دعـاء

بداية لا يسع المؤمن عند الصدمة إلا أن يبادر للتعبير عن الرضا بقضاء الله الذي لا مرد له، مصداقا لقوله عز سلطانه: الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون. ولعل أعظم عزاء لأهالي الضحايا أن الله تعالى اختار أحبابهم شهداء بيته. نسأل الكريم الوهاب أن يتقبلهم شهداء، وأن يجزل لهم الثواب، وأن يلهم أهاليهم الصبر والسلوان، وأن يربط على قلوبهم ويأجرهم في مصابهم. آمين.

قدر أم حصاد سوء تدبير

هل قدر علينا نحن –المغاربة- ألا تتحرك إدارتنا إلا بعد نزول الكوارث؟

هل من الضروري وأد حوالي ثلاثين رضيعا في جبال خنيفرة للإعلان عن مجموعة من المشاريع سرعان ما تبخرت ليواجه الأهالي واقعا مأساويا يقاومون فيه من أجل البقاء؟

هل من الضروري أن ننتظر التقارير الأممية التي صنفتنا في الرتب الأخيرة عربيا لنعترف أن منظومتنا التعليمية معطوبة وأن مدارسنا غدت تُخرج الأميين؟

وهل من الضروري أن تقع مجزرة مسجد باب البرادعين بمدينة مكناس العتيقة لنسارع لإحداث خلايا اليقظة لمراقبة المباني العتيقة؟

لو حدث أن نتج انهيار الصومعة على إثر زلزال لسهل أن يستساغ المصاب، أما والسلطات المعنية على اختلافها على علم بحالة الصومعة، وأنها آيلة إلى السقوط -كما صرح بذلك أهالي الحي- فلا تفسير له غير الاستهتار بمصالح الشعب؛ فسلامة المواطنين وأمنهم ليس أولوية تؤرق بال المسؤولين.

قرابين لمقاربات

من الإنصاف أن نعترف للمسؤولين بحذقهم وإتقانهم لتسويق المشاريع بلغة محبوكة وعبارات جذابة، ولولا تجربتنا لعقود لانطلت علينا اللعبة وصفقنا لمشاريع لا تعدو أن تكون وهما وسرابا. ولكل مسؤول في قطاعه أو إقطاعه مقاربته التي تتخذ من القرب قاعدة. ولكل مقاربة قرابينها: شباب بحثوا عن فرصة عمل فاضطروا لركوب أمواج بحر لا ترحم لتتفطر أكباد أمهات. وأجيال من التلاميذ لفظتهم المدارس ليحتضنهم الشارع بآفاته “وقرقوبه وسيليسيونه”. وحملة شهادات عليا أفنوا العمر في التحصيل لم تترك لهم عصي المخزن مكانا من أبدانهم إلا وحفرت فيه وشما. ورضع وئدوا ذنبهم أن الأقدار اقتضت أن يكون مسقط رؤوسهم في نقطة من مغرب غير نافع. ومصلون لبوا نداء صلاة الجمعة فسعوا لذكر الله آمنين مطمئنين، فتلقفتهم يد القضاء لينهار بذلك زيف الشعارات وبوار المقاربات.

ومن عجيب موافقات التدبير المخزني للشأن العام أن يتمخض عن كل فشل مجلس أو هيئة عليا ترصد لها ميزانية خيالية تصرف في اللقاءات وتعويضات أعضائها وأسفارهم، لتنجز بعد طول انتظار تقارير تشخص ما هو معلوم، ويبقى الوضع على ما هو عليه في انتظار كارثة أو تقرير دولي.

تعددت المقاربات والفشل واحد

من المسؤول عن مجزرة مسجد باب البرادعين بمكناس؟ نخشى أن يتوزع دم الضحايا على وزارات أربع: وزارة السكنى والتعمير، وزارة الداخلية، وزارة الثقافة، وزارة الأوقـاف والشؤون الإسلامية؛ ولكل منها أولوياتها.

وزارة السكنى والتعمير مسؤولة بحكم الاختصاص عن تفقد المباني والتأكد من استيفائها شروط السلامة والصحة. وحيث إن مراقبة المباني العتيقة تتطلب كلفة باهظة للصيانة وإعادة التأهيل انصرفت للمشاريع السكنية تحت عنوان “السكن الاجتماعي” فأسست لابتلاع مساحات شاسعة لتقترف وزرا لا يغتفر في حق الأجيال القادمة.

أما وزارة الداخلية الوصية ومن خلال مصالحها التقنية فشعارها: “كم حاجة قضيناها بإنجاز تقرير في شأنها”. ولولا حجم الكارثة لما تحركت المصالح الإقليمية التي تعلم يقينا حالة المسجد وصومعته والمباني المجاورة له، مثلما تعلم مصالح أقاليم كثيرة الوضع الخطير للأحياء القديمة ولا تبادر لتدخل استباقي حرصا على سلامة وأمن العباد مثلما تتدخل لتفكيك شبكة إرهابية قبل اكتمال تشكيلها. نسأل الله اللطف.

وزارة الثقافة -بحكم أن المباني التاريخية تشكل رأسمالها الذي تسوق من خلالها صورة مغرب عريق تاريخا متنوع ثقافة- وجدت نفسها أمام خيارات بديلة -وفاء لشعار “الحداثة”- فانشغلت ببرمجة مهرجانات بهرجة كان لها هي الأخرى قرابينها في ملعب حي النهضة بالرباط العاصمة.

وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية من منطلق وظيفي معنية بالدرجة الأولى بسلامة المساجد وأمن المصلين، غير أنها انصرفت لتثبيت النظرية الاندماجية استرجاعا لمصداقية خطابها الديني، فصرفت أموالا طائلة -هي بالأساس عائدات وقف الآباء والأجداد لبناء المساجد وصيانتها- لاقتناء شاشات تلفزيونية وصحون مقعرة وإنشاء قناة فضائية لمقارعة فضائيات ترى وزارة تدبير الشأن الديني أنها تفسد على المغاربة عقيدتهم.

وزارة أخذت على عاتقها توفير الأمن الروحي لرواد المساجد، فقننت مهمة الخطباء والأئمة والوعاظ، وعدت عليهم الأنفاس، وغـضت الطرف عن شقوق السقوف والمآذن والتي تحولت مع مرور الوقت إلى قنابل موقوتة أجهزت على أرواح المصلين.

مغرب نشرة الأخبار

ملايير وملايير صرفت وتصرف، ومقاربات ومبادرات ومشاريع تنموية ووعود عرقوبية تبشر أن فجر كرامة الإنسان المغربي قد بزغ: فرص شغل ومؤسسات تعليم ومراكز استشفاء ومرافق ترفيه وتجمعات سكنية وفضاءات للإبداع واكتشاف المواهب… عناوين لنشرات الأخبار سرعان ما تكذبها شمس النهار، ليبقى الحال هو الحال حتى يتعافى المخزن من داء الاستهتار. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي الجبار.