الفقرة الثانية: ملاحظات حول الأرضية التوافقية

يتبين من خلال الأرضية التوافقية أن النقابة الوطنية للتعليم العالي تراجعت عن بعض مبادئها الأساسية، كما أن قضايا هامة بقت عالقة، بالإضافة إلى التطبيق الجزئي، مع بعض التحريف لما اتفق عليه.

أولا: تراجع النقابة الوطنية للتعليم العالي عن مبادئ أساسية

انتقدت النقابة الوطنية للتعليم العالي، في مختلف وثائقها السياسة، الارتجالية للسلطات الحكومية في مجال التعريب، ودعت إلى اعتماد اللغة العربية في مختلف مؤسسات التعليم، وفي كل مرافق الحياة، مع التأكيد على أهمية تعلم اللغات الأجنبية الحية، بل إنها قررت في مؤتمرها الوطني السادس: ضرورة تكوين خلية وطنية لتخطيط برنامج عام للتعريب في مختلف القطاعات وعلى كل المستويات)، ومع ذلك فإن الأرضية التوافقية أغفلت تماما مسألة التعريب، خاصة تعريب التعليم العالي في الشعب العلمية، بعد أن تم تعريبها في الإعدادي والثانوي.

وما يقال عن مبدأ التعريب يقال عن مبدأ التوحيد، فالأرضية التوافقية كرست ثنائية التعليم العالي؛ أي تعليم عالي جامعي وتعليم عالي غير جامعي. الأمر الذي يتناقض تماما مع موقف النقابة الوطنية للتعليم العالي، والذي كثيرا ما عبرت عنه في مؤتمراتها وندواتها الوطنية أو الجهوية 1 .

وجدير بالذكر أن هذا التراجع سيكون له أثر بليغ على النقابة الوطنية للتعليم العالي، بحيث ستظهر بعض مظاهر الانشقاق، الأمر الذي سيكرس أكثر سنة 1996 إبان الحوار حول إعداد النظام الأساسي للأساتذة الباحثين.

ثانيا: القضايا المعلقة

لم تستطع اللجنة المختلطة الفصل في بعض القضايا من مثل المجلس الوطني للتعليم العالي والبحث العلمي الذي تأجل إحداثه إلى أجل غير مسمى. كما سُجل اختلاف بين النقابة الوطنية للتعليم العالي ووزارة التربية الوطنية بشأن انتخاب رؤساء الجامعات ورؤساء المؤسسات الجامعية، بعد أن دعت النقابة إلى إقرار مسطرة الانتخاب، وتشبثت الوزارة بمسطرة التعيين، مما جعل الأرضية التوافقية خالية منهما معا.

وتم رفض هيكلة البحث العلمي التي اقترحتها النقابة الوطنية للتعليم العالي، حيث تمسكت السلطات الحكومية بأكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات، بكونها إطارا وحيدا للبحث العلمي على المستوى الوطني.

الخلاف حول هذه القضايا الهامة وغيرها جعل “الأرضية التوافقية” محدودة المضامين صعبة التطبيق.

ثالثا: التطبيق الجزئي

“الأرضية التوافقية” كغيرها من المشاريع التي سبقتها لم تعرف طريقها إلى التطبيق إلا بصفة جزئية، وذلك من خلال مراسيم 19 فبراير 1997 في الجوانب المرتبطة بنظام الدراسات العليا والنظام الأساسي للأساتذة الباحثين.

إلا أن أهم ما يلاحظ مخالفة مراسيم 1997 –ولو في تلك الجوانب المحدودة- في بعض بنودها لما جاء في “الأرضية التوافقية”، لا أدل على ذلك من أن المرسوم رقم 2.96.793 رتب هيئة رجال التعليم الباحثين في ثلاثة أسلاك، كل سلك يتكون من ثلاث درجات باستثناء السلك الأخير الذي يتكون من أربع درجات 2 . في الوقت الذي نصت فيه الأرضية التوافقية على سلكين فقط، كل واحد منهما يتكون من درجتين.

وإذا كانت مشاريع الإصلاح الحكومية لم تعرف طريقها إلى التنفيذ الكامل؛ ربما بسبب عدم واقعيتها من جهة، وبسبب تلك النزعة الوصائية من جهة أخرى، وتصورات النقابة الوطنية للتعليم العالي لم تتحول هي الأخرى إلى تصرفات في الواقع، ربما بسبب بُعد هذه المنظمة غير الحكومية عن مراكز التنفيذ، فلماذا لم تعرف “الأرضية التوافقية” هي الأخرى تطبيقا كاملا؟ لماذا لم تنفذ “الأرضية التوافقية” في كل جوانبها مع أن الوزارة الوصية حاولت النزول من برج هيمنتها، ودشنت حوارا حول “مبادئ الإصلاح وخطوطه” مع ممثلي النقابة الوطنية للتعليم العالي، التي كثيرا ما دعت هي الأخرى إلى الحوار مع الهيئات التنفيذية حتى تجد تصوراتها طريقها إلى التنفيذ؟

إن العجز عن التطبيق الشامل “للأرضية التوافقية” قد يكون من أهم أسبابه تلك النظرة التجزيئية التي حكمت الحوار، حيث تم فصل التعليم العالي عن باقي مستويات التعليم. أو قد يكون من اللازم لتذليل العقبات نحو تطبيق الإصلاح خوض حوار واسع، لا ينحصر في السلطات الحكومية المكلفة بالتعليم العالي والنقابة الوطنية للتعليم العالي، وإنما يتعداهما ليشمل مختلف الفعاليات التربوية والسياسية والنقابية والاقتصادية والاجتماعية.

وإذا كانت اللجنة المكلفة بقضايا التعليم تعتبر تجسيدا للحوار الواسع، وتحكمها النظرة الشاملة لإصلاح التعليم، فإلى أي حد ستنجح في مهامها؟


[1] لقد سبق الحديث عن موقف النقابة الوطنية للتعليم العالي الداعي إلى توحيد التعليم العالي في المبحث الثاني من هذا الفصل.\
[2] سبقت الإشارة إليه وهو المرسوم رقم 2.96.793 بتاريخ 19 فبراير 1997 بمثابة النظام الأساسي للأساتذة الباحثين، الجريدة الرسمية عدد 4458 بتاريخ 20 فبراير 1997.\