بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وجليل سلطانه، والصلاة والسلام على حبيبه ومرتضاه، وخليله ومصطفاه، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان ووالاه. أما بعد

فهذه رسالة متفردة إلى كل تلميذ وتلميذة يرجو مِن سعيه في الدنيا أن تمتدَّ سعادته إلى الآخرة، يريد أن يحيا كريما مستقيما وأن يرث في آخرته نعيما مقيما. تذكرنا جميعا بما يُنهِضنا ويُنجِحنا، وتحذرنا مما يلهينا ويُقعِدنا. تضع بين أيدينا صوىً أربع لعلنا على الخير ننجمع ولصوت الحق الخالد نستمع وللرسول الخاتم نتبع.

3- طلب العلم

بصلاتك وإحسانك للوالدين والأقربين والناس أجمعين لا يسعك إلا أن تبذُل الوقت الكافي والجهد الكافي لطلب العلم النافع، الذي يستمر فضله عليك وعلى غيرك نجاحا في الدنيا وفلاحا في الآخرة، لأن من أغلى ما يرقى به المرء في الدنيا والآخرة طلب العلم، يرفع الله به قوما ويضع به آخرين، ولا أفضل أن أثقل هذه الرسالة بما قيل في فضل العلم: تعلمه وتعليمه. غير أن البداية الصحيحة في همة الطلب وجميل الأدب. ومن صحت بدايته أشرقت نهايته.

لا شك أن العلم إمام العمل، والعلم قبل القول والعمل، فأقبِل على التعلم بعزيمة ماضية وإرادة متجددة، فالتعلم والتدريب جهاد المرحلة، به نبني عقولا ونشيد مستقبلا، وننتج وننافس ونتفوق. ولا خير في أمة لا تُعلي من شأن التربية والتعليم والتدريب. أما بلد الكسالى والبطالين فلا يصلح إلا للتسول والتقليد. وقديما قيل: عليك بالدرس فإن الدرس هو الغرس. وقيل لعبد اللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهما: بم أدركت هذا العلم؟ قال: بلسان سؤول، وقلب عقول، وفؤاد غير ملول، وكفٍّ بَذُول وبَدن في الضراء والسراء صبور).

التلميذ الناجح طاهر في مظهره وفي مخبره، يضيف نور العلم إلى نور الطهر، قال العلماء: العلم نور يقذفه الله في قلب من أيده بالإرادة الجهادية)، نور لأنه يطرد الظلمة من الصدر والعقل والواقع، فيستشعر المرء وجوده أنوارا وأسرارا، ويدرك كينونته تفكرا واعتبارا، ويشيد واقعه انتصارا واستمرارا. ويشع بخير على غيره ليلا ونهارا.دواؤك فيك وما تبصر *** وداؤك منك وما تشعر
وتحسب أنك جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر
التلميذ الناجح من تدارك النقص وجرب طاقته ومنح لذاته فرصة الإبداع ولم يضجر من الخطأ، بل استفاد منه واعتبره تجربة تدفعه إلى الأمام، فكل من يعمل يخطئ وكل من يخطئ في العمل يتقدم إلى الأحسن… والعلم يتقدم باكتشاف الأخطاء) كما قال الإبستمولوجي الفرنسي غاستون باشلار.

التلميذ الناجح من يبادر فيُدون لنفسه عملا يحب أن يلقى به الله فيرضى عنه به. إنه مشروع رجل، بل رجلُ مشروعٍ، له قضية يحيا ويموت من أجلها. انطلاقا منها يحدد أهمية غيرها، فيستعمل كل الأشياء من أجلها.

التلميذ الناجح ينشد التخصص والإتقان، فالتخصص ينمي المهارات ويقوي الخبرات، ويقوي فرص الإبداع، والإتقان يجوِّد العمل ويطور الإنجاز ويبارك السعي ويرضي الرب. ففي الحديث “إن الله كتب الإحسان على كل شيء…” 1 ومن معاني الإحسان الإتقان في كل شيء.

التلميذ الناجح يسعى لاكتساب مهارات التخطيط والبرمجة ليتجنب التعسف والارتجال والعشوائية، وينهج أفضل سبل التواصل والحوار ليتفادى آفات المعاندة والمراء والصخب والتنفير. فالله عز وجل جعل في كلٍّ منا قابليات للكمال والسمو إلى مقامات التفوق، فينبغي اكتشاف الطاقات وتحرير المبادرات لمواجهة التحديات الفردية والجماعية التي تتطلب تكاملا واستمرارا في التدافع والبناء.

4- حُسن الخُلق

عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “”ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة؟” قالوا: نعم يا رسول الله. قال: “أحسنكم خُلقا”” 2 . مع الله أولاً كالحياء منه واليقين فيه والإخلاص له والفرار إليه سبحانه، ثم مع الناس أجمعين، بل ومع باقي المخلوقين. وبخصوص مرحلتك الدراسية واجب عليك أن تستشعر نعمة الله عليك بالقدرة على طلب العلم والكينونة وسط جمعٍ من الشباب المقْبِلين على التحصيل وإن بعزمٍ مختلفٍ وإقبالٍ متفاوت، وبوجود أطر تربوية وإدارية تعمل كخلايا النحل من أجلك، ساقتهم عناية الله بك لك فكن من الشاكرين. واحرص على محبتهم واحترامهم والدعاء لهم، ولا تتجاهل فضلهم ولا تزدري جهدهم ولا تسئ إلى سمعتهم ولا تذكرهم بما يكرهون، وإن رأيتَ أو سمعت ما تكره فكن لطيفا خفيفا رفيقا، فلا تتعرى من حُسن الخلُق ولا تفْجُر في الخصام. لا تُعيِّر ولا تشتم ولو في نفسك ولا تسب ولا تلعن ولا تتلفظ بالكلام الفاحش مهما أقنعتك نفسك بمظلوميتك. وتذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن عيابا ولا فاحشا ولا بدئ اللسان. واستعن على إدراك حسن الخلق بالدعاء. فقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: “اللهم اهدني إلى أحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت” 3 .

أحسن إلى زملائك، ولا تنظر إليهم إلا برحمة وابتسامة، تتغافل عن عيوبهم وتستر ذنوبهم. لا تُشمت بإخوانك وأخواتك، واغضض من بصرك، لتفُز بضمان النجاة من النار، في قول رَسُول اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمَعَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللهِ، حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ غَضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ” 4 ، قال الإمام مالك رضي الله عنه: لا تنظروا إلى ذنوب الناس كأنكم أرباب، ولكن أنظروا فيها كأنكم عبيد، فإن الناس رَجُلان مُبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية).

ولا يفوتك أن تعلم أن أول من يتضرر بسوء الخلق هو صاحبه، لما يلاقيه من بغض الناس له وكراهيتهم مصاحبته، قال الحسن البصري رحمه الله: من ساء خُلُقُـه عذّب نفسه)، وقال الفضيل بن عياض: لأن يصحبني فاجر حَسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني عابد سيء الخلق). وحسن الخلق يرفع صاحبه في الدنيا ويرزقه محبة الناس واحترامهم، ويرفع درجته في الآخرة ويثقل ميزان عمله الصالح، قال صلى الله عليه وسلم: “إن الرجل ليدرك بحُسن خُلقه وكَرَمِ ضَريبته درجة الصائم القائم بآيات الله” 5 ، لهذا حذرنا عليه الصلاة والسلام من الفُحش والتفحش في القول والفعل بقوله: “ليس المؤمن بطَعانٍ ولا لَعان ولا فاحِش ولا بَدِئ اللسان” 6 ، وإياك أخي وأختي من رفقة الضلال التي تدلك على الشر وتعينك عليه، وتلهيك عن الخير وتُبعدك عنه، قال صلى الله عليه وسلم: “إياك وقرين السوء، فإنك به تُعرف” 7 .

عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة” 8 ، وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الفحش والتفحش ليس من الإسلام في شيء، وإنّ أحسن الناس إسلاما أحسنهم خُلقا” 9 .

وإن صدر منك سلوك مشين أسأت من خلاله لأحد من زملائك أو أحد أساتذتك أو أطر الإدارة، فعجل الندم واطلب العفو والصفح واستغفر لذنبك واعزم على عدم العودة من جديد. إتباعا لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اتق الله حيث ما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحُها، وخالق الناس بخُلق حسن” 10 ، وإذا ما تبين لك أنك قد ظُلمت فلا أنصحك إلا بالأدب النبوي الذي يحثك على أن تعفو عمن ظلمه وتصل من قطعك وتعطي من حرمك. غير أني لست أدعوك للاستكانة والانحناء وإعطاء الدنية والصبر السلبي، وإنما اطلُب حقك بإلحاحٍ لكن بأدبٍ حسن. وتذكر حينذاك قوله تعالى: والكاظمين الغيظ والعافين عن والناس والله يحب المحسنين. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رأيت ليلة أسري بي قصورا مستوية على الجنة، فقلت: يا جبريل لمن هذا؟ فقال: (والكاظمين الغيظ والعافين عن والناس والله يحب المحسنين)” 11 .

وختاما إن عزمت أن تكون من الفائزين في الدنيا والدين، فكن مع الذين هم في صلاتهم خاشعون، وبوالديهم محسنون، والذين هم للعلم طالبون، والذين هم مع الخلق متأدبون، ولا سبيل لك إلى ذلك إلا بصحبة الناجحين والابتعاد عن رفقة الفاشلين. وأنت على نجاح خليلك فلتنظر أخي من تخالل.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى.


[1] رواه مسلم.\
[2] أخرج الإمام أحمد وابن حبان.\
[3] رواه مسلم.\
[4] أخرجه الحاكم وأحمد، وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة، 2232).\
[5] رواه مسلم.\
[6] أخرجه الترمذي.\
[7] أخرجه السيوطي في الجامع الصغير.\
[8] رواه مسلم.\
[9] أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني بسند جيد.\
[10] أخرجه الإمام أحمد والترمذي والحاكم وصححاه.\
[11] وأخرج الديلمي رحمه الله عن أنس رضي الله.\