من عجائب السياسة المغربية ما يسميه منظروها الرشيدون “حملة”. لا يكاد يمُر شهر أو ينقضي فصل حتى تبدأ حملة جديدة ذات موضوع معلن على صفحات الجرائد، وأمواج الإذاعة، وشاشات التلفزة، ولوحات الإشهار، وجدران المؤسسات العامة. ظاهرا، كل الجهود تبذل لبلوغ هدف سطره أولو الأمر “منا”، راصدين له مبلغا مُهما، ووسائل فوق العادة، وطنطنة إشهار. جهود تستنفرُ للقيام بها، في أيام أو أسابيع، أطراف مختلفة من المجتمع، وهيئات عدة… ترشيد استهلاك الماء، الاقتصاد في الطاقة، القضاء على دور الصفيح، تشجيع الدراسة في العالم القروي، محاربة السّيدا، الوقاية من حوادث السير، القضاء على أوكار الدعارة، إدماج المعاق، القضاء على الرشوة، مكافحة الفقر، نظافة المدن، وهلمّ جرا.

لم تبق قضية من قضايا الناس، ولم يبق شأن من شؤون المجتمع دون أن تشمله إحدى حملات المخزن العتيد. والنتيجة صفر فاصلة عشرات الأصفار. وللمعارض المجادل أن يزور قصور أولي الأمر ليرى الاستهلاك الرشيد للماء في مسابحها الشاسعة، والاقتصاد في الطاقة داخل غرفها المكيفة ذات الثريات البهية، وينظر الإحصاء الرسمي للصوص الماء والكهرباء من المقربين من الحكم، ويتأمل أرقام وزارة التعليم الخاصة بعدد المنقطعين عن الدراسة أو الذين لم يدرُسوا قط، وأرقام وزارة الإسكان التي تهم دور الصفيح المتكاثرة كالفطر على هوامش المدن، وله أن يبحث عن العدد الرسمي للمصابين بالداء الخبيث، وعن عدد القتلى والجرحى الذين يسقطون في حوادث السير كل يوم، وأن يفتح عينيه في الشارع عند ضوء النهار وفي التلفزة في أي وقت شاء ليرى الدعارة ومقدمات السفاد فيها دون الحاجة للبحث عنها في الأوكار المظلمة، وأن ينظر حواليه ليقف على عدد الذين “أدمِجوا” من الأصحاء بله الزمنى، وعدد الذين ركبوا أمواح البحر فرارا من جحيم لا يخبو إسمه الفقر، والذين ما زالوا يكتوون بلظاه في البلد حسب الإحصاء الرسمي، وأن يتأمل ترتيبنا في لائحة الدول التي تنخرها الرشوة، أو يجرب بنفسه سحب ورقة أو شهادة من إحدى الإدارات العمومية أو سياقة سيارة في الشارع، وأن يبحث في طول البلاد وعرضها عن شارع واحد نظيف، عدا شوارع الأحياء التي يقطنها أولو الأمر “منا” والمترفون المقربون منهم، وهلمّ جرا.

لندع أسباب فشل هذه الحملات جانبا و لنتحدث عن مفهوم “الحملة” كإجراء اجتماعي سياسي، عن دواعيها وسياقها.

إن ما يطلق عليه اسم “حملة” لا يلجأ إليه إلا عند الحاجة المُلحّة والضرورة القاهرة. أي لما تفشل كل الوسائل والخطط المتخذة للقضاء على علة أصابت الجسم المجتمعي بكامله، أو أصابت أحد أعضائه. فهي استثناء، وليست قاعدة. هذه الوسائل والخطط تضعها في البدء المؤسسة المعنية مباشرة بالظاهرة، كوزارة الإسكان بالنسبة للقضاء على دور الصفيح على سبيل المثال. فإذا لم تنجح هذه الوسائل والخطط في القضاء على العلة، تمت الاستعانة بمؤسسة أخرى أكثر ارتباطا بالمؤسسة المعنية، ثم، في حال الفشل، الأقل ارتباطا فالأقل. حتى إذا فشلت هذه الخطط وعجزت تلك المؤسسات، استنفِر المجتمعُ بكل أطيافه وهيآته لنجدة المؤسسة المسؤولة والقضاء على العلة. وهذا ما يعرف في العصر الحديث باسم “حملة”. أما أن يهب عدد من أجهزة الدولة وكثير من مؤسساتها للتصدي لإحدى المصائب الاجتماعية، فهذا عين الارتجال والفوضى، ودليل على ضعف كل هذه الأجهزة والمؤسسات. إذ لو كان الجهاز المسؤول مباشرة يتمتع بكل عافيته سياسة وتنظيما وحركة لنجح في القضاء على العلة بأول وسيلة وأول خطة.

ثم إن “الحملة” عملية ضخمة لا تثار عند كل صغيرة وتافهة، أو ضد طامة من الطوام نشأت مع نشوء النظام السياسي الحاكم، وصارت صفة لاصقة بالمجتمع، وأمرا مألوفا منتشرا داخله حتى أنه يميزه عن كثير من المجتمعات، بل ضد مشكلة طارئة، أي مشكلة لم تظهر من قبل، أو، على أكثر تقدير، لم تظهر بحدة من قبل. مشكلة عويصة تنزل بالمجتمع فجأة، تباغت الحاكم والمحكوم، المدرس والطبيب، القاضي ورجل الأمن، العامل والعاطل، ساكن القرية وساكن المدينة، فلا يدري الجميع كيف يواجهها ويقضي عليها لأنه لا أحد عرفها، أو خبَر مصدرها وماهيتها من قبل. وكأمثلة عن هذه الطوارئ التي يجدر بالدولة أن تحمِل عليها : الاضطرابات المناخية التي يشهدها المغرب وما تحدثه من كوارث ضخَّمها غياب شبه كلي للبنى التحتية والبؤس المادي وهشاشة العمران وانعدام التخطيط، علما أن هناك من الخبراء النزهاء الذين يعملون في مؤسسات دولية مختصة من دق جرس الإنذار قبل اضطرابات السنة الفارطة؛ تصوير أشخاص لا سلطة لهم ولا مسؤولية سياسية دون علمهم خاصة بالفيديو، ونشر ذلك في هتك صريح للأعراض والحريات الفردية والنسيج الأسري؛ مشاهد القتل والبطش والسفاح واللواط وسائر الموبقات في الأنترنيت والقنوات الفضائية لأثرها الكبير على الطفل والراشد، علما ان السلاح الحاسم في المعركة هو التربية على حب الله ورسوله، ونشر العفة والفضيلة…

وبديهي أن عنصر الفجأة الذي يسِم المصائب التي سلف ِذكرُها في بداية المقال لا يطابق دواهي المجتمع التي ينبري لها مُـنظرو الحكم بزوابع حملاتهم…أوَ ليس الفقر والرشوة أمراضا مزمنة تفتك بالمغاربة منذ أمد بعيد حتى حسِبوها قدرا منزلا؟ ألم تشكل دور الصفيح ملاجئ للشعب على مرِّ العصور؟ ألم تغِب الفتاةُ عن مقاعد الدراسة منذ قرون؟ ألم يظهر المعاق على سطح الأرض قبل القرن الواحد والعشرين؟ ألم يوجد مرض السيدا، وما هو إلا عاقبة الزنا واللواط، منذ ربع قرن؟ ألم يجعل الله سبحانه وتعالى من الماء كل شيء حيّ، ويجعل في الحديد بأسا شديدا؟ (والإشارة هنا إلى استهلاك الماء وحوادث السير). أ كانت النظافة يوما شيئا زائدا؟

ثم هناك ما بعد الحملة. إذ ينبغي النظر في ما حققت من أهداف وجاءت به من نتائج. فإن غابت النتائج المنتظرة يُبحث عن الأسباب، ويُسأل المسؤولون عن ذلك، وتُكون لجان مستقلة تغوص في الملفات وتدقق الحسابات وتنبش العلاقات قصد المقاضاة. أما أن تفشل الحملة في بلوغ أهدافها ويستمر المسؤولون عنها في مزاولة الحكم فهذا لا يمت بصلة إلى الديموقراطية التي تعتبر المحاسبة والمتابعة من ركائزها.

ثم إن كانت الحملة تروم إثارة انتباه جميع فئات المجتمع وسائر المواطنين، بكل الوسائل الممكنة، إلى خطر محدق، وإيقاظهم للانخراط في دفعه والقضاء عليه، فإن جل المواطنين في بلدنا، كما تؤكد ذلك أرقام السلطة ذاتها، لا يلبون النداء، وتظل أبواق الإعلام الرسمي كأنها مرفوعة في صحراء. فإذا رُجوا ألا يقذفوا قاذوراتهم في الشارع، أبى الكثير منهم إلا أن يقذفوها فيه؛ وإذا رُغب القرويون منهم في تسجيل صغارهم في المدارس أحجموا عن ذلك؛ وإذا أهيب بهم أن تضامنوا مع بؤساء الوطن سخر السواد الأعظم من ذلك النداء، بل إن بعضهم يرفع صوته غاضبا على موظف البريد الذي خصم ثمن قرص التضامن الأصفر دون إذنه ويطالب بنقوده كاملة.

ألِف الناسُ هذه الحملات فصاروا يدركون أنها عابرة مُسكـِّـنة لا تهدف إلى القضاء على العلة بل إلى شيء آخر. وهنا نجد تفسيرا لسلوك صنف من المواطنين إزاء بعض الحملات التي تبدو صحيحة منطقية بعيدة عن أي حساب سياسي كتلك التي ترفع شعار النظافة. مواطنون يلقون بقاذوراتهم في الشارع احتجاجا على خراب الشوارع واتساخ الطرقات والفوضى وغياب التدبير اليومي الحازم للنفايات من طرف المنتخبين، -علما أن الاحتجاج الرباني السليم لا ينبغي أن يكون على هذا الشكل-، واحتجاجا على أمر أكبر من ذلك: عفن المؤسسات واتساخ أجهزة الدولة.

ألِف الناس كذلك أن من يتربعون على عروش المؤسسات والمصالح المهمة في البلاد يعيثون في مال الشعب فسادا، ويسرقون الماء والرمل والشجر والحجر، لا تشملهم حملات المخزن التي تهوي على المواطنين المساكين في خنيفرة وواد زم و”برْكمْ” 1 . أو أنهم يبتعدون لوقت، ريثما تمر الحملة، ثم يعودون لجرائمهم. ريثما تمُرُّ.

وإنه لتفسير ثان لسلوك المواطنين الذين يصمّون عن سماع صيحات المخزن العتيد.

ورغم المقاطعة الشاملة لكل ما يصدر عن قادة البلاد تتكرر الحملات المسخرات وتستمر الويلات. مما يؤكد أن هذه الحملات تثار فقط لنفض الغبار على الأعين، تعمية عن الفشل الذريع في تدبير شؤون الشعب، وعن خراب قطاعات حيوية في البلاد التي يعرف المواطن البسيط أن المدخل إلى إصلاحها وتنظيفها من الدود الذي ينخر أعمدتها ليس تنظيم “الحملات”، بل إنهاء الاستبداد والسرقة والقهر، والرجوع إلى الله وإقامة شرعه، ونشر العلم والعدل والمساواة وفصل السلط، وإشراك الجميع في تدبير شؤون البلاد.


[1] اسم يطلق على عين بني مطهر، وهي مدينة صغيرة تبعد عن وجدة بـ81 كلم.\