فهذه رسالة متفردة إلى كل تلميذ وتلميذة يرجو مِن سعيه في الدنيا أن تمتدَّ سعادته إلى الآخرة، يريد أن يحيا كريما مستقيما وأن يرث في آخرته نعيما مقيما. تذكرنا جميعا بما يُنهِضنا ويُنجِحنا، وتحذرنا مما يلهينا ويُقعِدنا. تضع بين أيدينا صوىً أربع لعلنا على الخير ننجمع ولصوت الحق الخالد نستمع وللرسول الخاتم نتبع.

1- أَحَبُّ العمل إلى الله الصلاة في وقتها

أول مَعْلَمٍ من معالم صلاحك وفلاحك هو حفاظك أخي وأختي على صلواتك في أوقاتها، وإن كانت جماعةً فهي الأفضل، وإن كانت في المسجد فهي الأمثل، وتدبر قوله تعالى: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون، ولا فلاح للمرء مهما أدرك في حياته مِن جاه وحَسب ونسب إن لم يركع مع الراكعين مصدقا بيوم الدين.

قال صلى الله عليه وسلم: “خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة” 1 ، فاستعد أُخَيَّ للصلاة قبل المجيء إلى المدرسة، توضأ قبل خروجك من البيت، فالوضوء وضاءة وسلاح، وانوِ الصلاة في وقتها جماعة في مسجد المدرسة أو المعهد، ولا تتغافل عنها أو تسهو، فأنت تعلم كيف توعد الله الذين هم عن صلاتهم ساهون.

وتذكر قوله صلى الله عليه وسلم: “إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر” 2 . و“أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته” 3 . ولما سئل صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله؟ قال: “الصلاة على وقتها” 4 ، ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال على المنبر: إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام وما أكمل لله صلاة ! قيل وكيف ذلك؟ قال: لا يتم خشوعها وتواضعها وإقباله على الله عز وجل فيها). وقال ابن مسعود رضي الله عنه: الصلاة مكيال، فمن أوفى استوفى ومن طفف فقد علم ما قال الله في المطففين: {ويلٌ للمُطففين}).

صلاتكَ أَخي وصلاتكِ أُختي جواز مضمون إلى عالم الفلاح في الدارين، إن أنت أقمتها على حقها وطريقها، إن أعددت لها بيئتها الإيمانية النورانية بصدق، فأكلت لها الحلال وأخلصت فيها التوجه واتبعت فيها الموجِّه، فتواضعتَ وخشعت، قال تعالى: اتلُ ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة، إن الصلاة تنْهَ عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون. آنذاك تستحق الانتماء لسلك المؤمنين المفلحين.

للصلاة نورها وبركتها على باقي الأعمال، مَن حفظها مِن الضياع وصانها مِن الغفلة حُفظ في يوم تشيب له الوِلدانُ مِن هولِ المنظر وشدة الموقف، وصِينَ من وَعْتاء الموقف وعناء الحر وشقاء الانتظار، وكُتب من الوارثين وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوٰتِهِمْ يُحَـٰفِظُونَ. أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْوٰرِثُونَ. ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ. وانظر قوله صلى الله عليه وسلم في الصلوات الخمس: “من حفظها وحافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا نجاة ولا برهان يوم القيامة، وحُشر مع قارون وفرعون وهامان وأُبَي بن خَلَف” 5 ، بلا نور ولا نجاة ولا برهان!!!

يتساءل المؤمنون (وقيل أبناء المسلمين) في الآخرة عن أصحاب النار: ما سلككم في سقر(أي عمق جهنم)؟، أي ما الذي أدخلكم إلى هذه الدَّرَكة من جهنم؟ فيجيب “المجرمون” 6 : لم نكن نصلي ولا نتصدق ولا نُصدق بموعد الآخرة حتى فاجأنا الموت. لكن اعترافهم بذنبهم لم يخفف عنهم العذاب ولن يشفع لهم. ولما سئلوا: ألم يأتيكم نذير؟ قالوا: بلى قد جاءنا نذير. فجاءهم الجواب وفاجأهم: فاعترفوا بذنبهم فسُحقا لأصحاب السعير. الاعتراف في الدنيا مزية وتوبة، أما في الآخرة فمُضاعِف للمِحن.

تدبر قوله تعالى قبل فوات الأوان: إلا أصحاب اليمين، في جناتٍ يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سَقر. قالوا لم نكُ من المصلين، ولم نكُ نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين، وكُنا نُكذب بيوم الدين، حتى أتانا اليقين، فما تنفعهم شفاعة الشافعين، فما لهم عن التذكرة معرضين، كأنهم حُمُرٌ مُستنفرة فرت من قَسورة 7 .

الخوض مع الخائضين ضيع للناس أعمارهم وملأ عليهم أنفاسهم وصيرهم كائنات بلا معنى. قال المفسرون في الخوض مع الخائضين كلما غوى غاوٍ غوينا معه) 8 .

صلاتك وجماعتك ومسجدك إن فرطْتَ فيها فرطَتْ فيك… إلا بعذر قاهر كالمرض المُقعد. أما صناعة الأعذار التافهة وإن كانت تتفنن فيه النفوس فهو مُضيع للكنوز وعائق عن الفوز… وتذكر الرجل الأعمى الذي لم يجد من يأتي به إلى المسجد، ذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يرخص له في الصلاة في بيته، لمشقة انتقاله من البيت إلى المسجد، فوضح له الرسول صلى الله عليه وسلم الثواب الذي يحصل عليه من صلاة الجماعة في المسجد وفي المشقة التي تحصل له في تنقله فقال صلى الله عليه وسلم له: “هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم. قال: فأجِب”. واعلم أنه “ما من ثلاثة في قرية ولا بدوٍ لا تُقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية” 9 ، فما تقول في مؤسستك أو معهدك وفيه المئات من أبناء المسلمين أمثالك؟ وما تقول يا سليم البدن عليل الهمة؟ وانظر ما عُذرك يا كثير الترخص قليل العزم؟

2- الإحسان بالوالدين

كلنا نقرأ قوله تعالى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أُفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً 10 ، لكن هل تدبرناها فوعيناها فطبقناها كما وعيناها؟

قَرَن الحق سبحانه إحسان عبادته بالإحسان إلى الوالدين، فلا تتحقق العبادة لله إلا بالإحسان إلى الوالدين، والإحسان بمعنى قمة الإتقان في خدمتهما والتحبب إليهما وخفض الجناح لهما والتذلل لهما والرأفة بهما والسعي في حاجتهما وإنفاذ وصيتهما وعهدهما والكون عند ظنهما وتنفيذ طلبهما ما كان خيرا. فإرضاء الوالدين من إرضاء الله جل شأنه، ففي الحديث: “من أرضى والديه فقد أرضى الله، ومن أسخط والديه فقد أسخط الله” 11 . و“رِضى الرب في رِضى الوالد وسخط الرب في سخط الوالد” 12 .

من وفقه الله تعالى ليكون مرضيا من والديه يحبهما ويحب لهما الخير ويصبر معهما وعليهما، مهما وقعت من مكاره الحياة ومفاجع الزمن فقد حاز الخير الأعظم ونال النوال الأكرم، وسلك المسلك الأسلم. عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: “سألتُ النبي صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل. قال: “الصلاة في وقتها”. قلت: ثم أي. قال: “بر الوالدين”. قلت: ثم أي. قال: “الجهاد في سبيل الله”” 13 . ويوصي النبي صلى الله عليه وسلم الجنة تحت أرجلهما؛ ففي الحديث: “… ألك والدان؟ قال: نعم، قال: الزمهما، فإن الجنة تحت أرجلهما” 14 . وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رجلاً قال: “يا رسول الله، ما حق الوالدين على ولدهما؟ قال: هما جنتك ونارك” 15 .

حتى في حال وفاة الوالدين فصِلتهما لا تنقطع وبرهما لا يتوقف، ففي الحديث الشريف: “من أحب أن يَصِل أباه في قبره فلْيَصِل إخوان أبيه من بعده” 16 ، والدعاء لهما والسعي بالصلاح في الأرض حتى تكون ذرية صالحة، خير خَلَفٍ لِخيرِ سلف، ولا تقطع رحم الوالدين بهجران العائلة والأصحاب والأحباب والأصهار والأنصار والجيران. بل تابع السير الحسن وصل الود بالتي هي أحسن.

ومن حُرم رضا الوالدين فقد خسر الخسران السريع المبين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “رَغِم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه، قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: مَن أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة” 17 . فلا جنة للعاق ولا كرم.

فكن أخي وكوني أختي ممن يتمتع برؤية الوالد والوالدة في كل حين، ابتسم في وجهيهما وقبِّل بحنانٍ أيديهما، واصغ بإمعان إلى نصيحتهما، واستحضر عنايتهما السامية ورعايتهما الحانية، وعاملهما بلطف ورفق وعطف واخفض لهما جناح الذل من الرحمة. وتذكر دائما قوله صلى الله عليه وسلم فيهما: “هما جنتك ونارك”، وتحبب إليهما بالهدية وإتقان السُخرة وجميل العِشرة وحُسن الأدب. واخش يوما تستيقظ فيه فلا تجد أحدهما أو كلاهما فتندم على التفريط في جنبهما والتملي من النظر في محياهما.

أحبك أمي.

أُحبك أبي.


[1] رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة.\
[2] رواه الترمذي.\
[3] رواه الإمام أحمد والطبراني\
[4] أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، باب: فضل الصلاة لوقتها، ومسلم في الإيمان، باب: بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.\
[5] أخرجه أحمد والدارمي والطبراني في الأوسط وصححه ابن حبان، قال المنذري في الترغيب: “رواه أحمد بإسناد جيد”.\
[6] بهذه التسمية سماهم القرآن، لأنهم لم يكونوا من المصلين…\
[7] حُمُر: جمع حِمار. وقسورة: اسم للأسد.\
[8] جامع البيان في تفسير القرآن، للإمام الطبري.\
[9] أخرجه أبو داود.\
[10] سورة الإسراء: 23.\
[11] رواه ابن النجار عن أنس.\
[12] أخرجه الترمذي وصححه الألباني.\
[13] متفق عليه.\
[14] رواه الطبراني.\
[15] رواه ابن ماجة.\
[16] حديث صحيح رواه ابن حبان في صحيحه.\
[17] رواه مسلم، [رغم بفتح الراء وكسر الغين: راجع النهاية في غريب الحديث والأثر ج2 ص38].\