مرة أخرى، أقدم الصهاينة على خطوة تصعيدية في حق الشعب الفلسطيني والأمة الإسلامية، في وقت لا تزال فيه جريمة اغتيال الشهيد محمود المبحوح لم تتكشف كل خيوطها بعد.

فقد تفتقت عبقرية منظري الغطرسة الصهيونية عن قرار فريد يقضي بضم الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، ومسجد بلال في بيت لحم إلى لائحة المواقع التراثية اليهودية.

وهذه جريمة كبرى تضاف إلى الجرائم المتلاحقة من تهويد للمقدسات، وهدم للبيوت، وتهجير لأصحاب الحق، وتثبيت للمستوطنات، وحماية لقطعان المستوطنين…

ولَأَن يقوم الكيان الصهيوني بهذه الأعمال والانتهاكات، فهذا عَهْدُنا به وتلك طبيعته، لكن أن تصبح البلاد العربية والإسلامية ساحة مفتوحة لغطرسة يجرب فيها الموساد تقنيات وأساليب جديدة في “الاغتيال الناعم” كما حصل مع الشهيد المبحوح في دبي، أو يتحدى فيها القادة السياسيين والعسكريين –بشكل ساخر- إمكانية الملاحقة القضائية كما حصل مع المجرمة تسيبي ليفني التي حضرت بطنجة –نكاية في بلد المسيرات المليونية المتضامنة مع فلسطين- في منتدى أورومتوسطي ثم نظمت لها فيما بعد جولة ببعض المدن المغربية كالبيضاء ومراكش جزاء لها على العمل “التأديبي” العظيم الذي قامت به في حق فلسطينيي غزة الذين يعملون جاهدين على ترسيخ فكرة الصمود لتصبح درسا يحتذى بالنسبة للشعوب المستضعفة.

كل هذه “الإنجازات العظيمة” للصهاينة ساسة وعسكريين لم تعد كافية في ظل تنوع المعركة واتساع رقعتها، بل لابد لأصحاب العروش المحروسة والنخب المدسوسة أن تزيل القناع وتنخرط في المعركة “المقدسة” بشكل مكشوف، وهو ما سيظهر -في تقديري- في الأيام القادمة لأن الرهانات السابقة لم تعد وحدها كافية، فالتسلل عبر التطبيع أو توظيف الطائفية خاصة بين السنة والشيعة أو تفكيك الصف الداخلي.. كلها عوامل مهمة شرط أن تعزز في المرحلة القابلة بقمع الأنظمة العربية المباشر السافر لشعوبها في كل خطوة يكون فيها تنديد أو احتجاج على جرائم الكيان الصهيوني.

ولعله، في هذا السياق، يأتي منع الوقفة الاحتجاجية بالرباط التي دعا لها منسقا التيارين القومي والإسلامي بالمغرب يوم الجمعة الفارط.

فالذي حضر، يدرك منذ وصوله إلى المنطقة المجاورة لساحة البريد -المكان المفترض للوقفة- أن عسكرة المنطقة، وطبيعة تحرك المسؤولين الأمنيين وتفحصهم للوجوه التي يظهر عليها أو يشم منها رائحة النضال، ومنعهم بالعنف من الوصول إلى الساحة المخصصة عادة لمثل هذه الوقفات.. يدرك بما لا يدع مجالا للشك أن هناك مقاربة جديدة في التعاطي مع كل أشكال التضامن مع قضايا الأمة عموما والقضية الفلسطينية على وجه التحديد.

خاصة وأن المبادرين بالدعوة إلى هذه الوقفة منهم من لم يدخل إلى حظيرة التراث المخزني، وفي مقدمتهم جماعة العدل والإحسان التي يصورها الإعلام الرسمي أنها في غيبة كبرى وانتظارية قاتلة، ولا يمكن أن تعود لها الحياة إلا إذا دخلت “ّقبّة الحكمة” لتعرف مداخل ومخارج الحكامة الجيدة، وأنى لها ذلك إذا لم تنطرح بالباب وتتعلق بالأهداب وتقبل الأعتاب!!؟

فأن تحضر الجماعة لمثل هذه الوقفة وتكون من الداعمين الأساسيين لها، فهذا يؤكد أنها –على خلاف الصورة التي يراد تسويقها- حية ومتفاعلة ولا تحتاج إلى “سيروم” المخزن.

ولذلك لاحظنا السعار الذي أصاب بعض المسؤولين الأمنيين وهم يرون أن أبناء الجماعة في مقدمة الحاضرين، وقد تجلى ذلك بالواضح في تعاملهم العنيف مع مجمل الإخوة وخاصة الأستاذ عبد الصمد فتحي، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية للجماعة ومنسق الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة، حيث انهالوا عليه ضربا ورفسا في مشهد انتقامي لو نقل على الهواء مباشرة لظن بعض المخلصين ممن لا يدركون الطبيعة الاستبدادية للنظام أن الأجهزة البوليسية بصدد إلقاء القبض على من اغتال الشهيد المبحوح.

مشهد يحرك الدعوة الصادقة لتقول بلسان الحال:

يا قومنا، أليس فيكم رجل رشيد، أما خبرتم أن الجماعة –بفضل الله- لن تعطي الدنية من نفسها بالوعد أو الوعيد!!؟

نعم، يمكنكم أن تقمعوا أو تصادروا أو تحاصروا، لكن اعلموا يقينا أن إرادة شعبنا لن تقهر وأن قدسنا لن تؤسر بل ستنصر، وأن دعوتنا لن تحسر بل ستنشر، وأريحوا أنفسكم من الرهان على حادثة مثيرة 1 ، فما كنا يوما عُجُولا حتى ندخل الحظيرة.


[1] راجع قصيدة الشاعر أحد مطر، “الثور فرّ”.\