عندما يئس مشركوا قريش عن ثني المصطفى صلى الله عليه وسلم عن دعوته، أو على الأقل انتزاع تنازلات منه، دلتهم شياطينهم على اْسلوب جديد لمحاربة الدعوة الفتية: اِنه أسلوب الحصار. وهكذا لجأ المشركون إلى محاصرة النبي الأكرم مع صحابته في شعب مكة، في محاولة يائسة وفاشلة لوأد الدعوة فى بدايتها قبل أن تشب وتترعرع وتنتشر فى أرجاء الجزيرة العربية. استمر هذا الحصار أزيد من ثلاث سنوات اضطر خلالها أبناء الصحابة ونساؤهم الى أكل أوراق الأشجار وجلود الحيوانات، وزلزلوا خلالها زلزالا شديدا ولكن هذا الحصار الذي يبدو في ظاهره وفي جانبه المادي قاسيا وصعبا، لم يأت في آخر المطاف الا بالنتائج المعكوسة. حيث إن رياح الحصار كانت تجري فيما لا تشتهيه سفن المحاصرين للدعوة وللجماعة المؤمنة. فقد تحول هذا الحصار إلى مدرسة تربوية حقيقية تخرج منها الصحابة رضوان الله عليهم وهم أشد عزيمة وأصلب عودا على مواصلة مسيرة الدعوة والتهيىء والاستعداد لحمل أعبائها وأثقالها، بل ومن المشركين من تأثر تأثرا شديدا وهم يشاهدون صبر وصمود أولئك الرجال على المعاناة والبلوى، ومنهم من فارق الأصنام والتحق بصف المومنين مما اضطر كبراء قريش الى فك الحصار وتبادل التهم فيما بينهم بسبب الوضع الجديد. وأمام هذه المعطيات الجديدة التي اْْفرزتها سنوات الحصار الثلاث على مستوى الخريطة السياسية داخل الجزيرة العربية، اضطرت قريش الى مراجعة حسابتها وبالتالي تغيير إستراتجيتها اتجاه الجماعة المومنة، فانتقلت من أسلوب الاضطهاد والتضييق الى اْسلوب البحت عن الحوار مما يترجم اعترافها الواضح بالقوة الجديدة الصاعدة، وهكذا تحولت محنة الحصار إلى منحة حقيقية اْكسبت الدعوة مغانم كثيرة عكس ما كان يتوخاه المحاصرون والكائدون للرسالة المحمدية.

إنها حكمة إلهية أن يفرض ذلك الحصار في ذلك الوقت وبتلك الكيفية، وإنها لعبرة لأولي الأبصار ولمن ابتلي بالدعوة إلى الله عز وجل في كل زمان ومكان. فالدعوة الربانية الصادقة مرشحة اْكثر من غيرها للتعرض لأسلوب الحصار وغيره من الأساليب مهما كانت سلمية هادئة ذلك أن أولياء الشيطان لا يطيقون سماع صوت الحق والعدل.

واليوم هاهي دوائر الاستكبار العالمية تلجاْ بدورها إلى نفس الأسلوب في تعاملها مع المستضعفين في كل مكان. فما من صوت حر اْبي يدعو الى الله عز وجل إلا وسيف الحصار مسلط عليه. فما حدث بالأمس -للجيل الفريد- يحدث اليوم للمستضعفين سواء كانوا دولة أو جماعة أو رجالا رغم أنه لا قياس مع وجود الفارق . فما كان بالأمس مكتوبا ومقروء في كتب السيرة وكتب التاريخ، أصبح اليوم يمشي على رجليه وفي واضحة النهار!! فها نحن نرى الحصار الشامل والقاسي المفروض على اِخواننا وأخواتنا في غزة لا لشيء إلا أنهم قاموا في وجه المحتل وقاوموه ببسالة ورفضوا الركوع والاستسلام والذل والهوان ولا لشيء كذلك إلا لأنهم فازوا في انتخابات حرة شهد العالم بنزاهتها وشفافيتها. ولعل ما زاد في مأساوية هذا الحصار وقسوته هو أنه لم يفرض من طرف العدو فقط، وهو أمر طبيعي ولكن المؤسف في الأمر حقا أن يفرض من ذوي القربى الذين يفترض منهم –شرعا وإنسانيا واْخلاقيا- وقوفهم اِلى جانب غزة وقضيتها العادلة. ولاشك أن هذا الحصار سيزداد اشتدادا وقساوة بشكل يندر بهزات إقليمية ودولية حتى يدفع المحاصرون ثمن حصارهم.

في الحصار الأول بمكة لم تكن قريش تدعي رفع الشعارات البراقة التي تناقض الحصار والاستبداد. فقد كانت منطقية مع مبادئها وعقليتها، أما اليوم فلا شيء سوى النفاق! فالحصار يمضي والمعانات تزداد مأساوية وسط الحديث عن الديمقراطية وحقوق الانسان والتسامح والاعتدال… كلمات براقة تفضي إلى جحيم على أرض الواقع!!

وفي وطننا العربي يلجا بعض اْبناء جلدتنا الذين ذرروا في مطاحن التغريب اِلى نفس الأسلوب -أسلوب الحصار- للتعامل مع الراْي المخالف ومع بعض القوى السياسية المحبة لمباديء العدل والسلام والكرامة. ولعل هؤلاء يجهلون أو يتجاهلون أنهم يعملون من حيث لا يشعرون على ايجاد مدرسة تربوية جديدة تشبه مدرسة الحصار الأول بمكة ومن تم يعملون على تهيئة رجال الغد وطلائع القومة الإسلامية القادمة. ولعل المعطيات الواقعية تؤكد ذلك. فالحصار ما يزيد دعوة المستضعفين إلا قوة وتجدرا وانتشارا رغم قسوته على المستوى الظاهري المادي. وهكذا الأحرار في كل زمان ومكان، هكذا الأحرار في دنيا العبيد. ولا شك اْن الحصار الحالي سيلقى نفس المصير الذي لقيه الحصار الأول بمكة. إذاك سيعلم الدين ظلموا وحاصروا اْي منقلب ينقلبون… والعاقبة للمتقين!! فصبرا آل ياسين وآل غزة. فمهما طال ليل حصارهم فلا بد من طلوع فجركم – فجر ينكسر فيه القيد ويتلاشى فيه حصارهم كاْنه لم يغن بالأمس! واِن موعدهم الصبح اْليس الصبح بقريب!!