تعرضت جماعة الإخوان المسلمين، مرة أخرى، لحملة اعتقالات واسعة شملت هذه المرة قيادات من مكتب الإرشاد، على رأسهم الدكتور محمود عزت نائب المرشد العام للجماعة وثلاثة من أعضاء مكتب الإرشاد (د. عصام العريان – د. محي حامد – د. عبد الرحمن البر) بالإضافة إلى اثني عشر (12) آخرين من قيادات الجماعة ورموزها المعروفة في المجتمع المصري.

والغريب أن هذه الاعتقالات تأتي بعد أسابيع معدودة من إعادة انتخاب مرشد ومكتب إرشاد جديدين، وإرسال الجماعة لمجموعة رسائل تؤكد على طابعها السلمي والمدني والعلني مبدية رغبتها في تجاوز الصراع والخلاف مع السلطة والتعاون على ما يخدم مصالح العباد والبلاد والأمة في هذه الفترة الحساسة.

والمستغرب أكثر أن تأتي هذه الاعتقالات قبيل الانتخابات التي ينتظر أن تعرفها مصر لتؤكد مرة أخرى أن النظام المصري غير مستعد لسماع الرأي الآخر وغير قادر على مواجهة المعارضة بالأساليب الديمقراطية المحترمة والمتعارف عليها.. وهذا يؤكد المأزق الذي يعيشه النظام وفشل مشروع التوريث الذي يهدف إلى فرضه على المجتمع المصري وفشل سياساته، وما أدَّت إليه من أزمات ومشكلات حياتية يعاني منها المواطن المصري وتعاني منها مصر التي فقدت في عهد مبارك ريادتها العربية وصدارتها، وخاصة في هذه الظرفية الحرجة التي تمر منها القضية الفلسطينية.

لقد جرب النظام المصري منذ عقود خلت سياسة الاعتقال والتضييق ضد الإخوان، وكانت النتيجة دائما هي الفشل وتزايد شعبية الإخوان المسلمين وتوسع تنظيمهم وتزايد الإقبال على دعوتهم، ولا نحتاج أن نذكر بالانتخابات التشريعية الأخيرة التي شكلت مأزقا حقيقيا لنظام مبارك، والتي استعمل فيها كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة للحد من فوز الإخوان على مرأى ومسمع من العالم كله. مع العلم أن الكل يعرف الدور المحدود للمؤسسة التشريعية في مصر التي تم تفريغها من أي سلطة حقيقية.

حالة الإخوان المسلمين في مصر تتكرر في بلدان عديدة من عالمنا العربي، حيث هناك قوة مجتمعية موجودة بقوة وسط الشعب وتعمل ليل نهار من أجل مصلحته، ولكنها لا تحظى، بالمقابل، بوصل قانوني للعمل يمكنها من الاشتغال في فضاءات عمومية لتقوم بواجبها في التأطير والاقتراح وتدبير الشأن العام، وهذا يؤكد الاختلال الذي تعاني منه النظم السياسية القائمة الذي لم تستطع استيعاب كل الفاعلين في المجتمع لأنها متخوفة على مصالحها وامتيازاتها وتخشى من ثقافة المحاسبة والمراقبة والمنافسة.

ولا تجدي في هذه الحالة الحلول الترقيعية، بل يجب إعادة النظر في هذه النظم وفي طريقة اشتغالها ونظام العلاقات الذي يجب أن يربطها بباقي الشركاء في المجتمع. نقول شركاء وليس الخدام وأعوان التنفيذ.