أقدمت السلطات، يوم الجمعة الماضي، على منع وقفة كان الهدف منها التنديد بالقرار الصهيوني بضم مسجد الخليل الإبراهيمي ومسجد بلال إلى قائمة المواقع الأثرية اليهودية.

في البداية، لا بد من التذكير بأن المشاركين في الوقفة مغاربة، ومنظموها ليسوا إلا هيئات مدنية وسلمية مشهود لها بالحس القومي والغيرة على مصالح الأمة والتهمم بوحدتها والدفاع عن مقدساتها، كما أن سبب الوقفة موقف من قضية مركزية يتوحد فيها كل المغاربة على اختلاف مواقعهم ومواقفهم، ولذلك كان مثيرا ما فعلته السلطات من تطويق لمكان الوقفة بكل أنواع القوات قبل ساعات من موعدها، والاعتداء، بكل أنواع العنف، على جموع المشاركين.

ولا بد من التذكير، كذلك، بأن القانون المغربي للحريات العامة، المبني على نظام التصريح، لا يلزم منظمي الوقفات بسابق التصريح، وهذا ما أكدته أحكام قضائية صادرة عن أعلى درجات التقاضي في البلاد، ولا يلزمهم حتى بالإعلان المبكر عن تنظيمها رغم أن منظمي هذه الوقفة أعلنوا عن تاريخها ثلاثة أيام قبل التاريخ المحدد.

لا شك أن هذا سلوك غريب يحتاج إلى تعليل من قبل متخذي قرار المنع وشرح لمبرراته المخالفة للقانون وللموقف الرسمي للمغرب تجاه القضية الفلسطينية وتجاه جرائم الاحتلال الإسرائيلي التي تتزايد وتتوسع يوما بعد آخر.. ولا شك أن الإقدام على هذه الخطوة وبهذه الكيفية العنيفة يفتح الباب أمام التأويل والتحليل والاستنتاج. فهل يتعلق الأمر بمؤشر على تغير الموقف المغربي من هذه القضية؟ أم إن الأمر يؤكد ما يتداول، في الكواليس والعلن، حول نفوذ متزايد لجهات خفية تسرع خطوات التطبيع مع الكيان الصهيوني وتقمع كل حس مقاوم لدى الشعب المغربي؟ أم إن الخلفية الأمنية البوليسية صارت المتحكم في القرارات السياسية والقومية؟ أم إن هناك مبررات أخرى يصعب فك رموزها الآن؟

إن ما جرى يوم الجمعة يجعلنا نسترجع هذا العدد المتزايد من الوقفات التي تتعرض في السنين الأخيرة للمنع والقمع رغم طابعها المسؤول والمنظم والمدني والسلمي ورغم أن الاحتجاج، من خلال الوقفات، مظهر من مظاهر التقدم والحرية وارتفاع الوعي لدى المواطنين والمجتمع والتي تعتبر السلطة أول مستفيد منها.

ما فتئت السلطات والأحزاب تتحسر على العزوف الشعبي وانتشار اللامبالاة وعدم تجاوب المواطنين مع القضايا العامة، وما فتئت تستعمل كل الوسائل لجذب المواطنين للمشاركة والتفاعل مع مبادراتها، وما فتئ الخطاب الرسمي يؤكد على أولوية هذا الورش لتحقيق المشاركة العامة التي بدونها لن تقوم للبلاد قائمة، ولكن مثل هذه الخطوات تبطل كل مفعول لتلك المبادرات، بل إنها تؤكد أن ما يقال ليس إلا كلاما للاستهلاك الإعلامي والمزايدة السياسية، وبأن الدولة مستغنية عن هؤلاء المواطنين وغير راغبة في سماع رأيهم. وواقع الحال أبلغ من كل مقال.

والذي لا يدركه أصحاب هذه القرارات العشوائية هو أنهم يسدون بخطواتهم هاته كل منافذ التعبير على الشعب، والوقفات جزء من هذه المنافذ، ويفتحون الباب أمام خيارات السرية والعنف والتشدد، ويشجعون البعض على إلصاق تهم العمالة للكيان الصهيوني بالدولة المغربية، وهم يعرفون ما تشكله هذه الأمور من نتائج سلبية على البلاد وعلى استقرارها، وخاصة حين يتعلق الأمر بقضية حساسة مثل نصرة فلسطين والتنديد بالاحتلال الصهيوني. لا شك أنهم يتتبعون، إن كانوا يكلفون أنفسهم ذلك، كيف تشكل هذه القضية أداة استقطاب ووسيلة تعبئة ومزايدة لدى بعض التيارات المتشددة داخل المغرب وخارجه.

قد تتذرع السلطات بمبرر مشاركة تنظيمات مغضوب عليها في هذه الوقفات، وفي مقدمتها “العدل والإحسان”، بدعوى أنها تستغل هذه الوقفات لفك العزلة عنها، وهذا عذر أكبر من الزلة لأنها تتعامل حينها بمنطق ضيق محكوم بنظرة محدودة فاشلة لم تقو، طيلة سنين خلت، على الحد من انتشار الجماعة المتزايد سنة بعد أخرى. والخوف أن تصبح السلطات، رغم ما تتوفر عليه من إمكانيات استخبارية، أسيرة شائعات سياسية ودعايات إعلامية مغرضة عن عزلة الجماعة وتراجعها واعتمال صراعات داخلها رغم أن واقع الجماعة يثبت نقيض ذلك، ومن يعرفها عن قرب يلحظ الانتشار والتماسك والثبات الذي تعيشه، ويعرف أن دافعها إلى لمشاركة في هذه الأنشطة القومية يتعدى توظيفها لفك الحصار عنها، ولذلك فهي تحرص على عدم الانفراد بتنظيم أنشطة حول فلسطين خاصة بها لأنها مقتنعة بأن القضايا الجامعة تلزمها أشكال نضالية وتنظيمية جامعة.

من المفيد للسلطات أن تلتزم بالقانون حتى لا تفقد مبرر وجودها وحتى لا تجعل البلاد في حالة طوارئ غير مضبوطة بقانون معروف يحدد واجبات وحقوق كل فئات المجتمع وهيئاته، ومن الأفيد لها أن تصنف القضايا التي تتواجه فيها مع من تعتبرهم خصومها فقد تؤتى من الخلط، ومن الأفضل أن لا ينسيها الهدفُ الوسيلةَ لأنها قد تدفع الثمن مضاعفا. ومن الأليق بهذه السلطات أن لا تضع الديمقراطية المغربية في قفص الاتهام والإدانة لأنها تكشف هشاشتها وضعفها، فأي ديمقراطية هاته التي تهددها وقفة رمزية؟ وأي نسق سياسي هذا الذي لم يستطع استيعاب هيئات معارضة تتمسك بحقها في المعارضة الجذرية بالقدر الذي تتشبث فيه باعتماد الوسائل السلمية والمشروعة؟

في تجارب الأمم من حولنا نماذج رفيعة استطاعت فيها الدولة احترام القانون وحقوق الإنسان ضد معارضات بالغت في مطالبها إلى حدود الانفصال، والنتيجة أن هذه الدول لم تزدد إلا احتراما وتقدما، والإجماع الشعبي حولها يتزايد يوما بعد آخر.

أما هنا في المغرب فإن السلطات، للأسف، تعرض مصداقية الدولة في مجال ممارسة الحرية للاختبار لحظة بعد أخرى، وهي تعرف مسبقا أنها لم تقدم حصيلة جيدة.

على السلطات أن تفكر بمنطق أوسع وأبعد من مجرد حرمان معارض من حقه لأنه قد يتقوى من خلاله، وعليها أن تفكر بميزان أولويات يرتب الأمور حسب أهميتها، وعليها أن تفكر في حلول حقيقية بدل الترقيع، وأن تنفتح على كل الاحتمالات بما في ذلك مراجعة سياساتها المعتمدة إن لم توصل البلاد والعباد لما يطمحان له من استقرار ورفاه وعزة.

أما خرق القانون ومصادرة الحقوق بدعوى مشاركة العدل والإحسان فإنها سياسة فاشلة تكون حصيلتها دائما لصالح الجماعة. ولا يشك في ذلك إلا مكابر أو صاحب مصلحة خاصة. والخشية كلها أن يكون هؤلاء هم المتحكمين في صناعة القرار.

حينها سنقرأ الفاتحة على الدولة لأنها ببساطة فقدت البوصلة الموجهة وأصبحت طرفا في الصراع عوض أن تكون حكما.

المصدر: المساء عدد 1071 – 2 مارس 2010.