في التنظيم والعمل بحرية، ولذلك تلجأ إلى التضييق على كل مجالات عملها، مع الحرص على عدم الدخول معها في حرب مفتوحة لأنها مقتنعة بدور الجماعة في استيعاب الشباب وتأطيرهم ضد كل أفكار التشدد والعنف، ولذلك فإنها تحرص على ضبط حركتها لتبقى في حدود معينة.

يستحيل أن ينجح الإدماج في ظل نظام منغلق وبيئة سياسية غير سليمة، وهذا هو واقع الحال في دولنا العربية. والملاحظ أن الحالة الوحيدة التي نجحت بنسبة كبيرة هي تركيا التي رغم علمانيتها فإنها استوعبت فاعلا إسلاميا، وقد ساهم في هذا نضج من الطرفين –الدولة والحزب- وتفاعل مع تغيرات إقليمية ودولية، وهو ما نفتقده للأسف في مجتمعاتنا العربية.

ويستحيل أن ينجح الإقصاء لأن كلفته باهظة في ظل التحولات التي يعرفها العالم وتزايد فعالية رقابة المنظمات غير الحكومية، ولأنه يفتح الباب أمام تيارات متشددة يشكل نشاطها خطرا على المجتمع، ولأنه يحرم المجتمع من كفاءات هو في أشد الحاجة إليها، ولأنه يساهم في عزلة النظم الحاكمة عن المجتمع.