تعظيم الله تعالى للحبيب والنسب الشريف

قال الله تعالى: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌقال السمرقندي: وقرأ بعضهم: من أنفَسكم – بفتح الفاء -. وقراءة الجمهور بالضم.

قال بعضهم: أعطاه اسمين من أسمائه: رؤوف، رحيم. وروي عن علي بن أبي طالب، عنه في قوله تعالى: (مِّنْ أَنفُسِكُمْ) التوبة 129- قال: نسباً وصهراً وحسباً، ليس في آبائي من لدن آدم سفاح، كلنا نكاح.

قال ابن الكلبي: كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة أم، فما وجدت فيهن سفاحاً ولا شيئاً مما كان عليه الجاهلية.

قال الله تعالى: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم.

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (1/324): يقول تعالى إخبارا عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم، أن يبعث الله فيهم رسولا منهم، أي من ذرية إبراهيم، وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمد صلوات الله وسلامه عليه رسولا في الأميين إليهم إلى سائر الأعجمين من الإنس والجن.

عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله! ما كان أول بدء أمرك؟ قال: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منه قصور الشام.

هو محمد بن عبد الله، قال عن نسبه: “إن الله اصطفى كِنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم”.

وقال -كما روى الترمذي وحسنه- عليه الصلاة والسلام: “أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، خلق الله الخلق فجعلني في خير فرقة، ثم قسمهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتًا فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيرهم بيتًا، وخيرهم نفسًا”.

وعن علي بن أبي طالب -رضيَ اللهُ عنهُ-: أن النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ- قال: “خرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء”.

وعن ابنِ عَبَّاسٍ-رضيَ اللهُ عنهُ- قالَ: قالَ رسولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ-: “لم يلتقِ أبواي في سفاحٍ قَطُّ، لم يزل الله -عَزَّ وجَلَّ- ينقلني مِنَ الأصلابِ الطَّيبةِ إلى الأرحامِ الطَّاهرةِ، مُصفَّى مُهذَّباً لا تتشعبُ شُعبتانِ إلا كُنتُ في خيرِهما.”

الإرهاصات التي سبقت ولادة الحبيب

روى الطبراني من حديث معاوية بن أبي سفيان عن أبيه أن أمية بن أبي الصلت قال له: إني أجد في الكتب صفة نبي يبعث من بلادنا، وكنت أظن أني هو، ثم ظهر لي أنه من بني عبد مناف، قال فنظرت فلم أجد فيهم من هو متصف بأخلاقه إلا عتبة بن ربيعة إلا أنه جاوز الأربعين ولم يوح إليه، فعرفت أنه غيره. قال أبو سفيان: فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم قلت لأمية عنه فقال: أَمَا إنّه حق فاتَّبعه، فقلت له وأنت ما يمنعك؟ قال: الحياء من نساء ثقيف أني كنت أخبرهن أني أنا هو، ثم أصير تبعاً لفتىً من بني عبد مناف.

روى الإمام أحمد من حديث سلمة بن وقش قال: كان لنا جار من اليهود بالمدينة فخرج علينا قبل البعثة بزمان فذكر الحشر والجنة والنار، فقلنا له: وما آية ذلك؟ قال خروج نبي يبعث من هذه البلاد ـ وأشار إلى مكة ـ فقالوا متى يقع ذلك؟ قال فرمى بطرفه إلى السماء ـ وأنا أصغر القوم فقال إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه، قال فما ذهبت الأيام والليالي حتى بعث الله تعالى نبيه، وهو حي -أي اليهودي- فآمنَّا به وكفر هو بغياً وحسداً.

وعن حسان بن ثابت، قال والله إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان أعقل كل ما سمعت، إذ سمعت يهوديا يصرخ بأعلى صوته على أطمة بيثرب: يا معشر يهود، حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له ويلك ما لك؟ قال طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به.

ذكر مولده

كانت الدنيا تموج بألوان الشرك والوثنية وتمتلئ بطواغيت الكفر والطغيان، وعندما أشرق مولد سيد الخلق، صاحبته ظواهر غريبة وأحداث فريدة، ففي يوم مولده زلزل إيوان “كسرى” فسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار “فارس” ولم تكن خمدت قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة “ساوة”.

روي عن عثمان بن أبي العاص عن أمه أم عثمان الثقفية واسمها: فاطمة بنت عبد الله قالت “حضرت ولادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرأيت البيت حين وضع قد امتلأ نورا، ورأيت النجوم تدنو حتى ظننت أنها ستقع علي”. ذكره أبو عمر في كتاب النساء. وذكره الطبري أيضا في التاريخ. وولد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معذورا مسرورا، أي مختونا مقطوع السرة، وكانت أمه تحدث أنها لم تجد حين حملت به ما تجده الحوامل من ثقل ولا وحم ولا غير ذلك ولما وضعته -صلى الله عليه وسلم- وقع إلى الأرض مقبوضة أصابع يديه مشيرا بالسبابة كالمسبح بها.

وروى أحمد: أن إبليس -لعنه الله- رن أربع رنات، رنة حين لعن، ورنة حين أهبط، ورنة حين ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ألم يجدك يتيما فآوى

نشأ يتيماً فآواه الله تعالى، وعائلاً فأغناه الله، فقد تُوفِّي والده عبد الله وهو حملٌ في بطن أمه، وأرضعته ثُويْبَةُ أيَّاماً وهي مولاة لأبي لهبٍ، ثم أرضعته حليمة السعدية في البريَّة، وأقام عندها في بني سعدٍ نحواً من أربع سنين، وَشُقَّ عن فُؤاده هناك وهو يلعب مع الغلمان، فعن أنس: “أن رسول الله أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب فاستخرج منه علقةً فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طستٍ من ذهب بماء زمزم ثم لامَهُ ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه فقالوا: إن محمداً قد قُتِلَ، فاستقبلوه وهو مُنتقع ( متغير) اللَّون قال أنسٌ: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره”، وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله أن النبي شُقَّ صدره ثلاث مرات، الأولى في بني سعد وهو صغير، والثانية عند البعثة فقال: وثبت شق الصدر أيضاً عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوَّة. فالأول وقع فيه من الزيادة كما عند مسلم من حديث أنس “فأخرج علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك”، وكان هذا في زمن الطفولة، فنشأ على أكمل الأحوال، من العصمة من الشيطان، ثم وقع شق الصدر عند البعث زيادة في إكرامه؛ ليتلقى ما يُوحى إليه بقلبٍ قويٍّ في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شق الصدر عند العروج إلى السماء؛ ليتأهب للمناجاة.

وعند هذه الحادثة العظيمة خافت عليه حليمة السعدية رضي الله عنها، فردّته إلى أمه آمنة بنت وهب، فخرجت به أمه إلى المدينة، تزور أخواله، ثم رجعت متجهة إلى مكة فماتت في الطريق بالأبواء، بين مكة والمدينة، وعمره ست سنين وثلاثة أشهر وعشرة أيام ولما ماتت أمه كفله جده عبد المطلب، فلما بلغ ثماني سنين توفي جده وأوصى به إلى عمه أبي طالب؛ لأنه كان شقيق عبد الله بن عبد المطلب فكفله، وأحاطه أتمَّ حياطة، ونصره حين بعثه الله، أعزَّ نصرٍ، مع أنه كان مستمراً على شركه إلى أن مات، فخفَّفَ الله بذلك من عذابه بشفاعة النبي، قال: “هو في ضحْضاحٍ من النار، ولولا أنا لكان في الدَّرْكِ الأسفلِ من النار”. وفي لفظٍ: “لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامةِ فيُجعلُ في ضحْضاحٍ من النارِ يبلغ كعبَيه، يغلي منه دِمَاغُه”، وخرج مع عمِّه أبي طالب إلى الشام في تجارةٍ، وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وذلك من تمام لطفه به؛ لعدم من يقوم به إذا تركه بمكة، فَرَأَى عبد المطلب وأصحابه ممن خرج معه إلى الشام من الآيات فيه ما زاد عمَّه في الوصاية بِهِ، والحرص عليه، فعن أبي موسى الأشعري قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي في أشياخٍ من قريشٍ، فلما أشرفوا على الراهب هبطُوا فحلُّوا رحالهم، فخرج إليهم الرّاهبُ، وكانوا قبل ذلك يمرُّون به فلا يخرج إليهم، ولا يلتفتُ، قال: فهم يحلُّون رِحالهم فجعل يتخلَّلهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله، قال: “هذا سيدُ العالَـمِين، هذا رسولُ ربِّ العالمين، يبعثه الله رحمةً للعالمين، فقال له أشياخٌ من قريش ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبقَ شجرٌ ولا حجرٌ إلا خرَّ ساجداً، ولا يسجدان إلا لنبي، وإنِّي أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروفِ كتفهِ مثل التُّفَّاحة، ثم رجع فصنع لهم طعاما، فلما أتاهم به وكان هو في رعية الإبل قال أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى ‏فيء ‏الشجرة، فلما جلس مال ‏فيء ‏الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى ‏فيء ‏الشجرة مال عليه، قال: فبينما هو قائم عليهم وهو ‏ ‏يناشدهم ‏ ‏أن لا يذهبوا به إلى ‏ ‏الروم،‏ ‏فإن ‏ ‏الروم ‏ ‏إذا رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفت فإذا بسبعة قد أقبلوا من ‏الروم، فاستقبلهم فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: إن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس، وإنا قد أخبرنا خبره بعثنا إلى طريقك هذا، فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا إنما أخبرنا خبره بطريقك هذا، قال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا، قال فبايعوه وأقاموا معه، قال: ‏أنشدكم ‏ ‏بالله أيكم وليه؟ قالوا ‏أبو طالب ‏‏فلم يزل ‏ ‏يناشده ‏حتى رده ‏‏أبو طالب ‏وبعث معه ‏‏أبو بكر ‏‏بلالا ‏وزوده ‏الراهب من الكعك والزيت”، فأرسل به عمه إلى مكة.

)

حياة الشباب الطاهرة

أرسلت به خديجة بنت خويلد في تجارةٍ لها إلى الشام مع غلامها ميسرة، فربحت تجارة خديجة رضي الله عنها، فرأى ميسرة ما بهره من شأنه، فرجع فأخبر سيدته بما رأى، فرغبت إلى النبي أن يتزوجها، لِـمَا رجَتْ في ذلك من الخير الذي جمعه الله لها، وفوق ما يخطر بِبَالِ بشر، فتزوجها رسول الله، وله من العمر خمس وعشرون سنة، وكان عمرُ خديجة أربعون سنة، وقد حماه الله تعالى من صغره من دنس الجاهلية، ومن كلِّ عيب، فلم يُعظِّم لهم صنماً في عمره قط، ولم يحضر مشهدا ًمن مشاهد كفرهم، وكانوا يطلبونه بذلك فيمتنع، ويعصمه الله من ذلك، وما شرب خمراً قط، وما عمل فاحشة قط، وكان يعلم بأنهم على باطل، ولم يشرك بالله قطٌّ، ولم يحضر مجلس لهوٍ، ولم يعمل شيئاً مما كان يعمله قومه من الفواحش والمنكرات، فقد نشأ في مجتمعٍ كَثُرت فيه المفاسد وعمت فيه الرذائل، فالشرك بالله تعالى، ودعاء غيره معه، وقتل الأنفس بغير حق، والظلم، والبغاء، والاستبضاع (كان الرجل في الجاهلية يقول لأمَته أو امرأته: “اذهبي إلى فلان فاستبضعي منه”، ويعتزلها فلا يمسها حتى يتبين حملها وإنما يفعل ذلك رغبة في إنجاب الولد)، والزنى الجماعي، والأفرادي، ونكاح أسبق الرجال ممن مات زوجها، والاعتداء على الأعراض، والأموال، والدماء، كل ذلك كان شائعاً في قومه قبل الإسلام، لا ينكره أحد، ولا تحاربه جماعة، بالإضافة إلى وَأْدِ البناتِ، وقتل الأولاد خشية الفقر، أو العار، ولعب الميسر، وشرب الخمر، أمور تعدُّ في الجاهلية من المفاخر، والتباهي، والنبي لم يعمل أي عمل أو يباشر أيَّ خُلقٍ من هذه الأخلاق الرذيلة، وقد أدَّبه ربُّهُ فأحسن تأديبه، وهذه الأخلاق التي اتصف بها قد عرفها قومه منه؛ ولهذا لُقِّب بين قومه بـ”محمدٍ الأمين”.

الأمين

وقد بنت قريش الكعبة في سنة خمس وثلاثين من عمر النبي، وعندما وصلوا إلى موضع الحجر الأسود اختلفوا، واشتجروا فيمن يضع الحجر الأسود موضعه، فقالت كلُّ قبيلةٍ: نحن نضعه، ثم اتفقوا على أن يضعه أَوَّلُ داخلٍ عليهم، فكان أول من دخل عليهم رسول الله، ففرِحوا به كثيراً، فقالوا: جاء الأمين، فرضوا به أن يكون حكماً بينهم؛ ليحلّ النزاع ويقف القتال الذي كاد أن يحصل، فأمر بثوبٍ فَوُضِعَ الحجر في وسطه، وأمر كلَّ قبيلة أن ترفع بجانب من جوانب الثوب، ثم أخذ الحجر فوضعه بيديه في موضعه.

وبعد ذلك حبب الله إليه الخلوة والانعزال عن الناس؛ لكي يتعبد لله تعالى، وكان يخلو بغار حراء يتعبد لله تعالى على ملة إبراهيم، ولما كمَّل الأربعين أكرمه الله تعالى بالنبوّة، ولا خلاف أن مبعثه كان يوم الاثنين، وقيل بأن الشهر كان ربيع الأول سنة إحدى وأربعين لثمانٍ خلون منه، من عام الفيل وهذا قول الأكثرين.

الرسالة الخاتمة الخالدة

توفي وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها: أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيّاً رسولاً، نُبِّئَ ب “اقرأ”، وأُرسل بالمدثر، وبلده مكة، وهاجر إلى المدينة، بعثَهُ الله بالنذارة عن الشرك، ويدعو إلى التوحيد، أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد، وبعد العشر عُرج به إلى السماء، وفُرِضَت عليه الصلوات الخمس، وصلَّى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أُمِر بالهجرة إلى المدينة، فلما استقر بالمدينة أُمِر ببقية شرائع الإسلام مثل: الزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والأذان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام، أخذ على هذا عشر سنين وبعدها توفي، ودينه باقٍ وهذا دينه، لا خير إلا دلَّ أمته عليه، ولا شر إلا حذَّرها منه، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين لا نبي بعده، وقد بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض الله طاعته على الجن والإنس، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.