مشاريع توافقية لإصلاح التعليم العالي

رغم فشل المفاوضات التي كانت بين القصر وأحزاب الكتلة بشأن إحداث توافق سياسي سنة 1993؛ بسبب الاعتراض على ما سمي بوزارات “السيادة”، فإنها شكلت تمهيدا لخطاب “جديد” من أبرز مصطلحاته “التوافق”، “التراضي”، “التناوب”، “الميثاق”… وكان من نتائج ذلك التأسيس لمرحلة ظهور المشاريع التوافقية في بعض المجالات، من أهمها مجال التعليم بصفة عامة، والتعليم العالي بصفة خاصة.

في هذا السياق ظهر مشروع خاص بالتعليم العالي عرف بالأرضية التوافقية، نتج عن سلسلة من الحوارات، في إطار لجنة مختلطة ضمت ممثلين عن السلطات الحكومية المكلفة بالتعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر، وممثلين عن النقابة الوطنية للتعليم العالي. كما أسست لجنة وطنية مكلفة بدراسة قضايا التعليم ضمت فعاليات تربوية وسياسية ونقابية واقتصادية واجتماعية، إلا أنها لم تستطع تحقيق هدفها المرسوم، الذي تحدد في وضع ميثاق وطني للتعليم، ولم تصدر عنها إلا وثيقة واحدة عرفت بوثيقة المبادئ.

– الأرضية التوافقية

بمجرد تولي الدكتور محمد الكنيدري مسؤولية وزارة التربية الوطنية أحدث لجنة مكونة من ممثلين عن وزارتي التربية الوطنية والأشغال العمومية وكذا ممثلين عن النقابة الوطنية للتعليم العالي 1 ، وطلب منها إيجاد تصور عام لنظام التعليم العالي بمختلف جوانبه.

ويبدو أن وزارة التربية الوطنية أقبلت على الحوار بعد أن فشلت تلك الإصلاحات الجزئية التي فرضتها في شكل مراسيم خلال سنتي 1991 و1993؛ لكن مع ذلك سيتأكد أن الوزارة لم تتخلص بعد من عقلية الوصاية، فهي من جهة أولى ستفرض على النقابة الوطنية للتعليم العالي مجموعة من التنازلات. ومن جهة ثانية ستتراجع عن تطبيق بعض ما اتفق عليه، وذلك من خلال بعض البنود في مراسيم 1997. ومن جهة ثالثة فالعديد من مبادئ الأرضية التوافقية سترد في وثائق رسمية للوزارة الوصية خلال فترة الحوار 2 . كل هذا إن دل على شيء فإنما يدل على الهيمنة شبه المطلقة للوزارة الوصية في إعداد إصلاح التعليم العالي، وسيتأكد هذا بشكل واضح من خلال التطرق إلى مضامين الأرضية التوافقية (الفقرة الأولى)، وما سيسجل حولها من ملاحظات (الفقرة الثانية).

– الخطوط العريضة للأرضية التوافقية

نجمل الخطوط العريضة للأرضية التوافقية في بعض المبادئ التي شملتها في جوانب مختلفة.

* أولا: الجانب التنظيمي

من أهم المبادئ التي أكدت عليها الأرضية التوافقية في هذا الجانب ما يلي:

أ. تطوير تشكيلة الهياكل الحالية (مجالس الجامعات، مجالس المؤسسات، الشعب، المختبرات، اللجان المختصة) بهدف الرفع من فعاليتها.

ب. تعزيز التنسيق بين مختلف مؤسسات التعليم العالي الجامعي وغير الجامعي، سواء على المستوى الوطني أو المحلي.

ت. منح الاستقلال التسييري للجامعة.

ث. ترسيخ التمثيلية الانتخابية للأساتذة والطلبة.

ج. إحداث هيأة وطنية عليا للتعليم العالي والبحث العلمي.

* ثانيا: الجانب التربوي

لكي تساير المنظومة التربوية التطور العلمي والتكنولوجي، ولكي تستجيب لمتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، نصت الأرضية التوافقية على إقرار مبدأي الشمولية والمرونة في النظام التربوي، وذلك من خلال تحقيق بعض المقتضيات من أهمها:

أ. تمتيع مؤسسات التعليم العالي باستقلال بيداغوجي.

ب. تعويض نظام السنوات بنظام المسالك والوحدات.

ت. إحداث أشكال متنوعة من الجسور بين التخصصات والمؤسسات، وتشكيل تكوينات متعددة التخصصات.

ث. إقرار نظام المراقبة المستمرة وتطوير مناهج التقييم.

ج. الإبقاء على الطابع الوطني للشهادات.

ح. المحافظة على انفتاح واسع على اللغات الأجنبية.

خ. تخويل الجامعات كامل الصلاحيات للتعاقد مع القطاعات الاجتماعية والاقتصادية.

د. مراعاة الارتباط بين كل مستويات التعليم (الأساسي، الثانوي، العالي…).

* ثالثا: نظام الدراسات العليا والنظام الأساسي للأساتذة الباحثين

أكدت الأرضية التوافقية على جعل نظام الدراسات العليا منسجما مع ما هو معمول به دوليا، وذلك باعتماد دكتوراه وطنية موحدة، تكون في مستوى الشهادات الدولية المماثلة.

ومن أجل التسجيل تراعى المؤهلات العلمية للمرشح، ويكون الانتقاء من بين الحاصلين على الإجازة أو ما يعادلها.

أما فيما يرتبط بالنظام الأساسي للأساتذة الباحثين، فتتلخص أهم النقط المتفق عليها فيما يلي:

أ. تبني الهيكل التنظيمي العام المقترح من طرف وزارة التربية الوطنية، والذي يصنف المدرسين الباحثين إلى إطارين هما: أستاذ مساعد يشمل أربع درجات، وأستاذ التعليم العالي ويشمل ثلاث درجات؛

ب. تحديد أفضل لحقوق المدرسين الباحثين وواجباتهم إزاء الطالب والمؤسسة والمجتمع.

ت. إلغاء الاعتماد على الشهادة كشرط وحيد للتوظيف المباشر في الحياة الجامعية.

ث. إبراز صريح لمفاهيم الانتقاء والتقويم والترقية على أساس الاستحقاق وإحداث وسائل التحفيز المستمر للمدرسين.

* رابعا: البحث العلمي

يمكن إجمال أهم مبادئ الأرضية التوافقية بخصوص البحث العلمي فيما يلي:

أ. سن سياسة تشجيعية وتوجيهية للبحث العلمي.

ب. الانفتاح على المحيط الاقتصادي والاجتماعي.

ت. تشجيع إحداث شبكات وطنية متخصصة تضم مجموعات بحثية متنوعة حول مواضيع ذات أولوية.

ث. تنويع مصادر تمويل البحث العلمي (تمويل على أساس التعاقد، تمويل عمومي، تمويل خاص…).

إذا كانت هذه أهم مضامين الأرضية التوافقية، فهل من ملاحظات حولها؟


[1] انطلقت أعمال هذه اللجنة في شهر مارس 1994.\
[2] نخص بالذكر وثيقة “الجامعة في خدمة التنمية” ومشروع “ميثاق وطني للتعليم العالي” (الملحق رقم 1)؛ حيث صدرا في شهر يونيو 1994، في حين أن مشروع الأرضية التوافقية لم يصدر إلا في شهر يوليوز 1994.\