يحيي العالم، هذا اليوم، اليوم العالمي لحقوق الإنسان الذي يتزامن هذه السنة مع الذكرى 57 لمصادقة الأمم المتحدة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في نفس اليوم من سنة 1948، وهي مناسبة للاحتفال بما تحقق من تطور وتقدم وتحسن، ومناسبة للاعتبار لمن فاته الركب أو أخطأ الموعد وحاد عن الوجهة، ومناسبة للتدارك لمن كان حريصا أن يكون غده أفضل من يومه، أو راغبا في بلوغ الكمال.

 

وأنا أفكر في هذه المناسبة انتابني إحساس خاص، وتجاذبتني قضايا كثيرة. كيف أتحدث عن هذا المجال الحقوقي؟ وكيف أحتفل بهذه المناسبة؟ عماذا أتكلم؟ وماذا أكتب؟

 

فكرت أن أكتب عن فلسفة حقوق الإنسان كما هي سائدة اليوم، وكما هي مدبجة تفصيلاتها في هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية، والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي غيرها من المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات. فراجعت نفسي، وقلت من له استعداد لذلك، وهل باستطاعتك، يا هذا، مواجهة هذا التيار الجامح؟ حقا لست أستطيع، وليس ذلك في سلم أولوياتي الآن.

 

فكرت أن أكتب عن التراجعات التي شهدها المجال الحقوقي بعد 11 شتنبر، وقمع الحريات ومحاكمة الصحافيين، والتضييق على وسائل الإعلام ونشطاء حقوق الإنسان، فقلت مع نفسي سيطول الموضوع. ولكن لا بد أن أغتنم الفرصة لأشيد بجهود كل الفضلاء والشرفاء المتمسكين بحريتهم والحريصين على حرية غيرهم والمواجهين لحملات التضييق والتشديد. تحية لكل هؤلاء، ومنهم مفكرون، وساسة، وحقوقيون، وإعلاميون، ومناضلون، ونقابيون، تحية لكم جميعا.

 

فكرت أن أكتب عن انتهاكات القوى المهيمنة على العالم، وفي صدارتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، في العراق وأفغانستان، ودعمها للكيان الصهيوني والسكوت على مجازره في فلسطين، وتدخلها في الشؤون الداخلية للدول غير المرغوب في توجهاتها وسياساتها. فتأكد لي أن الجميع يعرف ذلك ويعيه. ولن أضيف جديدا. ولكنها مناسبة لأحيي تلك الشعوب الصامدة، الحرة الأبية، وفي مقدمتها قواها المقاومة والممانعة والحريصة على البقاء في خندق المقاومة حتى آخر رمق، وهو، إن شاء الله، نصر من الله وفتح قريب.

 

فكرت، وهذا قبل كل شيء، أن أكتب عن واقع حقوق الإنسان في بلدي المغرب، فشتان بين الخروقات والتراجعات والانتهاكات مقارنة مع الشعارات والخطابات والمبادرات والإشارات و…

اعتقالات، وتعذيب، ووفيات، ومحاكمات جائرة، وبطالة وتفقير، وأمية وأمراض متفشية. والقائمة طويلة وعريضة وعميقة، ظلمات بعضها فوق بعض.

 

تذكرت بالمناسبة ما حدث في 10 دجنبر سنة 2000 حين فكرنا تخليد هذه المناسبة والقيام بوقفات في العديد من المدن احتجاجا على الوضعية المتدهورة لحقوق الإنسان ببلادنا، والتي لنا منها حظ كبير، نحن أعضاء جماعة العدل والإحسان. سلكنا لذلك كل المسالك القانونية والإدارية، ولكن كان كرم السلطة معنا كعادة المخزن دائما وأبدا: قمع عنيف، واعتقالات واسعة، واستنطاقات، ومحاكمات. فاق عدد المعتقلين الألف، وقدم أغلبنا إلى المحاكمة بعد طبخ ملفات، واتهمنا بالتجمهر والشغب، وفينا المحامون والأساتذة والموظفون، والرجال والنساء، ولم أتفاجأ بذلك فنفس التهمة اتهمت بها السلطة غيرنا في ملف مشابه، حين فكر بعض النشطاء الحقوقيين القيام بوقفة بنفس المناسبة بالرباط.

 

رجعت بذاكرتي للوراء واستعرضت شريط الذكريات إلى يومنا هذا فاكتشفت أن لاشيء تغير، ودار لقمان على حالها. الطبع يغلب التطبع، ومن شب على شيء شاب عليه.

 

لكنني مع ذلك قررت أن أبقى في نفس السنة 2005، وأن أختار شهادة حية، وواقعة معبرة، وحادثة جامعة مانعة تعكس حقيقة حقوق الإنسان بهذا البلد، وحجم التطور الذي حدث. فما وجدت أفضل من صورة تناقلتها وكالات الأنباء ووسائل الإعلام للسيدة ندية ياسين وهي تضع كمامة على فمها وترفع سبابة يدها اليمنى أثناء محاكمتها.

 

رجعت إلى تلك المحاكمة المهزلة التي ما إن بدأت حتى انتهت، وما فتحت صفحتها حتى طويت مضامينها، فقلت كيف لي أن أتحدث عن حقوق سياسية ومدنية واقتصادية وثقافية واجتماعية، ومازال الحاكم في بلادي يخاف من الرأي الآخر. مجرد الرأي.

 

لم تحتمل حويصلة الحاكم رأيا مخالفا عبر عن اقتناعاته بوضوح وشفافية، وبطريقة سلمية، وفتح المجال للآخرين لنقاشها والحوار بشأنها، فأقام الدنيا ولم يقعدها، واستنفر كل إمكانياته، وأجلب بخيله ورجله، على نفس منوال من سبقه باستبداد واستكبار “وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون” (فصلت، الآية 26). والاستشهاد هنا لتقريب المعنى فقط.

 

وظفت كل الوسائل وجندت كل الإمكانيات لتنفيذ هذا الرأي. والله غالب على أمره، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

 

هكذا، إخواني أخواتي، تراجعت عن كتابة أي شيء عن حقوق الإنسان في المغرب، فواقع الحال يغني عن كل مقال، وصورة ندية ياسين التي أرفقها بهذا المقال خير شاهد. أختارها شخصيا صورة السنة لاعتبارين اثنين.

أولا: لأنها تصف حقيقة الواقع بدلالات رمزية يفهمها العامة والخاصة، والصغير والكبير، والمتعلم والأمي، والناطقون بكل اللغات، وستفهمها الأجيال كلها، ولو بعد حين.

ثانيا: لأنني أرى فيها، والصورة أمامي الآن، عزما وثباتا وتصميما وإرادة، وهي بدون شك تعبير عن طموحنا جميعا، وأملنا جميعا.

 

فيها، أي الصورة، السيدة ندية واثقة من نفسها، وتسير بخطى ثابتة، وترفع سبابة يمناها معلنة أن النصر قريب، وما النصر إلا من عند الله، وفيها تقول بلا إله إلا الله ضد كل تكميم للأفواه، وفيها رفع الرأس للفوق استمطارا لرحمة الله، وعدم رضى بالخنوع والخضوع، وعدم اكثرات بالواقع وإكراهاته، والاستبداد وسطوته، والرعاع ومشاغباتهم. فما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل.

 

إخواني أخواتي، لن أطيل عليكم. ولكن هاهي ذي الصورة أمامكم حية ناطقة، لكم أن تتأملوا فيها وستخرجون بخلاصات أخرى. وكل عيد وأنتم بخير.