هذه نماذج من رجال احتلوا في تاريخ مقاومة الاستعمار ورد كيده وإفشال خططه ذروة من أرفع ذراه، مالنا من محيص عن دراستهم لنعرف كم نحن مدينون لهم ولجهادهم الأكبر في بقاء الإسلام بديارنا منذ القرن التاسع الهجري. بل ما لنا بد من التذكير بهم وبهويتهم الصوفية لنذكر إخوانا لنا نحبهم لذكرهم لله وتبتلهم وصحبتهم للمشايخ رضوا بالقعود وانعزلوا عن المشاركة في بناء كيان الأمة وإعداد قوتها وهي نهب مقسم أحوج ما تكون إلى جهدهم وقد تناوشتها الأكلة من كل جانب وتداعت عليها يجهزون عليها، لا نحتاج لأكثر من هذا لنرفع بصرهم وهم أخلاف الرجال وأحفاد الأبطال كابرا عن كابر من درك الرضوخ والخضوع و”دين الانقياد” ولنسمو بهمتهم إلى مقام الأسلاف ومصاف الأجداد.

الإمام الجزولي هو سلفنا الأول في مناهضة الاستعمار الحديث والذب عن الدين والشرف، صوفي رأى تسلط البرتغاليين الغازين على الأهالي من نهب للقرى وسبي للنساء وسلب للأرزاق وعبث بمعالم الإسلام فقام محرضا داعيا للجهاد وقتال النصارى حتى قتله الوطاسيون خوفا وغدرا عام876هـ. بعد أن كبد النصارى خسائر فادحة، جهاد هذا الرجل أحيى الأمل في النفوس وجدد الثقة فقام من بعده صوفية وشرفاء قاوموا النصارى منهم من بنى مدنا كانت قلاعا للجهاد، كما فعل الشريف أبو الحسن بن راشد من ذرية عبد السلام بن مشيش فبنى شفشاون كما بنى تطاوين ووازان وغيرها صوفية مجاهدون لنفس الغرض. وسواء استرجع هؤلاء المدن السليبة آنذاك أم باءت محاولاتهم دون ذلك فإن جهاد هؤلاء جدّد للدين هيبته ومكانته في النفوس فقد استطاعوا رد الهجمات الأيبيرية وراء نقط الحدود التي أنشأها النصارى فضيقوا عليهم مستوطناتهم كما أجلوهم عن كثير من البقاع.

تلت هذه الجهود مقاومات أخرى تزعمها الصوفية لعل أعظمها قدرا وأبعدها أثرا في سلسلة المقاومات الصوفية جهاد أبي المحاسن يوسف الفاسي الجزولي الذي ترفع كثير من الزوايا سندها إليه. كان على رأس أحد جناحي الجيش المغربي الذي خرج لقتال الأيبيريين في وادي المخازن. فكان “لا يكل ولا يمل في شحذ الهمم ورفع المعنويات” فوعى الجيش أن المعركة جهاد في سبيل الله ضد غزو صليبي نصراني حاقد جلب خيله ورجله وجنده البالغ آلافا تقارب الستين بين برتغالي وإسباني وإيطالي. أما الجيش المغربي فلا يتجاوز الأربعين ألفا مع قلة العدة والخيل ومع ذلك خرج منتصرا أعظم انتصار. ويُرجع المؤرخون أسباب النصر إلى التفاف الجند حول القيادات الصوفية الربانية التي بعثت روح الجهاد فيهم وفي مقدمتهم أبو المحاسن يوسف الفاسي الجزولي الشاذلي تلميذ وصاحب عبد الرحمان المجذوب المشهور. معركة حاسمة جعلت هيبة المغرب تملأ سمع الزمان فيرهب جانبه ويحسب رد فعله.

أسماء تلتها واقتدت بها أسماء صوفية قاومت وحافظت على الهوية الإسلامية للمغاربة (العياشي. السملالي وآخرون…) لولاها لسقط الشعب فريسة في يد التنصير والتمسيح ولولاها لورثنا نحن الآخرون عقائدهم، حافظوا على إسلامهم بالجهاد فكنا نحن على أثرهم مسلمين. فسبحان الله كيف يتغافل السلفي الوهابي كاره الصوفية عن هذا الأمر ولا يعترف بجهودهم وجهود من جاء بعدهم وسار على نهجهم والتي جعلت منه هو الوهابي مسلما! كيف ينقد ويحقد على من هيأ له الإطار والمحضن العام الذي أوصل إليه الإيمان غضا طريا؟

صفحة مجيدة في تاريخ المقاومة المغربية سطرها الصوفية أسلاف الذين نراهم اليوم يداهنون ويصافحون ويتملقون قاتلي الإسلام في الصدور والأذهان ممن يسعون لسلخ الأجيال عن دينها. ما غرضنا الثلب والتجريح لأحد. غرضنا ومطمحنا إيقاض الهمم الساكنة لتواصل مسيرة نيرة دشنها السلف وحاد عنها الخلف خوفا وعجزا وكسلا. وأعرض عنها آخرون خنوعا وتملقا ونفاقا.

كتب أحد الكاتبين في تحد صارخ: أروني صوفيا واحدا جاهد الاستعمار أو كافحه أو دعا إلى ذلك؟)، هذا ينم عن جهل فاضح بتاريخ المقاومات. نظر هذا كما ينظر الكثير إلى قلة من الزوايا تعاونت مع الاستعمار فعمموا وتعاموا عن الحقيقة. حقيقة أن أكثر وأعظم من انتصر للإسلام وثبت ضد العدو الدخيل هم الصوفية من دون آخرين، وفي مغربنا خلال القرن العشرين كان للصوفية شأن في الجهاد عظيم. تراوح بين جهاد بالسيف على نمط الأقدمين كالشيخ ماء العينين في الصحراء الذي ألحق بالفرنسيين خسائر فادحة وعرقل خططهم وتقدمهم في البلاد وبين جهاد باللسان وكلمة الحق في وجه السلطان كالكتاني فخر الزاوية الكتانية، نصح للسلطان العلوي آنذاك الذي أخذته العزة بالإثم فقتل الناصح الأمين وبين تحريض للنزول إلى ساحة المعركة كالشيخ العلاوي، وهو وإن كان جزائريا من مستغانم فإن جهاده التحريضي أفاد المغاربة في معارك التحرير خاصة نداءه لأتباعه بشمال المغرب بالانضمام إلى حركة الأمير الخطابي، وهذه نماذج على سبيل المثال لا الحصر. وإلا فهم كثر يصعب حصرهم وإحصاؤهم. ومرة أخرى نؤكد أن جهاد هؤلاء أفاد الإسلام إذ أبقى معالمه ومدارسه وحفظها من عبث الإستعمار، كما هي مدرسة الشيخ ماء العينين بالسمارة ولا تزال تخرج آلاف الطلبة يعلمون الناشئة القرآن الكريم وعلوم الدين واللغة العربية يبثونها وينشرونها في الآفاق. كما جدد في نفوس الأهالي روح التشبث بالاسلام والتمسك به ممثلا في القيادات القائمة بالجهاد تلتف حولهم فتستمد منهم القوة والمدد المعنوي فتناصرهم وتؤازرهم.

الزاوية البودشيشية إحدى الزوايا التي ظهر منها رجال قاوموا الإستعمار وأبلوا في ذلك البلاء الحسن، ولمناسبة ما تجدده الصحف والجرائد الوطنية من حديث عنها من حين لآخر في لعبة مكشوفة تلعبها الدولة، نذكر رجالها بتاريخها المجيد حتى لا ينطق باسمها مؤول للتاريخ تأويل جبن وخنوع خدمة وتملقا لمخدري الأمة عن دينها. مهما جاءت تصريحات أبناءها منتقدة “للتوظيف السياسي للتصوف” فهو يشمل ضمنا ما يدعون إليه من “وجوب استرداد التصوف لأدواره في شتى مجالات الحياة”. جريدة المساء.عدد 1069. في 27 فبراير2010.

كان منهم الشيخ المختار الأول الذي كانت له صلة بالأمير عبد القادر الجزائري ناصره وأمده بالمال والرجال في جهاده لفرنسا. وتلك منقبة ومفخرة للزاوية. نقرأ الرسالة التالية لنعرف مقدار الثقل الجهادي الذي أحرزته الزاوية البودشيشية في المغرب الشرقي كتبها القائد الناجم بن مبارك الدليمي وهو ممن حارب الفتان الزرهوني. قال يخاطب ويطلب بركة الشريف الجليل سيدي المختار بودشيش … فقد وقعت البارحة معركة بيننا وبين الفتان الجيلالي الزرهوني يشيب لها الوليد لم تتقدم مثلها وترك فيها أثاثه ورجاله وأفراسه طعمة للوحوش وفرّ هاربا من غير أن يلتفت على شيء بسعادة سيدنا المؤيد بالله وبركة أسلافه. وعظم الله أجرنا وأجركم في تلميذكم ومحبكم القائد الميلودي السرغيني قدسه الله فإنه رحمه الله قتل في المعركة. وابحث لنا على فرسين حسنين واشترهما لنا وبين لنا ثمنهما نوجهه لك وحتى فرسك الأزرق إن كنت تريد بيعه فبين لنا ثمنه لنوجهه لك وعلى محبتكم طالبا صالح أدعيتكم..) 1 . كان ذلك عام 1907م- 1325هـ. لم يقف الأمر عند الإمداد، فقد كان الشيخ المختار الكبير محرضا القبائل لجهاد العدو الدخيل. واستمر على ذلك إلى غاية 1914م حيث اعتقلته السلطات الفرنسية وسيق إلى الجنرال ليوطي. نادرة هي المصادر بشأن كبار المقاومين البودشيشيين، لكنها كافية في الدلالة على رسوخ الروح الجهادية لدى مشايخ الزاوية ورجالاتها الأوفياء كالسرغيني رحمه الله. أو كالمناضل الوطني عبد الصادق البوتشيشي من البارزين المعدودين في حركة المقاومة بالمغرب الشرقي قبيل الاستقلال. 2

وعندنا أن الزاوية الآن ملئى بالأخيار والصالحين وعلى رأسهم شيخهم المربي شافاه الله وعافاه وأمد في عمره، فنحن نكن لهم بين جوانحنا ما نكنه لكل صالح أواب من هذه الأمة من محبة ها نحن نعلنها على رؤوس الأشهاد في غير ملق ولا مداهنة، وتلك واحدة من غايات تربيتنا العظمى، لكنهم وقفوا عند حدود التصوف القاعد لا يتجاوزون أسواره كما تجاوزه أسلافهم ممن يتباهون بالانتساب إليهم، فبم استحقوا أصالتهم لهم إن لم يستلهموا منهم ويستمدون روح الجهاد والتهمم بأحوال الأمة وهي نهب مقسم يعبث بها المخدرون؟ لم السكوت وخذلان من قام يسعى جهده يسلك بالأمة سلوك الأوائل من السلف الراشدين وهم أول وأكثر من يعلم صدق مقالته ودعوته؟.

ينتسب البودشيشية وغيرهم من أحبابنا صوفية الزوايا إلى الإمام أبي الحسن الشاذلي وشيخه المولى عبد السلام بن مشيش، والرجلان كانا مجاهدين متهممين بحال الأمة ومصيرها، فقد مات ابن مشيش شهيدا على يد ابن أبي الطواجن بإيعاز من كنيسة روما لما كان لجهاده من أثر في إلحاق الهزيمة بجيشها الحانق الحاقد بروحه الصليبية، أما الشاذلي شيخ مشايخنا العظيم فما خبر مشاركته في معركة المنصورة تحريضا وتثبيتا وتشجيعا لجيش الظاهر بيبرس بخاف على أحبابنا في الله. وقد كان النصر حليف المسلمين.

على سنة الجهاد سارت كثير من الزوايا إلا قليل -ورب زاوية انقسم أمرها بين مؤيد ومعارض للجهاد- في الصد لمحاولات الاستعمار لتوهين الأمة والمس بمقدساتها وعقيدتها. بيد أن خصوم التصوف يروجون لتواطؤ الزاوية مع الأجنبي يضخمون الأمر ويعممون وتلك مزلقة من مزالق التفكير حتى ليبدو للبعض أن ما في الزاوية سوى التواطؤ والخيانة.

وقد انتبه المستشرقون قبل غيرهم إلى درء هذا الخطأ من أمثال صاحب كتاب “طرق الله” وقد استفاد من تجربة صوفية الجزائر في المقاومة. ومثل ذلك قيل عن الإمام الغزالي فراح البعض يحمله مسؤولية التردي الحضاري للأمة لأنه بزعمهم كرس فيها عقلية الدروشة والرضا بالمقدور والقعود عن المشاركة في عملية الجهاد والبناء، فماله لا يفتي ويحرض لجهاد الصليبيين وقد داهموا بيت المقدس الذي طالما جلس فيه وألف فيه إحياءه؟ لكأنما ينظر هؤلاء في جانب وينسون آخر لكأنما يجهلون فضل الغزالي على يوسف بن تاشفين في دفعه لحرب الإسبان في الأندلس فأمد في عمر الاسلام هناك قرونا وما كانت تلك الحرب المقدسة المباركة من الكنيسة أقل خطرا من تلك المعلنة على بيت المقدس أن تمتد وتغري النصارى بالتوغل في المغرب وتجتاح البلاد لا تلوي على شيء كما كاد أن يحصل أثناء القرن التاسع الهجري. كتب الغزالي يقول لابن تاشفين: إما أن تحمل سيفك في سبيل الله وإما أن تعتزل إمارة المسلمين حتى ينهض بحقهم سواك) 3 . لم يكن الغزالي إذن بعيدا عن واقع الأمة غير متهمم بحالها كما يشاع. وكذلك كان صوفية الزوايا ممن ذكرنا بعضهم. ولعلهم نسوا محمد الثاني فاتح قسطنطينة، فتحها بإذن وتوجيه من شيخه الصوفي “آق شمس الدين” فحاز ما ادخره له الغيب كرامة وتشريفا بشارة النبي الأعظم صلوات الله عليه.

ولعلنا لا نخطئ التقويم وإنزال الأشياء منزلتها اللائقة إن عددنا زاوية صغيرة مغمورة بين جبال الريف في شمال المغرب الأقصى بين زوايا ذات الشأن في إنجاب الرجال وتحديد مصائر الجماعات، إنها زاوية سيدي يعقوب بن عبد الكريم المجاورة لتزاغين وأيت داود وبوهم التي تأسست خلال القرن 8هـ فاختفت بوفاة صاحبها، أنجبت مجاهدا فريدا في بابه وجهاده، جاهد باللسان والعلم والهيبة والمنزلة وظف كل ذلك إحقاقا للحق وتحقيقا للعدل والإنصاف، إنه سيدي عبد العزيز الورياغلي الشريف الأمازيغي الذي علا نجمه وسطع في جامع القرويين بفاس بعد أن انتقل إليها وأصبح خطيب منبرها وعالم علماءها (أنظر خبر انتساب الورياغلي للزاوية عند عبد الرحمان الطيبي في دراسته: الريف قبل الحماية ص241)، إنه الشريف المزدوج النسبة. لأهل البيت فضل علينا معاشر أهالي الريف أن حلوا بيننا فحلت بركاتهم وأنوار الهداية معهم، خاصة في الريف الأوسط، فضلهم لا يجحد في نشر العلم والدين فزاد الإقبال عليهما فظهرت مداشر وقرى واتسع عمرانٌ على أساس الدين وتركز العلم وترسخ الإيمان في القلوب وتأكد. ثم إنهم ريفيون أمازيغ بالمربى والمنشأ والهجرة فللريفيين بشرى الافتخار والانتساب إليهم، فأصالتهم لنا محض استحقاق.

يقول الناصري: كان السلطان عبد الحق أوقع ببني وطاس، لم تسمح نفسه بإعطاء الوزارة لأحد. ثم نما إليه أن العامة وكثيرا من الخاصة قد نقموا عليه إيقاعه بالوطاسيين وأن أذنهم صاغية إلى محمد الشيخ صاحب أصيلا…. فولى عليهم اليهوديين (هارون وشاويل) تأديبا لهم وتشفيا منهم، فشرع اليهوديان في أخذ أهل فاس بالضرب والمصادرة على الأموال واعتز اليهود بالمدينة وتحكموا في الأشراف والفقهاء فمن دونهم. وكان اليهودي هارون قد ولى على شرطته رجلا يقال له الحسين لا يألوا جهدا في العسف واستلاب الأموال…. ثم إن اليهودي عمد إلى امرأة شريفة من أهل حومة البليدة فقبض عليها…. فأنحى عليها بالضرب ولما ألهبتها السياط جعلت تتوسل برسول الله فحمي اليهودي وكاد يتميز غيظا من سماع ذكر الرسول، وأمر بالإبلاغ في عقابها، وسمع الناس ذلك فأعظموه وتمشت رجالات فاس بعضهم إلى بعض فاجتمعوا عند خطيب القرويين الفقيه أبي فارس عبد العزيز بن موسى الورياكلي وكانت له صلابة في الحق وجلادة عليه بحيث يلقي نفسه في العظائم ولا يبالي، وقالوا له: ألا ترى إلى ما نحن فيه من الذلة والصغار وتحكم اليهود في المسلمين والعبث بهم حتى بلغ حالهم إلى ما سمعت؟ فنجع كلامهم فيه، وللحين أغراهم بالفتك باليهود وخلع طاعة السلطان عبد الحق وبيعة الشريف أبي عبد الله الحفيد فأجابوه إلى ذلك واستدعوا الشريف المذكور فبايعوه…. ثم تقدم الورياكلي بهم إلى فاس الجديد فصمدوا إلى حارة اليهود فقتلوهم…) 4 . هذا نموذج اجتمعت في شخصه خصال الشرف والتصوف والعلم والانتماء للبيئة الأمازيغية، دراسته مغنم للجميع حتى يتعلم أخلاف الصوفية والأمازيغ وعلماء المذهب من الأسلاف المنهاج الأمثل لاكتساب الشخصية الجهادية التي تشارك في تقويم الأحداث وتحديد المصائر غيرة على الدين وذودا عن حمى الرسول الكريم ونصرة للمستضعفين ومشاركة في اختيار ونقد الحاكم ونقض بيعته إن جار وظلم. وليتعلموا أن في تاريخ آباءهم الأبطال من لو بعث لاستنكر عليهم قعودهم عن نصرة الحق وخذلان الأمة وتوهينها بشعارات زائفة ما أنزل الله بها من سلطان، الورياغلي ومن على شاكلته نتعلم منهم أن مصدر ضعفنا وهزيمتنا وبوابة تخلفنا والتي ينبغي أن يتجه إليها جهادنا الشمولي هي عدو الداخل الممهد لعدو الخارج. كان الورياغلي من الصلحاء، ومن الصلحاء ذوي الشخصية الجهادية ننتظر أن يأتي الفرج لما حاق بأمتنا من ويلات ورزايا معنوية ومادية، ولعل من الخير ألا ننسى أن اكتساب الشخصية المطلوبة والتي كانت في الماضي صانعة للتاريخ موجهة له مرهون بالتربية التي كانت الزاوية معقلا لها ومدرسة. من الخير ألا ننسى فضل الزاوية في تأمين الطرق وقوافل التجارة والصلح بين القبائل وأعظم من ذلك في الإبقاء على الإسلام حيا بديارنا.

الآن وقد استقلت الزاوية عن مهمتها التاريخية ووضعت يدها في يد الطاغوت المضيع لمكاسبها بعد جهود وعهود والمخرب للأمة في ضميرها ومهينها في نفسيتها ومخدرها عن مصدر قوتها وعزتها في سراب الأحلام وملهيات المسلسلات والأفلام، فالزاوية اليوم لا تنجب المجاهدين ذوي المبادرة جمعا للكلمة ودعوة لرص الصف الواحد للتغيير والتجديد نصرة للإسلام وإنقاذا لحال المسلمين كما كان في ماضيها المشرق، ومن ثم فالأنظار تتحول إلى جهة أخرى خارج الزاوية تعقد عليها الآمال في المبادرة الجهادية المطلوبة. وإن كان للزاوية في تاريخها الطويل مزية إنجاب الرجال ذوي الهمم العالية والفضل على الأمة، ففضل الله ما قيد بمكان ولا بجهة، ورسولنا الكريم على الله دلنا على ملازمة الصلحاء وأهل البيت وبطريق ضمني على الاستفادة من المجددين الذي يبعثهم الله كل مائة سنة. والقرآن الكريم علق حبل النجاة باتباعهم (يوم نبعث كل أناس بإمامهم) وما حصرهم في مكان دون آخر. ويبقى للزاوية أن تنظر في حالها ومآلها وأن تعزم عزمتها إن أرادت استعادة رشدها وسابق مجدها أن تنفض عن نفسها جلباب القعود والخمول رضا بالدون وتستعيد دورها في مواصلة المسيرة النيرة التي خاضها أسلافها الأماجد.

ما ترددت الزاوية العلاوية في نصرة الأمير الخطابي وهو يحارب الأوربيين، وما ترددت الزاوية البوتشيشية في مؤازرة الأمير عبد القادر وهو يقاوم الفرنسيين، وما تردد التيجانيون لحظة في التنديد والاحتجاج بالمظاهرات في شوارع تركيا إثر إعلان العلمانية توجها للبلاد وهم أبناء السيد التجاني الفاسي مدفنا ومجلسا للتربية والتوجيه. حدث ذلك عام1945م. ولا يزال الباب مفتوحا ولا ولن يُغلق أبدا لمن أراد مساندة من يسعون جهدهم لتجديد الدين في الأمة كاملا غير منقوص إسلاما وإيمانا وإحسانا. دولة إلى جانب الدعوة لتنهض وتقوم بواجب القسط والشهادة بين الناس. فما حال الأمة بالذي يدعو إلى القعود. دعوة بلا دولة لا تعيد مجدا تالدا ثم إلى ضعف وزوال، ودولة بلا دعوة مهزوزة لن تدوم.


[1] (تاريخ وجدة وأنكاد في دوحة الأمجاد) ج2. ص153 للدكتور إسماعيلي العلوي.\
[2] ن. م. ص 35.\
[3] (الطرق الصوفية بمصر) لعامر النجار ص 14.\
[4] الاستقصا ج2 ص98-99.\