قد لا نعدو الحقيقة إذا قلنا بأن دول الغرب عموما لازالت تجهل الكثير عن حقيقة الإسلام، وهذا ما يجعل الإسلام والغرب في مواجهة مستمرة على مستوى الفهم ولو بعد حين.

ومن تم لا نستغرب من تصريحات بعض ساسة دول الغرب بين الفينة والأخرى، وهم يلوحون بعبارات تنم عن جهل بأصول الإسلام وثوابته، وقد لا تخلو من همز ولمز، وربما من عبارات مبطنة أو ظاهرة حتى، اتجاه هذا الدخيل الذي جلب عليهم بخيله ورجله واقتحم عليهم الديار، فثقافته تتعارض مع حضارتهم وتقوض عليهم ما بنوه من صروح المجد والحقوق منذ سنين خلت. هذه التصريحات قد يكون لها فعل النار في الهشيم وقد تكون بمثابة ضوء أخضر لسلوك بعض المتطرفين لينالوا من قداسة الإسلام ومن بعض رموزه، وهذا من شأنه أن يعكر أجواء التواصل والتساكن بين الجالية ومواطنيهم في بلاد المهجر.

وإذا كنا نلتمس لهؤلاء الساسة والقادة العذر “لفلتاتهم” وجهلهم بمبادئ الإسلام السمحة فإننا لا نجد لهم عذرا في الخطأ الثاني عندما يقفون إلى جانب الجاني يدافعون عنه أو يلتزمون الصمت مرة باسم حرية التعبير ومرة باسم الفن ومرات عديدة بلا اسم ولا رسم.

ويتعامل الكل مع الحادثة بروح باردة وقد يطلق صراح الجاني بدعوى الاختلال العقلي أو المرض النفسي وقد وقع هذا مرارا، ويكون التبرير الواهي هو سيد الموقف، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا المسلمين وبحقوقهم هناك، وقد يهمش ويقاطع من يتعامل مع المسلمين بروح المسؤولية حتى لو كان من بني جنسهم.

أحداث ثلاثة ما كانت لتمر دون أن تثير في ذهني مجموعة من الهواجس والتساؤلات حول حقيقة الشعارات التي تروج لها دول الغرب. ثلاث أحداث متقاربة من حيث الزمن كانت كافية لفضح هذه الادعاءات بخصوص حقوق الإنسان.

بالصين قتل ما يزيد على مائة وخمسين مسلما (سنة 2009) في مقاطعة تركستان الشرقية لمجرد مطالبتهم بحقوقهم، المهضومة منذ سنوات خلت، فلزم الإعلام الغربي حيال هذه الواقعة الصمت، وآثر قادته السلام على السؤال بله التنديد، وبالأمس القريب قامت قيامة دنيا الغرب عندما أطلق الجنود النار على الطلبة المعتصمين بساحة تيانان مين الذين كانوا ينتقدون النظام علنا، حوصرت الصين وقتها بالإعلام الغربي وندد قادة الغرب جميعهم بالجريمة النكراء.

بفرنسا هاجم متطرفون يهود من رابطة اليهود بفرنسا مكتبة –(سنة 2009) أصحاب المكتبة فرنسيون يتعاطفون مع القضية الفلسطينية – فأتلف المتطرفون محتويات المكتبة وأجهزتها بالكامل فلم يحرك الشارع الفرنسي ساكنا إلا ثلة قليلة جدا ممن يتعاطف مع أصحاب المكتبة على استحياء من أن يفتنهم فرعون إسرائيل المعاصر، لو كان الأمر معكوسا: أصحاب المكتبة ممن يتعاطفون مع “إسرائيل”، وهاجم المكتبة متطرفون مسلمون، لطار ساركوزي – كان وقت الحادث في اجتماع قمة الثمانية – إلى فرنسا وتوعد وهدد، وقد يصرح بما لا يعجب الجميع لينال بذلك مباركة “إسرائيل”.

وثالثة الأثافي من ضمن هذه الأحداث استشهاد مروة الشربيني بألمانيا، مع الأسف الشديد وسط قبة العدل حيث ذبح العدل على مرآى ومسمع القاضي والشهود.

ومرة أخرى يظهر الوجه الحقيقي للغرب اتجاه قضايا وحقوق المسلمين. خرس الجميع، الساسة والقادة ووسائل الإعلام ومؤسسات حقوق الإنسان والمجتمع المدني، الكل تواطأ لأن الضحية مسلمة.

هذه الأحداث المتزامنة عرت الكثير مما كان الغرب يستره، وهو عندما يقف إلى جانب قضايا المسلمين – وقل ما يفعل ذلك – لا يفعله لسواد عيون القانون أو حقوق الإنسان، إنما يفعل ذلك ضمانا لحقوقه وحفاظا على مصالحه هنا وهناك، وحتى يظهر بمظهر المنسجم مع مقولاته وشعاراته ، وحتى لا يقال عنه مالا يرغب فيه ويفتضح.

فهلا كانت هذه الأحداث وغيرها دروسا كافية لمراجعة الذات، المراجعة الحقيقية التي تنأى عن المصالح والأنانيات، أما آن لعقلاء الغرب وفضلائه أن يهبوا أنفسهم للدفاع عن المبادئ والقيم التي يؤمنون بها في التعايش والتساكن والتواصل، عوض التصادم الخفي والمكشوف أحيانا.