قال أبو معاذ الرازي: مسكين من كان الهدهد خيرا منه) في إشارة إلى هدهد سيدنا سليمان عليه السلام الذي جاء من سبأ بنبأ يقين ثم رجع اليهم بكتاب كريم أنه من سليمان وأنه بسم الله الرحمن الرحيم) تأتي لبنات هذا المقال محاولة لإلقاء بعض الضوء على العمل الإعلامي لجماعة العدل والإحسان مستحضرة من جهة حجم الحصار المستمر والمتنوع الذي تتعرض له منابرها ومن جهة أخرى حجم الانتشار المستمر والمتنوع أيضا الذي تعرفه دعوتها. ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.

الدعوة إعلام

إن الإسلام هو دين دعوة. والدعوة بما هي بيان وبلاغ وشهادة على الناس عمل إعلامي بامتياز. وقد فضل الله أمة الإسلام على سائر الأمم الأخرى بالمهمة الإعلامية التي تتمثل في الدعوة الى الله. قال تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.

ولا أحد يجادل اليوم في قوة وتأثير الإعلام على الناس أفرادا وجماعات وشعوبا وأمما. وقديما قالوا إن الإعلام يصنع دولة بل قالوا إن الإعلام دولة واليوم يتأكد الدور الخطير للإعلام الذي لم يعد مقتصرا على النقل السريع والفوري للأحداث وتفسيرها، بل أصبح شريكا في صنع القرارات والتحضير لها وحشد الرأي العام وراء بعض القضايا والتعتيم على غيرها. فما لا تنقله وسائل الإعلام قد يكون أشد أهمية من ذلك الذي تنقله.

فالتعتيم الإعلامي وتزوير الحقائق شنشنة أخرى نعرفها من الأنظمة المستبدة. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين تجتهد كل مؤسسة إعلامية حكومية أو حرة لتستحوذ على الباب الجمهور، فتسيغ للنظارة والسامعين الكذبة السياسية والخبر الملفق من خلال الصناعة الاعلامية التي تدس الكذب والتمويه في مادة النقل الموثق كما يدس السم في الدسم) 1 .

ويقول في كتاب “الشورى والديمقراطية”: الحرية مسؤولية، الحرية شجاعة، الحرية أن يتميز الإعلام الإسلامي عن العبث المبذر السائد في دين الإعلام، وعن التبعية الدنيئة الانهزامية، المستغلة تجاريا، المنجرفة فكريا وعمليا مع التيار الجاهلي الغالب.(…) الحرية الإعلامية الإسلامية تقتضي من المتقين العلماء حاملي الرسالة للإنسان أن يبلغوها صادعة بالنبأ العظيم، تبليغا يسلك إلى المسامع والأبصار سبل الإقناع العقلي، والإيحاء الخيالي، والتصوير الفني، وبلاغة الكلمة، وفصاحة الشاعر، وإثارة الذكرى، وإلهاب الحماس، والوعظ الخاشع، والتي هي أحسن جدلا، وحكمة، وموعظة حسنة.(…) وفي ركاب التذكير بالله وباليوم الآخر يقوم الإعلام الإسلامي المتعدد الحر بوظيفة مراجعة الحكومة، وتحديد المسؤوليات وكشف الغامض والحط على الذين يبغون في الأرض فسادا، وتنوير العامة من الناس في شؤون دينهم ودنياهم.) 2

الإسلام أو الطوفان

في قصة أصحاب الأخدود يرمز كل من الملك والساحر من جهة والراهب والغلام من جهة أخرى إلى موقف ووظيفة متكررة متجددة في الصراع الأبدي بين الحق والباطل. ملك يستغل ساحره “مؤسسة إعلامية” للكذب على الشعب وتبرير طاغوته؛ وراهب يربي غلاما ليبلغ رسالة التوحيد في مجتمع تربى على عبودية الملوك.

انشغل الغلام بكيفية توصيل الرسالة صادقة نقية راسخة وانشغل الملك وزبانيته بموت الغلام والتخلص منه، فقال الغلام للملك: إذا أردت أن تقتلني فاجمع الناس في صعيد واحد واربطني على شجرة وخذ سهماً من كنانتي وإذا وضعته في القوس فقل: باسم الله رب الغلام واضربني فإنك سوف تقتلني. ومات الغلام. حينها قال الناس: آمنا برب الغلام. قال الأتباع والمنافقون والدجالون والمرتزقة للملك: قد وقع ما كنت تخشاه. كنت تريد من الناس أن لا يؤمنوا فها هم قد آمنوا. وقال تعالى: ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز..

في سنة 1974 بعث الأستاذ عبد السلام ياسين رسالة “الإسلام أو الطوفان” إلى ملك المغرب ناصحا إياه وداعيا إياه إلى توبة عمرية (نسبة إلى عمر ابن عبد العزبز رضي الله عنه) يقول في بدايتها: رسالتي إليك ليست ككل الرسائل؛ إنها رسالة تفرض الجواب عنها فرضاً، وحتى السكوت عنها جواب بليغ. إنها رسالة مفتوحة حرصت أن تحصل في أيدي الأمة قبل أن تصل إليك منها نسختك. لعلك تقرأها كما يقرأ الملوك رسائل السوقة، وعهدنا بالملوك التيه والفيش، لكنك لن تملك إلا أن تجيب عنها بعنف السلطان وجبروته، حين ترفض الوضوح الذي تتسم به النصيحة التي تحملها إليك وإلى المسلمين عامتهم وخاصتهم، أو تجيب عنها بالإخبات إلى الله والرضوخ للحق إن دعاك لذلك النسب الذي شرفك الله به، أو تداركك الله سبحانه وتعالى بنور يقذفه في قلبك تميز به الحق والباطل، وتسمع به الكلمة الطيبة التي جاءك بها بشير هذه الصفحات التي ما خططت فيها حرفاً إلاّ ابتغاء رضى الله ربي، لا عدواناً ولا كيداً، والله حسبي منك ومن العالمين).

ويقول في نهايتها ثم هذه رسالتي بثوها رحمكم الله في الناس. من يد ليد أو بالبريد من بلد لبلد. لا تحبسوا النصيحة عن المسلمين. فإني ما دعوت إلى فتنة أو قطع رحم، بل هي كلمة الحق بالحق، واعلموا أن صاحبكم إن طرح النصيحة وماطل وراوغ ذاهب أمره وصائر إلى ما يصير إليه من أخذته العزة بالإثم حين قيل له: اتق الله…)، ليس لي منظمة ولا أعوان إلا أنتم معاشر المؤمنين فإن قرأتم في رسالتي صوابا وحقا فكونوا أنصارا لله، واعتصموا بالمساجد وادعوا إلى رفق الإسلام يوم تضطرب المدلهمات بقوم غافلين .. وإن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب.

لا تسكتوا عن الحق بعد اليوم، واذكروا أن رسولكم صلى الله عليه وسلم قال: (الساكت عن الحق شيطان أخرص)،

ألا وإن الحق أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر فما قولكم ياعلماء المسلمين؟

أئفكا آلهة دون الله تريدون؟ فما ضنكم برب العالمين؟

أخذ الله عليكم ميثاقه لتيبننه للناس ولا تكتمونه وقد كتمتم وسكتتم فما حجتكم بين يدي ربكم يوم تعرضون؟

والموعد الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله وإن الإسلام غدا حقا لا مرية فيه بالحسن إن تاب وأصلح وبادر أو بدون الحسن!

صدقنا موعود الله ورسوله، وكذبنا أوهام الواهمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين).

لا شك أن التاريخ سيجل كيف كتبت هده الرسالة وكيف وزعت وكيف كان رد فعل النظام. وستأتي الأيام التي تصبح فيها هذه الوثيقة موضوع دراسات وأبحاث في تاريخ المغرب السياسي الحديث.

مجلة الجماعة

حين أرادت جماعة العدل والإحسان أن تدعو الناس وتسمع الناس وتحاور الناس، من شاء من الناس، اتجهت للإعلام. وهكذا أصدر مرشدها الأستاذ عبد السلام ياسين “مجلة الجماعة” سنة 1979. ويمكن القول أن هذه المجلة بالذات تعتبر الانطلاقة الفعلية لمشروع الجماعة لأنه منذ عددها الثامن سيتم عرض “المنهاج النبوي” باعتباره مشروعا تجديديا شاملا ومتكاملا لبناء الفرد والجماعة والأمة. فشكلت الأعداد التي ضمت بين دفتيها كتاب “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا” مصدر وضوح كبير في التعريف بما تفكر فيه الجماعة وما تعمل له مما أكسبها نموذجية فريدة في ردم الهوة بين عملية التنظير وعملية البناء و الحركة.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في العدد السابع من مجلة الجماعة لقد آن .. أن ننـزل إلى أرض العمل المنظم بعد أن مارسنا جهاد الكلمة وحدها ما شاء الله).

وكما كان متوقعا تعرضت الكثير من أعداد المجلة للحجز إلى أن تم منعها نهائيا بعد نشرها “رسالة القرن في الميزان” وفيه ناقش الأستاذ عبد السلام ياسين بقوة ووضوح دعوة الرسالة الملكية التي أرسلها الحسن الثاني إلى زعماء العالم الإسلامي بمناسبة حلول القرن الخامس عشر الهجري..

وقد تميزت هذه المرحلة بتأسيس “أسرة الجماعة”، ووضع الإطار النظري لعملها والذي تمثل في “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا”، وإيجاد الإطار القانوني لها، ومنبر إعلامي يعبر عن مواقفها وآرائها. فجاءت جريدة “الصبح” وتلتها أخواتها..

الصبح وأخواتها

سنة 1983، أصدرت الجماعة جريدة الصبح،اتخذت لها شعارا قوله تعالى: إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب، وئدت في عددها الأول، بل وصل الأمر إلى اعتقال الأستاذ عبد السلام ياسين على خلفية افتتاحيتها الجريئة، ثم تلتها جريدة الخطاب سنة 1984 منعت هي الأخرى في عددها الأول. وفي سنة 2000 لقيت جريدة “رسالة الفتوة” المقربة من شبيبة الجماعة نفس المصير، حيث صدرت التعليمات المخزنية للمطابع بعدم طبعها، بل وتم السطو على مطبعة الصفاء التي طبعت عددا منها. وتوقفت رسالة الفتوة عند عددها الثالث والثلاثين، وانتقلت إلى مرحلة الطبع بـ”الأوفسيت” قبل أن تتوقف من جديد؛ بسبب السطو المتكرر، وفي سنة 2001 أصدرت الجماعة جريدة أخرى ناطقة باسمها وتحمل شعارها ” العدل والإحسان” كان عنوان افتتاحيتها “حين يحكم الغباء” ومرة أخرى منعت هذه الجريدة في عددها الأول. وحصلت مضايقات شديدة على كتب الأستاذ عبد السلام ياسين ومنشوراته السمعية والبصرية. ومع وجود الشبكة العنكبوتية قامت الجماعة بإنشاء مواقع رسمية ومنتديات لها فلم تنج هده المواقع هي الأخرى من القمع والحجب المتكرر كان أشرسها الحجب الأخير بتواطئ مع الشركات الكبرى.

مؤسسة الناطق الرسمي

بموازاة هذا الاقتحام الإعلامي، حرصت الجماعة على تثبيت مؤسسة الناطق الرسمي لتحدث الناس عن مبادئها وطرائق تفكيرها وتوضح مواقفها مما يجري حولها.. ولم تسلم هذه المؤسسة في شخص الأستاذ فتح الله أرسلان من المنع والقمع. وقد كانت الندوة التي من المنتظر أن تستضيفها نقابة المحامين بالرياط مثالا صارخا على حجم القمع وشراسته. يقول الأستاذ فتح الله أرسلان: جئنا لندلي بحججنا على أن هناك من يريد إلباسنا اللباس الذي يريد ويلفق التهم كما يشاء ويتكلم باسمنا ويصورنا كيف يشاء لغرض التشويه والقمع لكن ها قد رأيتم الواقع والدليل الواقعي أننا ممنوعون من الكلام، ممنوعون من أن نبلغ أصواتنا للناس ويعرفوننا من خلال ما نقول لا ما يريد أن يقول عنا غيرنا..)

مكتب الإعلام

لقد حرصت الجماعة منذ تأسيسها على أن تعمل بنظام المؤسسات، ومن أهم مؤسساتها، مكتب الإعلام ويبرز دوره في تدبير الشأن الإعلامي للجماعة بتخصصاته المختلفة المكتوب والإلكتروني والإشراف على تنفيذ الخطط الإعلامية للجماعة…

خاتمة

انتقل إعلام الجماعة من مجلة بسيطة ذات إمكانيات هزيلة ومحدودة إلى مكتب إعلامي زاخر، متعدد الاختصاصات وهذا رغم عقبات الحصار والمنع و القمع. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب العدل الصفحة 586: ما نحن بحمد الله قناصة ولا غدارون، وما قيادة الشارع واعتلاء الكراسي مطمحنا النهائي، مطمحنا إمامة أمة، إحياء أمة، توحيد أمة، تبليغ رسالة للإنسان، والله غالب على أمره).

إن كل عضو ينتمي إلى جماعة العدل والإحسان هو “محطة فضائية” حية بسلوكه وقدوته وقربه من الناس ومعايشته لآمالهم وآلامهم. ذكر ابن سعد في طبقاته أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه جلس في دار من دور المدينة المباركة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام إلى جماعة من أصحابه فقال لهم: تمنوا: فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهباً أنفقه في سبيل الله. ثم قال عمر: تمنوا، فقال رجل آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤاً وزبرجداً وجواهر أنفقه في سبيل الله وأتصدق به. ثم قال: تمنوا فقالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: ولكني أتمنى رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله..


[1] إمامة الأمة ص 202.\
[2] ص 89-90.\