حدثنا مفجوع الزمان الجوعاني، وهو من ضحايا القمع المجاني فقال: لما أغرقتنا زخات المطر في بحار الهمومْ، ورمتنا لتوسد كل مجرى مسمومْ، ودعتنا إلى الدعاء على المسؤول المجهول والمسؤول المعلومْ، خرجت من حفرة اتخذتها كغيري منزلا وعُـشَّـا، وفتشت بين وحل يرشني بقاذوراته رشا رشـَّا، عن خل يحمل على كتفيه كفنا ونعشـَا، فسمعت في غمرة التفتيش عنه ما لا يحمد عقباهْ، ورأيت تأففا وسخطا عارما تغازله الإيه والآهْ، فهذي عجوز تردد “دعوناهم إلى الله” وذاك شيخ يصرخ والبؤس جاثم على محياهْ: “وا معتصماهْ، وا عدلاهْ، وا أختاهْ، وا أماهْ”، وهؤلاء يوارون حر البكاء بعضِّ الأفواهْ، وهذا طفل يسأل أمه: “متى يتوقف المطرْ”، ويستفسر عن مرشح غاب عنهم ولكربهم ما حضرْ، ويبحث ببراءة عمن يدرأ عنهم خطر الخطرْ، وأولئك يستعدون للسفرْ، يلملمون الذكريات من أطلال الأطلالْ، ويعزون بعضهم بعضا في ضياع النساء والرجالْ، ويلعنون بجهر أزمنة القيود والأغلالْ، وآخرون تجمعوا في ركن من الأركان الواهيهْ، تسمع لهم تصفيقا وقهقهات متتاليهْ، وهمسا يجلبك إليه من غير جلاد أو زبانيهْ، اقتربت بخطايا نحوهمْ، وتمعنت في وجوه المحيطين حولهمْ، فإذا بخلي ابن أبي الرعاية جالس بينهمْ، وبلسان المتلهف العطشانْ، سألته عما يجري ويدور في هذا المكانْ، فقال وقد اعترته أشجان وأحزانْ: “هذا جمع لثلة من الناجين من الموتْ، جاؤوا هنا لقتل ما تبقى من الوقتْ، وللتحرر من الغربة داخل وطن الصمتْ، … ذا يا مفجوعا بمصائب الناسْ، شيخ جليل من مكناسْ، وذاك شاب من مدينة فاسْ، وذلك الفتى المفتول العضلاتْ، ابن مدينة ورززاتْ، والملتصق به من الخميساتْ، والجالس هناك ينحدر من تاوناتْ، والآخر من تافيلالتْ، وهذا من تارودانتْ، وذا ابن مراكش الحمراءْ، وهذا من الدار البيضاءْ، والشاب المتكلم الآن من أقصى الصحراءْ، وأولئك من أكاديرْ، وهؤلاء من بنجريرْ، وقد اتفق هذا الجمع الغفيرْ، على أن يتكلم كل واحد منهم عن مسقط رأسهْ، حتى يقتل وقته بنفسهْ، وينسى ولو قليلا علقم يأسهْ”،… واستمعت لكل متدخل ومتكلمْ، وصفقت كغيري على الفصيح منهم والمتلعثمْ، وأشفقت على من لجراح مدينته لم يبلسمْ، وتوالت المداخلات وتنوعت أساليب الكلامْ، واختار خلي أن يكون مسك الختامْ، فصلى وسلم على النبي الهمامْ، وحمد رب الأرض والسماءْ، وجال بعينيه في كل الأنحاء والأرجاءْ، ثم قال بعدما جلس القرفصاءْ: “أنا ابن مدينة غريبة المعالمْ، عاصمة هي لكنها ليست كبقية العواصمْ، حية والموت يخطبها في كل المواسـمْ، فيها صقور وحمائـمْ، فيها أعراس وولائـمْ، فيها آثام ومآتـمْ، فيها آثار للموحدينْ، وقـبس من أنوار المرابطينْ، وقلاع وحصون وقصور للعلويينْ، ومفارقات يندى لها الجبينْ، وتناقضات تشيب لهولها البنات والبنينْ…

مدينتي أو مسقط رأسِي، فيها رأيت البأس يغني على بؤسِي، وبثناياها ضاع مني شعوري وحسِّي، فأصبحت كغيري بينها لا شيءْ، نرى من يفوز بالغنيمة والفيءْ، يدعونا إلى تغيير الرؤية بالنسيان أو بالقيءْ، ولست أدري و”الخبز الحافي” سيرتنـَا، ما الذي ستؤول إليه مدينتنـا، وكيف ستكون بها معيشتنـا، فهي والله الذي وزع الأرزاقْ، مدينة العيش فيها لا يطاقْ، ودم الوجه بين أزقتها بالصباح كما بالمساء يراقْ….

مدينتي تكنى عبثا بالرباطْ، وهي يا أصحاب الهمة والقاسي وشباطْ، تدوس على رقاب المظلوم بأنتن حذاء وأوسخ “سباطْ”، وتجلد كل مشتكي بألف سياط وسياطْ، … في شوارعها حفر بالأزبال ترتوِي، وترميم بسوء الترقيع يكتوِي، وبطون بميزانية الحفر والترقيع تلتوِي، وفي وسطها قبة الغائب عنها كمن لها حضرْ، ممثلون عن الأمة بهم المسرح قد ضجرْ، وبكذبهم وبهتانهم وزورهم جدار القبة لو –يعلمون- تصدّع وانفجرْ، لا قرار لهم أو منهم يُسمعْ، ولا واحد منهم للشر قد يدفعْ، باعوا الغالي بالرخيص وتركوا العيون تدمعْ…

مدينتي بها شرطة قرب ومرورْ، تتحول مع إشارة من عبد مأمورْ، أو حركة لمعطل مقهورْ، إلى قوات للتدخل السريعْ، لا تفرق بين شاب أو رضيعْ، ولا تميز بين شريف ووضيعْ، ولا تعرف اللئيم من الوديعْ، ولا تتقن إلا سلخ ظهور الجميعْ، ولا تفلح إلا في صناعة أفلام الرعب المريعْ، وتلك لعمري بعض مما لدى السلطات من إنجازات ومشاريعْ….

في مدينتي خيبات للأملْ، يعجز عن حملها كل جَملْ، تقتل في النفوس الحروف والكلمات والجُملْ، وتسلب النظرة الجميلة من المقلْ، وتدفع بأجيال ملت من الكذب والنفاق والدجلْ، إلى امتطاء قوارب ظاهرها عسل في عسلْ، وباطنها سم يا كم لزهرة الأعمار قد قتلْ…

مدينتي موطن لحكومة “عبس وتولىّ” ، وأكرم أهله وعن غيره تخلّى، فلا هو استقال ولا هو بالصدق تحلّى، من فاس أتانـَا، وبشلته أدمانا، وبنجاته أغوانا، وبعجزه كل العالم هجانا، فانظر في وعوده هل ترى إلا الضبابْ، وفتش في منجزاته هل تجد إلا العجب العجابْ، واقرإ التقارير عن حكومته ثم قدم لنا بعد ذلك الجوابْ… سراب من خلفه سرب يصنع الخرابْ…

في مدينتي هوامش منسيهْ، وسطور مخفيهْ وحواشي شعبيهْ، وضواحي تمسي مع كل ريح شتويهْ، مستنقعات آسنة تغزوها الجراثيم المحلية والدوليهْ، تزكم رغم برودة الشتاء الأنوفْ، قيل والعهدة على من يرى ولا “يشوفْ”، أن المسؤولين خصصوا لها جزءا من المصروفْ، لكن مسؤولا ينتمي إلى قبيلة بني “حلوفْ”، أنفقها على علف الجواد والخروفْ، وقيل والعهدة على ناكر المعروفْ، أن المسؤول الذي عاش حينا من الدهر بين الكهوفْ، أنفق ما خصص لها من ملايين وألوفْ، على عماراته في تجزئة الوقف الموقوفْ، وقيل وقيل وقيلْ، غير أن الحقيقة التي تسقم السليم وتفني العليلْ، هي أن الهوامش الشاهدة على كل جسد هزيل ونحيلْ، تعج بما لا تشتهيه النفوسْ، فالجوع هناك يقطف ثمار الخير من الرؤوسْ، والمخدرات حل بديل للفضيلة تدوسْ، والتشرد للأطفال يقبل و”يبوسْ”، والحرمان واليأس يُشربان في كل الكؤوسْ، وللإجرام هناك يا سادتي نصوص ومقررات وأساتذة ودروسْ…

في مدينتي ثمة أشياء وأشياءْ، فهي العاصمة الحمراء والسوداء والبيضاءْ، وهي القاسمة للظهور والأجساد والمفاصل في السراء والضراءْ، فيها وجد زمكان الأخطاءْ، فساد ورشوة وقمار وخمور وبغاءْ، قصدير وقار وفلل وعمارات ناطحات للسماءْ، كبراء يقمعون الصغراءْ، وضعفاء يحقدون على الأقوياءْ، وأبناء علية يصفعون الفقراءْ، وسعداء يتطيرون بالتعساءْ، وتعساء يلعنون السعداءْ، وضيق تنفس يبحث عن هواءْ، ومهرجانات تقتل من يبحث عن نوع من الدواءْ، ودعر يتربص أربابه بكل من تمشي على استحياءْ، ومحاكم وجدت على قدم مشلولة وساق عرجاءْ، ودواوين تشكو سوء القضاءْ، ومحاضر تسطر في الخفاءْ، ومعتقلات للرجال الرجال الأشداءْ، وأخرى للنساء الرجال على حد سواءْ، وسجون لمن أكثر من رفع اللاءْ، ومخبرون يسمعون حتى اللاأشياءْ، وقصور وبحار وشواطئ ورمال وخيرات تنهب ولا من يستاءْ….

هنا الرباط يا سادة العوز والكرب والفقرْ، هنا يعجز الصبر عن الصبرْ، ويغني القهر للجمرْ، وتمسخ الوجوه مع مطلع الفجرْ، وتعصر العروق مع آذان العصرْ، وتنتحر الكلمات أمام غصة البوح بالجهرْ، ويفشل اللسان عن التعبير عما يخالج الصدرْ، فيقول ما قاله من سبقونا في كل عصرْ: إلى الله نفــوض هذا الأمــــرْ.