أسفر انهيار مئذنة مسجد لالة خناتة بمنطقة البرادعيين بمكناس القديمة أثناء صلاة الجمعة عن كارثة بكل المقاييس. فقد خلف الحادث عشرات القتلى والجرحى، وكشف حقيقة المسؤولين ببلادنا الذين لا يشكل المواطن المغربي وصحته وأمنه إلا النقطة الأخيرة في جدول أعمالهم الطافح بالقضايا الهامشية والمصالح الخاصة والحسابات الانتخابية.

لا يسع المرء، قبل الخوض في هذه القضية، إلا التضرع إلى الله عز وجل بأن يتقبل الموتى في عداد الشهداء، فقد قضوا نحبهم على أفضل العزائم وفي أحسن الأوقات وأطهر الأماكن، كما نسأل الله تعالى الشفاء لكل المصابين والصبر لكل الأهالي المفجوعين.

ولكن التضرع إلى الله عز وجل لا يمنع مساءلة كل المسؤولين المعنيين بهذا الحادث، من قريب أو بعيد، عن أسبابه، وعن التهاون الذي طال ترميم هذا البناء القديم حتى تهاوى بتلك الطريقة القاتلة التي قادت إلى هذه الحصيلة الثقيلة من الخسائر. وللعلم فقط، فهذا المسجد صلى فيه الملك السنة الفارطة صلاة الجمعة وخضع في تلك السنة لإصلاحات كلفت ما يقارب المليار سنتيم!!

لو وقع مثل هذا الحادث في بلاد تحترم مواطنيها ويقدر فيها المسؤولون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم ويتخوفون من محاسبة الرأي العام لسقطت رؤوس كثيرة ذات مسؤوليات عالية ليس أقلها الوزراء المعنيون بهذا الحادث.

ولو حدثت هذه الكارثة في بلاد تتوفر على مجتمع مدني يقظ ومعارضة قوية لأتي بكل المسؤولين للمساءلة، وفي مقدمتهم رئيس الحكومة، لتقديم التوضيحات والتبريرات اللازمة والملابسات المحيطة بالموضوع من كل جوانبه.

ولو حدث مثل هذا في بلاد يحترم فيه الإعلامُ العمومي مواطنيه لقطع الإرسال وربط الاتصال بعين المكان لإطلاع المواطنين مباشرة، بالصوت والصورة، على حقيقة الوضع، مع دعوة المسؤولين للإدلاء برأيهم تنويرا لهذا الرأي العام.

طبعا، لا شيء من ذلك يمكن أن يحدث في بلدنا لأن قاموس الشأن العام خال من مفاهيم المحاسبة والمراقبة والجزاء، والجواب الجاهز هو أن ما حدث ” قضاء وقدر” أو سببه “التساقطات المطرية غير المتوقعة” أو “الرياح القوية” .. وحتى إن فتح تحقيق في الموضوع فلا يعدو أن يكون شكليا لامتصاص الغضب الشعبي ودر الرماد في العيون، ثم لا يلبث الملف أن يطوى دون تحديد هوية المتسبب في الكارثة وتوقيع الجزاء اللازم عليه حتى يكون عبرة لمن بعده.

ما حدث يوم الجمعة في مكناس تتحمل مسؤوليته، بشكل مباشر، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الوصية على المساجد، والتي صمت آذاننا بالحديث عن حماية الأمن الروحي دون أن تهيئ أدنى شروطه.

تتحمل هذه الوزارة المسؤولية الكبرى لأنها تتوفر على مديرية للمساجد، أحدثت بمقتضى ظهير في 4 دجنبر 2003 في إطار إعادة هيكلة الوزارة، تعنى بإعداد البرامج والمشاريع السنوية المتعلقة ببناء المساجد وتوسيعها وترميمها وصيانتها، وتتولى إنجاز تقارير دورية عن أحوال المساجد في سائر أنحاء المملكة والأنشطة المنظمة بها، وتحدد حاجيات المساجد من التجهيزات والأدوات والمعدات اللازمة والعمل على تلبيتها. وتتوفر هذه المديرية على قسم خاص بالبناء وتجهيز المساجد يضم، هو الآخر، ثلاث مصالح هي مصلحة التجهيز ومصلحة التتبع والمراقبة ومصلحة البناء. ترى أين كانت هذه المؤسسات؟ وهل قامت بدورها كما يجب؟ وما يثبت ذلك؟

لا شك أن مقتضى المسؤولية يحتم على هذه الوزارة الخروج عن صمتها وكشف ملابسات هذا الحادث والإفصاح عن حدود مسؤوليتها والتدابير القبلية التي اتخذتها.

وهذا لا ينفي، بأي حال من الأحوال، مسؤولية الولاية والمجلس البلدي ولا يعفيهما من المساءلة، فالمجلس الجماعي، كما تنص على ذلك الفقرة 3 من المادة 38 من الميثاق الجماعي، هو الذي “يقرر في إنجاز أو المشاركة في إنجاز برامج إعادة الهيكلة العمرانية ومحاربة السكن غير اللائق وحماية وإعادة تأهيل المدن العتيقة وتجديد النسيج العمراني المتدهور”، والولاية تتحمل المسؤولية لأنها سلطة وصاية. وتتفاقم المسؤولية أكثر إذا تأكدت صحة الشكايات التي تقدم بها المواطنون بشأن الحالة المتردية للمسجد.

يتزامن هذا الحادث مع تساقطات مطرية همت مختلف جهات البلاد، وهي التساقطات التي أبانت عن هشاشة البنيات التحتية وعجز التدخلات الإسعافية السريعة وتماطل الإدارة في احتضان الفئات المتضررة من الفيضانات والسيول التي أغرقت أراضيها وجرفت مساكنها وأتلفت ممتلكاتها. وللأسف فقد أصبح مثل هذا الأمر تقليدا متكررا يتفاقم سنة بعد أخرى دون حلول، مما يكشف غياب أية استراتيجية توقعية ووقائية.

كنت كتبت السنة الفارطة في مثل هذه الأيام عن “الفيضانات الفاضحة” معتقدا أن ما حدث حينذاك في الغرب من فيضانات وما نتج عنها من خسائر مادية وبشرية كاف لأخذ العبرة واتخاذ التدابير اللازمة لتجنب تكرار الكارثة، لكن ما وقع هذه السنة حول هذه الفيضانات من “فاضحة” إلى “قاتلة” ليتأكد أن المنحى التراجعي لطرق تدبير قضايا البلاد ينتقل من سيء إلى أسوأ، وليتضح أن الترتيب المتأخر الذي وضعتنا فيه أغلب المنظمات الدولية “نستحقه” عن جدارة واستحقاق.

كمية الأمطار التي تساقطت، رغم أنها ليست كثيرة مقارنة مع نشاهده في دول أخرى، أغرقت الأراضي وأتلفت المحاصيل وقطعت الطرق وأوقفت الحياة في العديد من المناطق وأسقطت أرواحا. فأين هي المجالس المنتخبة والوزارات الوصية والمخططات الحكومية؟ بماذا تنشغل هذه الهيئات؟ أليست هذه النتيجة مبررا للعزوف الشعبي؟ أليست كافية لإقناع المواطنين بلا جدوى هذه المؤسسات؟

وإذا أضفنا ما سبق إلى مظاهر مرضية أخرى مثل استفحال الجريمة وانعدام الأمن وانتشار السرقة، فماذا ننتظر من حصيلة؟

أبعد كل هذا نطلب من المغاربة الانشغال بالشأن العام والتجاوب مع مبادرات الحكومة؟ أيعقل أن يطلب منهم التضحية ولم يُمنحوا شيئا؟

هل يستقيم أن يهتم المغاربة بالسياسة، بما هي خدمة وبذل وعطاء، ولم نوفر لهم أدنى شروط العيش الكريم؟

إن الله عز وجل لم يأمر العباد بعبادته حتى وفر لهم الأمن، حيث قال سبحانه وتعالى فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، وللأسف يريد البعض فهم الآية بالمقلوب، يقدمون النتيجة على السبب. تناقض لا يستقيم!!

سيستمر العزوف وتستفحل اللامبالاة وتطغى النزعات الأنانية بما يترتب عنها من مآسي مجتمعية ضارة بالفرد والجماعة والمجتمع طالما لم نتدارك الخلل.

اللهم تداركنا بعنايتك ولطفك، فلا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.