تذكير

وقفنا في الحلقة السابقة مع واقع العمل النقابي، عموما، وأنه يتميز بالانكماش الحاد والفسيفسائية المشلة لحركته، والأهم أن هذا الوضع دفع بكثير من الهيئات السياسية والاجتماعية إلى تكريس تحول جوهري من حيث الموقع النضالي للنقابة ومواقفها الميدانية؛ أي من الرهان على النضال المجتمعي الشامل إلى الرهان على النضال الجزئي من خلال جمعيات المجتمع المدني عبر محاور يقتضي المقام الوقوف على بعضها لبيان مدى العجز والخلل الذي يضرب في الصميم “النقابية الحديثة” في ظل مفاهيم العولمة، وذلك تمهيدا للكشف عن تصور جوهري يحافظ على خط بناء النهوض المجتمعي الشامل الذي يهدف مباشرة إلى إقامة أركان العدل والحرية والكرامة.

إن نقد التحول الجوهري في خط النضال المجتمعي الشامل مدخل هام للوعي بضرورة بناء سلوك نقابي نضالي جديد يخرج النقابة والنقابية من النفق المعيش.

أ‌- الاحتجاج ضد الفقر

بداية ينبغي أن نشير إلى أن نقد واقع الاحتجاج من خلال هذه المحاور لا يروم تحييدها من الاعتبار نهائيا وعدم تبنيها، لكن النقد متجه أساسا إلى الفهم الذي أصبح مهيمنا على أطر إدارة الأداء النضالي المجتمعي بما هو تحول جوهري أخرج هذا النوع من الاحتجاج من إستراتيجية البناء المجتمعي ليجعله خادما، بوعي أو بغير وعي، إستراتيجية الهيمنة الاستبدالية أو على الأقل لا يشكل أي تهديد طويل المدى لها إن لم يكن عامل إرباك والتباس للواقع النضالي العام.

وبمعنى آخر، إن هذا الشكل من الاحتجاجات يعكس خلطا فاضحا بين موضوع الاحتجاج وبين الوسيلة في ذلك، كما يخلط بين النتيجة ومقدماتها ومصادرها.

فالفقر، مثلا، نتيجة للظلم والاستبداد بكل أشكاله؛ من احتكار السلطة إلى احتكار الثروة، أو من احتكار الثروة إلى اغتصاب السلطة ومؤسساتها. فإذا لم يكن عرض النتيجة في سياق تفعيل إستراتيجية النضال ضد مصادرها ومقدماتها من ظلم وفساد واستبداد، إنما هو تنفيس لواقع الاحتقان الاجتماعي دون أي هدف نضالي. ولذلك لا يمكن أن يكون الفقر موضوعا للنضال، وحتى مجرد الاحتجاج، لأنه فضفاض الدلالة من حيث التصنيف الاجتماعي، ومن حيث تغاير المواقع نظرا للفوارق الطبقية والاجتماعية المتنوعة التي انضافت إلى باقي الفوارق المجتمعية فعقدت عملية التغيير وعملية التصنيف المجتمعي.

فالفقر في البادية ليس هو الفقر في المدينة، والفقر في حي شعبي ليس هو الفقر في حي راق تتفاوت فيه الإمكانات المادية والاجتماعية بين سكانه رجالا ونساء، صغارا وكبارا؛ فليس الفقير الذي يحتاج إلى قوت يومه كمن في بيئة اجتماعية تفرض عليه امتلاك وسائل الاتصال الحديثة وهو ليست له القدرة على توفيرها لنفسه ولعائلته. ومن ثمة إذا لم يكن الاحتجاج على الفقر وسيلة في سياق شبكة الوسائل المجتمعية المتكاملة لمقاومة الظلم والاستبداد والفساد واحتكار الثروة والسلطة، إنما هو احتجاج هامشي ويفتقد إلى القصدية والتكامل اللذان لا يتوفران إلا بوجود استراتيجية نضالية جامعة لأطراف حركة مكونات المجتمع.

نعم، قد يكون الفقر موضوعا لمؤسسات دولية، وهي تشتغل دائما في سياق عام، وإذا لم يكن هذا السياق عادلا، كما هو الحال بالنسبة للنظام الدولي القائم حاليا على الرغم من حرصه على البعد الإنساني في القضية، فإن محاربة الفقر تصبح تجارة مختلفة الأهداف في البؤساء والجوعى والمحرومين وفي قضاياهم، وهذا لا يطعن في الجهود التي تقوم بها بعض المنظمات تجاه بؤساء العالم. لذلك ينبغي الانتباه إلى الاشتغال الدولي في مثل هذه القضايا حيث لا يخرج عن إطار مطالبة إصلاحية كما هو الشأن في كل موضوعاته، مع استثناء حالات التدخل للضرورة الإنسانية التي هي نفسها لا تخلو من اعتبارات مصلحية كما الشأن في دارفور حاليا وفي جنوب السودان وفي الصومال وغيرها من الدول مثل هايتي الفقيرة.

فإذن الرهان على السياق الدولي لتفعيل الاحتجاجات المحلية في ظل الأنظمة الاستبدادية إنما هو رهان في غير السياق المطلوب نظرا للتعقيدات القانونية والسياسية والمجتمعية والثقافية والمصلحية، وغيرها، التي تؤخذ بعين الاعتبار في العلاقات الدولية.

فإذا كان الاحتجاج على الفقر ليس وسيلة ضاغطة لفرض تغيير معين تجاه الأنظمة الاستبدادية المحلية، وإذا كان الفقر من حيث الواقع العملي لا يمكن أن يشكل موضوعا دقيقا للنضال، فإن تكريس الجهد وحشد الطاقات ضده دون سياق موحد وجامع للنضالات المجتمعية والاجتماعية، إنما هو انحراف كبير في تدقيق وجهة العمل النضالي، ولذلك لا نجد أية انتفاضة حققت أهدافها لما جعلت موضوعا لها الفقر، لأن هذا الأخير ليس ظاهرة اجتماعية كلية، إذ إذا كان كذلك فهو دلالة على الانهيار الكلي للمجتمع، الذي يكون فيه التدخل الخارجي هو الحل للإنقاذ كما في كثير من التجارب التاريخية، لأن المجتمع المعني لم يعد قادرا بشكل نهائي مع الانهيار الشامل عن تجاوز واقعه.

وإذا كانت جل التجارب السابقة في العمل النقابي تجعل الواقع النضالي والصراعي على قاعدة الفقر مقابل الغنى وفق تصور طبقي للمجتمع وصيرورته التاريخية، ففي القرآن الكريم تشكل محاربة الفقر عبادة عظمى يتقرب بها العبد إلى ربه سبحانه وتعالى، وتصلح من خلالها الدولة وضعا غير صحي في بنية المجتمع قد يفضي إلى نتائج كارثية مؤثرة سلبا على حركة الأمة، إلا أنه، أي القرآن الكريم، لا يجعل حركة المجتمع في بعدها المستقبلي مرهونة بصناعة أو حسم الصراع بين الفقراء والأغنياء على أي صورة من صور الصراع والتدافع.

فهناك دراسات وبحوث عنيت بالفقر وموضوعاته في القرآن الكريم والسنة النبوية وفصلت في ذلك، لكن ما ينبغي التأكيد عليه هنا أن محاربة الفقر مسألة جزئية لأنه حالة متنوعة ومستمرة داخل المجتمع، وينبغي تقليصها إلى أدنى حد ممكن، وإن أمكن تجاوزها فذلك أحسن، وهي حالة نادرة. قال الله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، مما يعني أن الفقر ليس ظاهرة اجتماعية كلية تقتضي شرخ المجتمع على قاعدة صراع بين الفقراء والأغنياء، كما لا يعني هذا التهوين من الظاهرة، ومن ثمة ففي القرآن الكريم ليس الصراع بين الفقراء والأغنياء بل بين المستضعفين والمستكبرين، وهو تدافع دائم لأجل بناء قواعد الحق والعدل. قال الله عز وجل: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ وقال جل وعلا: وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا.

ومن المعلوم أن وظيفة الاستكبار والمستكبرين هي الصد عن الله تعالى الذي توظف فيه كل وسائل الاستكبار لتكريس واقع الاستضعاف بكل ألوانه وأشكاله ومجالاته، وهو ما يطلب ضرورة وجود مشروع مجتمعي يحرك المستضعفين ويجمعهم بدلا من نضالات وحركات هامشية، بغض النظر عن مواقع وواقع هؤلاء المستضعفين الاجتماعية، بحيث يتأسس هذا المشروع على قواعد التحرر وإحقاق الحق وإقامة العدل الشامل.

ففي كل الآيات التي وردت في مسألة الفقر في القرآن الكريم تدل على أن الفقر ظاهرة جزئية ينبغي محاربتها بمحاربة مصادرها وأسبابها، كما أننا نجد أن فعل المستكبرين واقعا كليا تشكل هيمنته مصدرا كليا لكل مظاهر الفساد والانحراف، ومنه قوله سبحانه: قَالَ المَلَأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا.

وهو ما يبين على أن جعل الفقر موضوعا كليا في الصراع إنما هو انحراف جوهري في العملية برمتها، الأمر الذي لا يمنع من العمل الدءوب على “محاربته” وتقليص حجمه ما أمكن وفضح مصادره وعوامله الرئيسة.

إننا نخلص من كل هذا إلى أن الاحتجاج على الفقر لا ينبغي أن يكون بديلا عن التموقع المناسب لخوض المعارك النضالية النقابية وفق استراتيجية متكاملة للنهوض المجتمعي الذي يقوض أركان الظلم والفساد واحتكار السلطة والثروة وتسخير كل واحدة منهما للأخرى.

إن معضلة الطبقية من حيث هي واقع اجتماعي وسياسي وثقافي ونفسي فتنة كبرى مضافة إلى الفتن التاريخية والراهنة التي شلت حركة المجتمع، لذلك ينبغي أن يكون موضوع محاربتها في كل تجلياتها جزء من حركة المشروع المجتمعي الناهض. ولاشك أن لهذا التصور تجلياته النضالية والنقابية المحلية؛ منها أن بناء الإستراتيجية النضالية على قاعدة رفض الاستضعاف وتقويض الاستكبار تفتح أفقا كبيرا للحركة النقابية، كما سيتبين في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، بدلا من بنائها من خلال نفق وضيق طبقي.

لذلك، فإن التموقع النضالي بناء على موقع طبقي إنما هو بناء على غموض شديد يسهل التأثر المباشر بأي مستوى من التحولات التي تمس الواقع الطبقي الخاضع دوما لتغيرات جذرية وكبيرة، ومن ثمة يحصل الارتباك في الأداء النضالي كما هو الشأن مع التحولات بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وحصول الاختراق الكبير لقيم المجتمع الأمريكي للمجتمعات الأخرى سياسيا واجتماعيا واقتصاديا….

في الحلقة القادمة نقف مع باقي محاور النضال الهامشي.