أجرى موقع الاتحاد الوطني لطلبة المغرب حوارا مع الأستاذ عيسى أشرقي، عضو مجلس الإرشاد، بمناسبة المولد النبوي هذا نصه:

سؤال:

أستاذي الكريم ما هي أبرز شمائل النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته؟

جواب:

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على الهادي الحبيب صلاة تكون على قلوبنا رباطا في الدنيا ولنا شفاعة وأمنا في الآخرة. كم هو كريم سعيكم وعظيم مطلبكم وشريف عملكم: أن تحببوا رسول الله لعباد الله. فهنيئا لكل من طابت نفسه وأنفاسه وباع عمره واسترخص أحب ما يملكه لدعوة الخلق إلى معرفة ولو اليسير من جناب هذا النبي وحرمته، وإن كان الأمر أعمق من حدود التعريف المألوف، إنما هو تربية روحية قلبية علمية عملية يستكشف المربى من خلال سلوكه الجماعي الجهادي عظمة منهاج هذا النبي الذي تُوّج السيادة والخيرية والكرامة على الخلق أجمعين.

نملك والحمد لله إرثا زاخرا عن شمائل النبي الأكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. فقد تعاقبت أجيال العلماء وتنافست على التنقيب وإبراز مكارمه ومحامده ومحاسنه وخلاله وخصاله. فلا تجد كتابا أو مصنفا أو رسالة في التفسير أو الحديث أو الفقه أو الأصول أو التربية أو الدعوة أو السيرة أو غيرها من أبواب العلم إلا وازدانت وأشرقت بذكره صلى الله عليه وسلم. بل ذكره أعطى هذه المكتوبات والمصنفات روحانية وجمالية خاصة يعرفها أرباب القلوب أهل الذوق الذين يرون فضل الرسول عليهم في كل شيء.

إن الحديث عن شمائل وصفات حبيبنا الشفيع المشفع يعيدنا إلى الأصل. والأصل هو الذي ورد علينا في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس”. هذا الحديث يحمل بلاغا تربويا عظيم الشأن رفيع القدر يملأ أركان القلب انشراحا وسرورا. “إن الله جميل يحب الجمال”، فهو جميل في ذاته، جميل في أسمائه وصفاته وأفعاله، إليه المنتهى، فمنتهى كل شيء إلى جماله وعلمه ومشيئته في الخلق والأمر والإبداع والقدر والقضاء والحكم، في ملكه سبحانه وملكوته. وما اختار الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم “الرفيق الأعلى” عند موته إلا شوقا وعلما وحبا لهذا الجمال الإلهي العظيم الذي استولى على قلبه بالكلية فما عاد ينام قلبه الشريف وإن نامت عيناه، وملك روحه حتى تورمت قدماه، وجاهد عمره غيرة على حرمات الله. فأينما تولوا فثم وجه الله، لا يخلو شيء من كمالِ وجمال حكمته سبحانه القدوس. الذي خلق سبع سماوات طباقا. ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت، فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير. ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين، ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون، وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا، ولقاهم نضرة وسرورا، يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير.

إن الإنسان يصاب بالعجز وتأخذه الحيرة عند النظر في القرآن لعزل آياته المُذكرة بجمال الله الذي أودعه مخلوقاته. ويبقى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المرآة الصافية الكافية الشافية لجمال الله في خلقه. سيد الكمالات وجوهرة المحاسن في الخَلق والخُلق والعمل والفعل والقول. “آدم ومن دونه تحت لوائي”، “أنا سيد ولد آدم ولا فخر”، “لو كان موسى وعيسى حيين ما وسعهما إلا اتباعي”. شهد له الكريم سبحانه وإنك لعلى خلق عظيم، وبشره وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، وأفاض عليه إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وبسط له من خزائن المدد إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، وألقى عليه رداء الرعاية وأمدّه بسلطان الولاية المطلقة وإن تظاهرا عليه فإن الله مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا. أي عبد هذا؟ وأية أسرار وأنوار هذه التي جَلَبت له وإليه النيابة عن إشراقات الربوبية بالكامل وحقوق الألوهية، فرضي الله عنه واسطته العظمى بينه وبين خلقه ووسيلتهم إليه إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله. ألبسه الله حلمه ورماه بجفوة الأعراب وغلظتهم وقسوتهم وجفائهم فكان بهم كريما رحيما، وكأن سوءهم وسفاهتهم لا تزيد صدره الشريف إلا تدفقا بالإحسان والشفقة والرأفة. غلب بطيب نفسه عتو الأعداء وبغضهم، وقهر بسمته وذوقه وحسن إشاراته ولين منطقه خصومتهم وعداءهم، وساقهم بحكمته وصفاء سريرته وحرصه إلى أن أنار الله قلوبهم بمحبته ومعرفته. كانت كل الشمائل الحميدة والصفات المحمودة مغروسة في ذاته الشريفة بالفطرة، فصلى الله على من زين به دينه ودنياه وآخرته وجميع خلقه.

سؤال:

ماذا تمثل هذه المناسبة الكريمة في حياة المسلمين والأمة الإسلامية؟

جواب:

نتحدث على مستويين، ماذا تمثل وماذا ينبغي أن تمثل؟ فهي تمثل للمسلمين، وقد تعتمت الطريق أمامهم وساد الجور واستحكم، وظهر الفساد وذهب الحياء، وانتقضت عرى الإسلام وأَسْكَت سيف السلطان صوت العلماء، تمثل ذكرى تحرك الوجدان وتهش على العاطفة لتوقظ روح الولاء الفاتر في الصدور تجاه نبينا الكريم. ويفرح عامة المسلمين بنبيهم على قدر مبلغهم من العلم، وهو محدود إن لم يكن معدوما. ويجتهد العلماء والوعاظ والخطباء في حدود ما تأذن آلة الرقابة التي تشتغل بكل وسائلها ومؤسساتها لإقامة الملك في بلاد المسلمين بدل إقامة الدين. والذي ينبغي أن تمثله، وللناس في هذه الذكرى النيرة قابلية واستعدادا فطريا للتعلم والاستجابة، أن تكون هبة تربوية ليكتشف المسلمون أنهم ورثة رسالة وأصحاب منهاج.

سؤال:

كيف نحتفل برسول الله صلى الله عليه وسلم بمناسبة ذكرى مولده الشريف؟

جواب:

يتفاوت فقه الناس وعلمهم، بل وهِمَمُهم وإرادتهم. فليس من الصواب، والدعوة محاصرة والإسلام محارب، أن نحدد برامج وكيفيات وأنماط معينة من الاحتفال والابتهال بهذه الذكرى. ولكن الطلبة بما يمثلون من معاني الفتوة والاستعداد وحدة الفهم ومضاء الإرادة وروح التعاون عليهم أن يبادروا ولا يتخلفوا إلى تمجيد نبيهم وتعظيمه ومدحه وإبراز خصاله، والتناصح على اتباعه ومحبته، وتبادل الرأي في كيفية اتباع هديه الجامع لتحرير وتنوير أمته، والاجتهاد لمعرفة المميزات التربوية بالأساس التي صنعت من أصحابه رجالا عبادا اقتحموا بما كان يتجدد في قلوبهم من الإيمان ويزيد ويثبت كل العقبات، وتجاوزوا كل السدود والصدود لتبليغ رسالة ربهم، تَحْدُو أعمالهم رحمة قلبية عارمة وفقه عقلي يبين حدود الشرع ويرسم ويخطط ويجتهد ولا يألو. هذه مضامين وهناك أخرى ويبقى تصريف الأمر بيد الطلبة الأفاضل.

سؤال:

أصبح إحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مطلبا عزيزا في مجتمعاتنا المفتونة، فهل تثبت محبة رسول الله لمن هو بعيد عن سنته؟

جواب:

صحيح، إن الفتنة قد داهمت الكثير من الخلق، وأصبح أمر الناس فرطا. وصارت القلوب في سهو ولهو وغفلة ونسيان، نسيان لقاء الله. وأضحى مثلنا كمثل من ذكرهم الحديث الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مثلي كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي من النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فَيَتَقَحَّمْن فيها. قال: فذلكم مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحُجَزكم عن النار: هلم عن النار! هلم عن النار! فتغلبوني تقحمون فيها”.

وقد اجتمعت على أمة رسول الله اليوم كل أيادي المكر والكيد والسوء. وها هي كل مقدراتها وقدراتها وأرزاقها بيد السفهاء يعبثون بها ويفسدون علنا. والأمر على هذا الحال لابد لمن كانت حاجته ورغبته ملحة للتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأوي إلى ركن ركين وحصن حصين، ولن يجد مأوى يأمن فيه شرور وشرار الفتنة من جماعة مؤمنة لا تبعض الدين ولا تجزئ السنة النبوية، عالمة بمواطن الداء، واعية بالكيف عند تنزيل الدواء، محيطة بفقه الأولويات وفقه الواقع، موفقة في الترجيج عند تنوع النوازل، خبيرة بعقبات الطريق وآفاته، استوفت قيادتها شروط استنباط الأحكام لتتجاوز ما يعترض ويعرض للزلل أو الشلل.

سؤال:

تعيش الأمة الإسلامية حالة من الهوان جعلت أعداء الأمة يتجرؤون على نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم في العديد من المناسبات، ما هو دور الطلاب في مواجهة هاته الهجمة الشرسة على نبي الرحمة؟

جواب:

الجراءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخل منها عصر ولا مصر. نعم، ازدادت حدتها وتعددت أشكالها في الآونة الأخيرة وذلك لإقبال الناس على التوبة والإسلام أفواجا. الغرب يرى أبناءه يقبلون على ديننا وتلهج ألسنتهم بالثناء على نبينا، بل يرى بعض الأحيان خيرة أبنائه ذوي الكفاءات العالية والاطلاع الفكري الواسع يفرون إلى الإسلام ويتعززون به. أما حمى نبينا فهو أشرف وأزكى وأعلى وأسمى من أن تنال منه أصوات وادعاءات وبضاعة هؤلاء الحمقى الصرعى المبطلين. إنما هي سنن الله في عباده ليأخذ الهلكى على بينة، أما السابقة فقد جف القلم ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين. يبقى التدافع محمودا لأنه دعوة قرآنية ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، لكن الأمر يحتاج إلى آداب وشروط وعمق نظر، لأن التهور والاندفاع الذي لا تحمد عواقبه وإقحام الأبرياء والنيل من دمائهم ليس من الدين. وللطلبة جهاد القلم لنصرة رسول الله في كل حين، أما على المدى البعيد فحمل لواء الدعوة والسعي الدائم الدؤوب لإحياء الأمة وانبعاثها هو المبتغى الأسمى.

سؤال:

كيف يتأسى الطلاب برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكيف تتحقق فيهم محبته صلى الله عليه وسلم؟

جواب:

التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالأمر الهين لأنه شامل لكل مناحي الدين وعلومه وشرائعه، ممتد الفروع عميق الجذور في شخصية المؤمن. لا يُؤتاه في أبعاده وكلياته إلا آحاد الناس الذين شملهم الله برعايته واصطفاهم لمعرفته وتربية عباده. أركانٌ وأصولٌ ثلاث يقوم عليها هذا المطلب العزيز الشريف، قال الله تعالى: لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا. فعلمني أخي كيف يكون منتهى الرجاء: الله جل جلاله؟ كيف يستقيم قلبي على الصفاء؟ كيف يرابط حتى يفوز ويفلح بحب مولاه؟ كيف يقترب ويناجي ربه؟ كيف يتأدب بحسن الحياء وحسن الظن والتوكل والثقة فيمن خلقه وسوّاه؟ كيف يلبس حلية التوقير والتعظيم والتقديس لمن أخرجه من العدم وناداه؟ ونفسي يا سيدي، نفسي موطن النقائص، ومعدن الآفات. أراها كل يوم معملا لا يصنع إلا ما يبعدني عن الله جل في علاه. علمـني كيف أغار فأغير لأتغـير؟ وزد يا سيدي “اليوم الآخر” لعبد مثلي أحاط به يومه الدنيوي، كيف السبيل لتكون دنياي مزرعة؟ وهل النية تباع وتشترى حتى تسلم أعمالي؟ وكيف أجددها؟ وهل هي نية أم نيات؟. والذكر وما أدراك ما الذكر! الكيف، نعم سؤال الكيف دائما.

الرجال درجات في سلم الإقتداء والتأسي برسولنا الماحي صلى الله عليه وسلم، فيهم المسلم والمؤمن والمحسن والعالم والعارف والصالح والمجاهد والزاهد والعابد. أصناف لكل واحد حظه ومكانته من النبي الجليل. وما يبعث الله المجددين إلا لأجل بعث السنة الغراء والحنفية السمحاء. ولعلني أختم بشهادة صدق إن دعوتك إلى جماعة العدل والإحسان لعلك تجد ما وجدته من التربية على الهدي النبوي في شمولية منهاجه وكمال سنته وذلك بجوار إخوة مؤمنين وأخوات مؤمنات يرعاهم الأستاذ المرشد الوالد عبد السلام ياسين حفظه الله. إنما قلت الوالد لأني تذكرت الشهيد سيد قطب رحمه الله حينما لقي شقيقته حميدة يوما قبل إعدامه فقال لها: إن رأيت الوالد المرشد فبلغيه عني السلام وقولي له: لقد تحمل سيد أقصى ما يتحمله البشر حتى لا تمس بأدنى سوء. لله درهم من رجال عرفوا حق الرجال فلزموا.

اللهم صل على سيدنا محمد صلاة نجد برد رحمتها عند خروج أرواحنا ونورها في قبورنا وأمنها عند بعثنا وحشرنا وفضلها وكرامتها عند حوضه الكريم وشفاعتها على الصراط ورفعتها ودرجتها في مستقر رحمتك لا إله إلا أنت.