لما كان ميلاد الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم يوما مشهودا اهتزت له الأكوان واستنارت بنوره الوضاء الأرجاء، فانقشعت غياهب الظلم الحوالك، ومُزقت حجب الجهالات المتراكمة المتوغلة قرونا طوالا، فكان قدومه عليه السلام قدوم زمن فاصل لأطوار التاريخ الإنساني ككل، زمنٍ تغير فيه الإنسان وتحققت إنسانيته، وانتصرت الشريعة الكاملة على حياة الغاب، والتنظيم المحكم على قانون العصابات، فانسكبت الرحمة الربانية زلالا على البشرية الحائرة وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين فعمت الرأفة البسيطة.

ولما كان ذاك اليوم يوم ميلاد جيل الرحمة والهداية، جيل أصحاب اغترفوا من مشكاة النبوة رأسا فغدوا جبالا راسيات ثبتت بهم الأرض، وتغيرت ذكرا وعدلا وشورى، لأنهم بُنوا بتزكية الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم، وصُنعوا على عينه، ولو لم يكن له عليه السلام من معجزة سوى أصحابه لكفوه دليلا قويا وحجة باهرة على إثبات نبوته وصدق رسالته، وفضلا عن تخريج الأصحاب والأولياء والأبدال والخلفاء، فهناك الإسعاد المطلق للبشرية بأن كان عليه السلام سببا في بيان المنهاج القمين بولوج باب الوصول والسعادة الأبدية.

ولما كان ذاك اليوم كذلك، يوما مسعودا بولادة فخر الوجود صلى الله عليه وسلم، فإن المحبين للرحمة المهداة احتفلوا بذلك اليوم، وجعلوا الاحتفال به سنة دائمة، عرفانا منهم لِما فاض من طلعته الميمونة من إنارة للطريق وإسعاد في الدنيا والآخرة، فترى كل المسلمين فرحين بمولده عليه السلام، يعلوهم الحبور والبهجة والسرور. كيف لا، وقد هل هلال النبوة في ربيع مزهر وضّاء.