الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبيٍ أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد؛ صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم -أيها المسلمون- ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.

   أما بعد، فيا عباد الله:

   إذا هبت الرياح في فصل الربيع على الحوائط والبساتين انبعث من ذلك عبق الرياحين والزهور، وانتشرت من ذلك في النفوس نشوة وأي نشوة، وكلكم يعلم هذا المعنى ويتبينه، كذلك في شهر ربيع الأنوار، عندما تهتاج ذكرى مولد المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسري عبق هذه الذكرى، يسري عبقها نشوة في النفوس، ويسري عبقها طرباً في الرؤوس، وتهتاج من ذلك عوامل الشوق مجدداً إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما من إنسان عرف معنى رائحة الورود والزهور والرياحين؛ وتمتع بفطرة النشوة، ما يشمم رائحتها إلا وكان له إلى جانب ذلك فطرة الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفطرة الحنين إليه، وفطرة الحب المنطوي له بين جوانحه، فإذا مرت رياح هذه الذكرى تحركت المشاعر واهتاج الحب الذي ربما كان راقداً، وانتشرت من ذلك في النفس عوامل الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا أمر فطري – كما أقول لكم – بل هو جزء لا يتجزأ من إيمان الإنسان بالله عز وجل. والإيمان بالله فطرة مودعة في النفوس قبل أن يكون علماً تتلقاه الرؤوس، وكلكم يعلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ونفسه التي بين جنبيه)). قالها تبليغاً عن الله جل جلاله، ولم يقلها أنانية واعتزازاً بنفسه، معاذ الله.

   فلينظر الإنسان الذي يريد أن يتبنى مدى صدق إيمانه بالله عز وجل إلى خبيئة نفسه، وليفتش عن مكان محبته لله عز وجل بين جوانحه، فإذا رأى أنه يتمتع بهذا الحب، وأنه في مثل هذه المناسبة – عندما تهتاج رياح ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر من كل عام، تستيقظ مشاعر حبه، وتستيقظ مشاعر حنينه وشوقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليطمئن أنه يتمتع بالإيمان بالله عز وجل، وليطمئن أن إيمانه بالله سبحانه وتعالى سيحقق له سعادة العاجلة والعقبى.

   وأحب أن ألفت نظركم إلى وهم قد يقع فيه كثير من الناس، بل ربما يتصيده كثير من المنافقين، إذ يقول أحدهم: إن حب العبد لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتمثل إلا في تنفيذ أوامره واتباع هديه وسنته.

   هذا الكلام الذي هو في ظاهره أشبه بالصواب؛ كلام باطل أيها الإخوة، ولو كان مجرد اتباع الإنسان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مظهر حبه له، إذن لكان المنافقون كالمؤمنين الصادقين محبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم سواء بسواء، لأن الجامع المشترك بين المنافقين وبين المؤمنين الصادقين هو الاتباع، فما سُمِّي المنافق منافقاً إلا أنه يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يصلي إذا صلى، ويحضر مجالسه، ويؤدي الأوامر التي يبلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، ومع ذلك فإن فؤاد المنافق خالٍ وخاوٍ من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم . حب العبد المؤمن لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يسوقه إلى الامتثال، وهو المحرك والمهيج بين جوانح للسير على هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يوجد هذا الحب فبأي دافع سيتحقق الاتباع أيها الإخوة.

   في هذا الشهر المبارك عندما تهب رياح هذه الذكرى العزيزة علينا في وجدان المؤمن مشاعر حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنشر في نفسه عبق حنينه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينبغي لكل منا أن يقارن بينه وبين أي واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ليرجع وليسائل نفسه عن خطه من سيره على صراط المصطفى صلى الله عليه وسلم، بل ليسائل نفسه عن خطه الحقيقي من مدى محبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم . عندما تقف أمام قصة رجل كخبيب بن عدي وقد أُتي به غدراً ليقتل في مكة، ثأراً لبعض قتلى المشركين في غزوة بدر، وعندما يحمل ويوثق بالصليب الذي وضع له، صلب قبل أن يقتل، ثم يأتي من يبضّعه قطعة قطعة، ويقول له وجسمه يبضع وينزف: أتحب يا خبيب أنك آمن في أهلك وأموالك ومحمد في مكانك الساعة؟ فيقول خبيب وهو يبضع ويقطع: والله ما أحب أن أكون في أهلي وأولادي وأن محمداً ليشاك بشوكة.

   سلوا أنفسكم أيها الإخوة وقارنوا بين حب أولئك الناس ذلك الرعيل الأول للمصطفى صلى الله عليه وسلم، وحبنا نحن له.

   صحيح أن هنالك عاملاً هيج بين جوانح ذلك الرعيل الأول المزيد والمزيد من الحب للمصطفى، ألا وهو عامل رؤيتهم له، وجلوسهم إليه، أما نحن فلم تكتحل أعيننا برؤيته، صحيح أن ذلك عامل لم نتمتع بذلك نحن، ولكن هنالك عاملاً آخر يقتضي أن نزداد اشتياقاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقتضي إن لم نكن أكثر حباً للمصطفى صلى الله عليه وسلم منهم فما ينبغي أن يكون حبنا أقل من حبهم له، ألا وهو عامل بعدنا عنه صلى الله عليه وسلم، ومن شأنه أن يهيج الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، المحب الذي يجلس إلى محبوبه يراه صباح مساء؛ من المفترض أن تكون مرارة اشتياقه إليه أقل من المحب البعيد عن محبوبه الذي لم يتأتَّ له أن يجلس إليه ولا أن يراه. أليس كذلك؟ لاسيما وقد تشوق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إخوانه الذين لم يرهم، والذين سيأتون من بعد كما قال.

   أما ينبغي في هذا ما يهيج مزيداً ومزيداً من شوقنا نحن إلى المصطفى صلى الله وعلى آله وسلم، في هذه المناسبة التي تطل علينا خلال كل عام، في هذه المناسبة التي تهب فيها رياح ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنشر عبق الحنين والحب له في فؤاد كل إنسان غُرس في قلبه شيء من حب المصطفى صلى الله عليه وسلم، غرس في قلبه شيء من تعظيم من الشوق إليه.

   وينبغي أن نبحث أيضاً عن برهان زعمنا لمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

   أنا أفرق بين مكمن الحب، وبين ثمرات الحب.

   أما مكمن الحب: فهو القلب ولاشك، هي المشاعر ولا ريب.

   وأما ثمرات الحب: فهي الالتزام بنهج المصطفى صلى الله عليه وسلم، والسير على هديه، وتنفيذ وصاياها وأوامره، أليس كذلك؟

   أنا لا أستطيع أن أنفي دعوى محبة العبد لرسول الله أياً كان هذا العبد، لأن الله قد صاغ رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم صياغة تقتضي أن تتعشقه الإنسانية أياً كان القالب الذي صبت فيه هذه الإنسانية، ولكن كثيراً ما يكون الإنسان محباً ولكن سلوكه يتقاعس عن التناغم مع حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، عودوا إلى نفوسكم هذه، ولسوف تجدونها تنطوي على قدر من الحب للمصطفى صلى الله عليه وسلم، ثم عودوا إلى سلوككم وإلى واقع حياتكم، وتساءلوا عن مدى الانسجام بين الحب الذي تكنونه لحبيبكم المصطفى صلى الله عليه وسلم وبين السلوك الذي تعرفونه لأنفسكم. فإن رأيتم التطابق فاشكروا الله عز وجل على ذلك، وإن رأيتم التقصير – وهذا ما أراه وأشعره في نفسي – فاسألوا الله سبحانه وتعالى أن يوفقكم ويجنيكم نتائج هذا التقصير وعواقبه الوبيلة.

   إن رأيتم أن النفس وأن شياطين الإنس والجن تقطع الطريق وتجعله ذا أخاديد وذا تضاريس تمنعكم من مواصلة السير على هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فالتجئوا إلى الله عز وجل، وثابروا على الدعاء الواجف بالأوقات الخاصة في البكور والآصال، ثم توجوا التجائكم هذا بالإكثار من الصلاة على رسول الله، بالإكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، صلاة الإنسان على رسول الله صلى الله عليه وسلم مطلوبة في كل وقت، ولكن النفس تتشوق إلى مزيد من هذا الذي أمرنا به الله عز وجل.

   عندما تهب رائحة هذه الذكرى في مثل هذا الشهر المبارك – أيها الإخوة – كلكم يقرأ قول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب: 33/56] من ضاقت به السبل وأراد أن يكون أكثر قربة إلى الله ورسوله، ولم يتأتَّ له ذلك، فليستعن على تيسير هذا الأمر بالإكثار من الصلاة على رسول الله. ومن أطبقت عليه الهموم وتكاثرت عليه الغموم، فليكثر من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجدِ الفرح القريب. ومن وجد أن الدنيا هي التي تشغله وأن المصير الذي هو آيب إليه بعيد عن شغله وبعيد عن تصوره وأهدافه، فليكثر من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، الالتجاء إلى الله بالدعاء كفة والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كفة أخرى. وانظروا في هذه الأحاديث عن فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة ومتواترة، كما قالوا – تواتراً معنوياً، ولكن حسبكم من ذلك هذا الذي يرويه الإمام أحمد والترمذي والحاكم في مستدركه من حديث أُبي بن كعب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفاق بعد ربع الليل قال: ((أيها الناس اذكروا الله، أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة، فتبعتها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه)) سمعت رسول الله يقول هذا، فقلت له: يا رسول الله إني أكثر من الصلاة فكم أجعل من صلاتي لك – إي من صلاتي عليك – قال: ((ما شئت)) قال: الربع. قال: ((ما شئت، وإن زدت فذلك خير لك)). قال: فالثلث، قال: ((إن شئت فذلك خير لك))، قال: فالنصف، قال: ((إن شئت، وإن زدت فذلك خير لك)). قال: فلسوف أجعل صلاتي لك كلها – أي أحبس وقتي كله بعد أداء الفرائض للصلاة عليك – قال: ((إذن يكشف همك، ويزول غمك، ويغفر الله لك)).

   أيها الإخوة! إن رأيتم من يثير الشغب في رؤوسكم حول أهمية ذكرى حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، وحول ضرورة الاحتفاء بها، والاحتفال لها، وتجديد العهد في هذه المناسبة مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تناقشوه ولا تجادلوا وبوسعكم أن تتبينوا مقياساً يدلكم ببصيرة واضحة على أن هؤلاء المشاغبين وهؤلاء المجادلين فقراء في حبهم لرسول الله، لا تنطوي أفئدتهم على شيء من هذا الحنين الذي نتحدث عنه، والدليل على هذا أنكم إن لاحظتم حال واحد منهم لن تجدوا لسانه يتحرك في صباح أو مساء أو في أي ساعة من ليل أو نهار بكثير صلاة على رسول الله، ولن تجدوا هذا الإنسان ذا اهتمام بمجالس ذكر أو ذا اهتمام بأن يأخذ نفسه بورد من أوراد ذكر الله عز وجل، من استغفار، أو تهليل، أو تسبيح، أو نحو ذلك، ولسوف تنظر إلى حال واحد من هؤلاء فتجد أن قلبه يعاني من قسوة ما مثلها من قسوة، لا تهمي من عينيه الدموع، ولا يعرف معنى للخشوع، وإذا بكى الباكون في مجلس من المجالس، وارتفعت الأكف بالالتجاء والانكسار إلي الله، نظر إليهم يميناً وشمالاً وكأنهن سائح يجوب بلدة غريبة عنه. وإذا رأيتم هذه الظاهرة عرفتم عرفتم الخلفيات، ومن ثم استغنيتم عن النقاش والمجدل.

   أقول قولي هذا، وأسأل الله عز وجل أن يزيدنا حبا لرسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، أن يتوج حبنا له بالسير على نهجه والالتزام بهديه.

   أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.