تحت هذا العنوان وفي 285 صفحة تقريبا، صدر للدكتور عريقات كتابا يختزل خلاصات تجربة المفاوضات مع الإسرائيليين، وعلى الرغم من أن الدكتور حاول تقديم مؤلفه هذا على أنه مقدمة لعلم التفاوض على اعتبار أن التفاوض علم قائم بذاته وأن المكتبة العربية بل والعالمية تفتقر لمثل هذا المجهود، فالإصدار لا يخل من انطباعات ولا يعدم من محاولة توجيه رأي عام وتقديم وجهة نظر ودعوة إلى تبني خيار. فالرجل لم يكتف بتخصيص ثلاث سنوات من عمره -وهي الفترة التي قضاها في تأليف الكتاب- بل هو الآن بصدد التحضير لإصدار ثلاثة كتب أخرى ستكون بمثابة تدوين تجربة المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية منذ مؤتمر مدريد (1991).

وأيا كانت الخلفيات وراء الإصدار، فتمة العديد من الملاحظات الموضوعية التي يتقاطعها الجمهور العريض من المتتبعين العرب والأجانب، سنضيف إليها في هذا الصدد بعض الملاحظات الأخرى من زاويتنا الخاصة للنظر.

دلالة الكاتب

هو القائل في هذا الكتاب عندما تحدث عن التفكير في الانسحاب من المفاوضات: عليك أن تدرك تبعات الإنسحاب وتبعات الاستمرار وتبعات الموافقة أو عدمها على ما جئت أساسا بهدف تحقيقه).

وهو القائل كذلك: تذكر أن المفاوضات ليست حربا، ويجب ألا يجبرك أي طرف على توقيع اتفاق، فأنت تفاوض ولا تقوم بتوقيع وثيقة استسلام، وتذكر دائما عدم التسرع وضرورة التريث).

وهو الذي صرح لبعض وسائل الإعلام خصوصا الفرنسية منها خلال تعنت الإسرائيليين وإجبارهم لإدارة أوباما على الضغط على عباس للتفاوض رغم حقائق الاستيطان والتهويد والاعتقالات والتنكيل بما مفاده: لقد جاءت لحظة الحقيقة ومصارحة الشعب الفلسطيني أننا لم نستطع أن نحقق حل الدولتين من خلال المفاوضات التي استمرت ثمانية عشر عاما

هذه كلمة حق. وهي في الحقيقة تجعل المراقب البسيط ينسى ورقة التعريف الخاصة بالدكتور عريقات على اعتبار أنه السياسي والمنظر البارع في السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير والذي تقلد العديد من المناصب في السلطة إلى وزير للحكم المحلي في الفترة ما بين 1994 و 2003 ثم إلى كبير المفاوضين الفلسطينيينن، وقد ينسى كذلك شغل الرجل لكرسي التدريس كأستاذ للعلوم السياسية وغيرها من الوظائف العلمية والبحثية.

بالمقابل، لن ينسى أحد انبهار عريقات بحدثين اثنين رسما طريقة تفكيره وهما:

مصافحة الراحل عرفات لرئيس الوزراء المغتال إسحاق رابين، وإلقاء المستشارة الألمانية خطابها باللغة الألمانية في الكنيست الإسرائيلي بعد كل الدم الحاصل بين العرقين.

هذا الانبهار، أضف إليه انبهاره الآخر بخطاب السادات بالكنيست بعد الحرب التاريخية، هو الذي أسس نظريا وعمليا لعقلية تفاوضية بصيغتها الحالية لذا الرجل، فهو الذي عمل على مدار السنوات منذ أوسلو إلى جانب العديد من المفكرين والسياسيين في السلطة على الانتصار لخيار التفاوض على حساب خيارات أخرى مهما كلف الثمن، بل إن الراجح في التحليل هو أن عريقات وجماعته من مفاوضي السلطة استفرغوا جهدهم في تربية الشعب الفلسطيني وتنشئته على عقلية تفاوضية خاصة كما عبر عنها هو نفسه في الكتاب: ليس بالضروري أن نقتنع أو نؤمن بما يحرك الطرف الآخر… ولكن من الضروري محاولة تفهمهما لأن التفهم يعني القدرة على التعامل وطرح المواقف استنادا إلى قاعدة محاولة كسب مشترك للطرفين).

عريقات بأمثال هذا القول يرشح نفسه إن لم نقل ينصبها رائدا لفلسفة جديدة في علم التفاوض وإدارة الصراع ألا وهي “فلسفة التفهم” فهو بالتأكيد من ساهم في توقيع أوسلو وهندسة خارطة الطريق إلى جانب المتنفدين الحقيقيين في القضية، وهو المنادي في العرب بنصرة خطة بوش وأوهام ميتشل وكذب أوباما.

لكنه في هذا الكتاب أراه خلع عباءة السياسي ليرتدي معطف المفكر في زمن خراب الأفكار من هذا القبيل، كما أنه في هذا الإصدار قد استعار لبوس الفقيه المفتي ليبرر الاستكانة لجناب اليهود بإقحامه تعسفا للحديث الشريف المتفق عليه “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه”.

بئس الجوار جوار بني قريضة على مر العصور.

بالإجمال، فالرجل صاحب خبرة سياسية ومصلحة، صاحب علم وتخصص، باحث ومفكر، مهتم بمظهره الجميل لدرجة ولعه بتخفيف وزنه بشكل قياسي ومثير، مرجع للمفاوضات ورائد تسويق نظرية السلام على أرضية التفاوض. وهو المقر كذلك بفشل المفاوضات وعجزها عن تحقيق أبسط أحلام الفلسطينيين بقيام دولة.

من وحي الفكرة

أن يخطر ببال إنسان وتحدثه نفسه بالتأريخ لتجربة ما، فهذا أمر طبيعي. وأن تهز المرء قناعته الفكرية وتحمله على تدوين مرتكزاتها، فهذا كذلك شيء جرت عليه العادة. لكن أن يخطر بالبال تدوين التجربة بأسس فكرية في ضوء قناعة ناقضتها مخططاتها على محك الواقع مع وجود فشل شامل وذريع، فهذا ما يعتبر بدعة في التعاطي الفكري مع مجريات التاريخ.

ففكرة الكتاب أصابها التناقض في أكثر من موطن نظرا لانطلاقها من مقدمات مناقضة للنتائج، فأصبحت قضية الكتاب مترهلة في نسقها متحللة في بنائها، و في هذا الصدد يمكن أن نذكر:

يدعو الكتاب إلى ضرورة الاستمرار في المفاوضات مع الإقرار بالفشل في تحقيق الأهداف.

يدعو الكتاب للتريث مع الاعتراف بطول مدة الانتظار دون جديد في الأفق.

يدعو الكتاب للتفاهم في ضوء وجود عدوعدمي جامد.

يدعو الكتاب إلى الحذر مع التأكيد على حسن الجوار بطرح ساذج.

يدعو الكتاب ضمنيا إلى الإبقاء على إمكانية الانسحاب من المفاوضات وفي نفس الوقت يهدد بثمن مبالغ فيه للعملية.

كثيرة هي الأمثلة التي ضمها الكتاب، تجعلنا نطرح على الكتاب سؤالا واحدا: الحياة مفاوضات. أهي الفكرة أم السياسة؟

بالقراءة المتأنية لفصول الكتاب، سيرى القارئ بأن فكرة الكتاب تختزل اختزالا وتطوى صفحات الكتاب طيا لتنحني بين يدي الإهداء.

يهدي الدكتور عريقات مؤلفه هذا إلى زوجته وأبنائه، ولعله في نظري يسلي النفس عن معاناة مسار خاطئ طويل.

بهذا الإهداء يعرب الكاتب في خفاء عن خراب خيار ساق الفلسطينيين إلى المجهول وأخذ بأعناقهم إلى سيوف متطرفي اليهود.

وإن كان القارئ يقدر السياقات العامة لحديث كالذي بين أيدينا، فسيدرك أن الهروب إلى فلسفة القضايا التي لا يحجب نصاعتها الغربال إنما هو ضرب من السفسطة المقنعة.

وأيا كانت الملاحظات السلبية على الكتاب وصاحبه، فقد وجب التنويه بمبادرة الكاتب، تلك التي جعل من خلالها ريع الكتاب لمساعدة طلبة جامعة النجاح الوطنية التي عمل بها محاضرا وصدر الكتاب عن إدارتها. لعل الجيل الجديد يحمل المشعل ليزرع الحياة في هذه المفاوضات العقيمة أو يعدمها ليصنع النصر.

دلالة التوقيت

إذا قارنا اللحظة بسابقاتها، فنظن أنه لا أشد ولا أصعب، بل ولا تيه ولا نفق عرفته القضية الفلسطينية كالذي تعيشه في وقتها الراهن.

فكل ما من شأنه إبقاء نفس ما للقضية قد تلاشى، إلا ما كان من مقاومة على قلة حيلتها وتعدد إكراهاتها. فقد تفرق الشمل وصار أبناء الوطن الواحد أعداء، وتمزقت الرقعة الجغرافية الحاضنة، وتفاقمت الاختلاسات وتوسعت دائرة العمالة للعدو في صفوف أفراد ومؤسسات السلطة، وهجر أهل المقدس بعد تهويده، حوصر الأقصى وضمت “إسرائيل” الأراضي بلا هوادة، وزورت الحقائق فأصبحت المقدسات الإسلامية جزءا من التراث الإسرائيلي بحكم القوة والاحتلال.

في خضم انتكاسات الأمة العربية والزحف الكاسح للإسرائيليين، يخرج علينا عريقات بردة الفعل: “الحياة مفاوضات”.

إن القضية الفلسطينية اليوم أريد لها ظلما وعدوانا أن تلبس لبوس صناعة البيت الأبيض بهندسة اللوبي اليهودي المتطرف، فهو الوسيط الذي ارتضاه المفاوض الفلسطيني لحماية المصالح اليهودية الأمريكية بالمنطقة برمتها، فقد عبرت الإدارات الأمريكية المتعاقبة عن هذه الحقيقة من كل مستويات القيادة وبكل الوسائل وعلى أكثر من بقعة على هذه الأرض بل ولقد كان خطاب الأمريكان أشد صراحة من على المنابر في البلاد العربية والإسلامية منها على الأراضي الغربية.

هذه الصراحة في الموقف الأمريكي جعلت العرب فريقين:

أحدهما يقوده قادة الخنوع وسفراء أمريكا لحكم المسلمين في البلدان العربية والآخر تقوده الشعوب المسلمة بقيادة حركات التحرر الرافضة، يساندها في ذلك بعض القادة العرب الغاضبون تكتيكا والراغبون في وضع تفاوضي مريح.

اختار كاتبنا أن يتزامن الإصدار مع هذه اللحظة التي تؤرخ للنكبة التاريخية بامتياز، لا لإرجاع الأمور إلى نصابها الواضح، بل للانتصار لخيار بينت الأيام فشله، ووضحت الأحداث ضعفه وعجزه عن الدفاع عن أبسط حقوق الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية خلفه.

بالفعل، لقد انقطعت حياة المفاوض الفلسطيني في هذه اللحظة، لأنه لا مشروع له ولا برنامج نماء وتحرر يشتغل عليه في الأراضي الفلسطينية، بل لا مهمة يقوم بها، فهو خلق ليفاوض، وعين ليفاوض، وعندما تنقطع المصافحات، وتتوقف الجلسات، فلن تسمع إلا المزايدات: “الحياة مفاوضات”.

ورب قائل يقول: مالكم لا تريدون التفاوض وتعشقون الحرب.

لذلك نعيد التذكير، إننا هنا بصدد الوقوف مع تصور فكري وخيار سياسي انفعالي يركب الحقائق تركيبا مقلوبا ولا يلتزم خياره إلا من جانب المصلحة، وإلا فما لهؤلاء المفاوضين لا يرغبون في التزام هذا الخيارمع الطرف الفلسطيني الآخر.

فعندما تمت المناداة على جماعة عباس وعريقات إلى مصر لتأكيد المصالحة رغم أنهم هم الذين شاركوا في صياغة أرضيتها على المقاس الأمريكي، تراهم يتلكؤون لأنهم تعودوا أن يفاوضوا من أجل التفاوض لا من أجل الخروج ببنود اتفاق تحدد المسؤولية وتكون مرجعية لفعل على أرض الواقع، فعل سيحول القناعة بدون شك من: “الحياة مفاوضات” إلى “التفاوض من أجل الحياة” وهو ما لا يرغبون فيه طبعا.

لقد تتبعنا مع عريقات فصول إصداره هذا، لكننا لم نخرج بنفس القناعة، بل على العكس من ذلك خرجنا بقناعة أخرى مفادها: “الحياة أو المفاوضات”، وذلك للاعتبارات نفسها التي ملأت بطن الكتاب:

لا مفاوضات مع طرف يحسم الحوار على الأرض بآخر ما جد في عالم التسلح.

لا مفاوضات في ظل تغيير الحقائق التاريخية والجغرافية وغيرها.

لا مفاوضات مع غياب من يقف خلف شجرتنا، فالأمريكان هم شجرة اليهود الوارفة الظل.

لا مفاوضات في ظل التملص التام من الالتزام بالمواثيق والعقود بشتى أنواعها.

لا مفاوضات مع الرفض والسخط الشعبيين.

لا مفاوضات بعد ثمانية عشر سنة من العبث.

لا مفاوضات مع وجود بعض المفاوضين الفلسطينيين الذين يقتاتون من فتات موائد اليهود.

عذرا، لقد أخطأت يا دكتور، فكل البراهين التي أوردتها لتقوية طرحك هذا إنما هي الدليل بعينه على النقيض.

“لا حياة يؤطرها عبث اسمه المفاوضات”.