هل الفساد صنعة لها فنونها وأساليبها وأدواتها ورموزها وخبراؤها وحراسها؟ وهل له سوق تزدهر فتنتشر أو تبور فتنكمش وتنكسر؟ وما هي العوامل التي تتحكم في تمدده وانتشاره أو تراجعه وانحساره؟

قبل سنوات كتب الأستاذ الداعية الإسلامي المعروف محمد أحمد الراشد كتابا سماه “صناعة الحياة” يشرح فيه كيفية الإمساك بزمام الحياة وما يقتضيه ذلك من مقاربة شاملة تهدف إلى إصلاح الأدب وبناء الاقتصاد، وكسب المال والتفوق في العلوم، والنفاذ إلى المراكز الهامة، فضلا عن الأداء السياسي الجيد والتدبير الناجع لشؤون الحكم.

وقد يكون من المفيد أن يتطوع من يؤلف كتابا عن “صناعة الفساد” يفصل فيه كاتبه مشكورا كيف يمسك الفساد، حين يتمكن أو يمكن له، بخناق الوطن ويحيل الحياة فيه إلى جحيم، يلوث الأدب والفنون والسياسة والاقتصاد والاجتماع وغيرها من الميادين، ويتضرر منه الإنسان والطير والحيوان وحتى الجماد.

ما دعاني لإثارة هذا الموضوع ليس فقط ما تصدره التقارير الدولية تباعا من معطيات وإحصائيات حول انتشار هذه الظاهرة وتزايدها المطرد، ولاسيما فيما يسمى بالعالم الثالث ومنه العالم العربي والإسلامي، وإنما أيضا ما نراه بأعيننا ونلمسه ونسمع عنه ونكتوي بلظاه نحن الذين نعيش في هذه البلاد، ونعرف حجم الظاهرة وانتشارها، ونعاني آثارها الكارثية.

رب قائل يقول إن الفساد ظاهرة عالمية ولا يمكن أن يسلم منها مجتمع من المجتمعات، وحتى الدول المتقدمة لها من ذلك نصيب، يطفو فيها بين الفينة والأخرى في صور فضائح مالية أو أخلاقية أو سياسية تتناقلها وسائل الإعلام، وتعرض أمام المحاكم. وقد يكون المتورطون فيها من الشخصيات البارزة، وربما حتى من كبار المسؤولين في تلك الدول.

وهذا صحيح ولاشك، ولكن وجود الظاهرة هناك محدود لما تتمتع به تلك المجتمعات من مناعة وسيادة للقانون وقضاء مستقل وإعلام قوي ويقظ. ولذلك فكلما اكتشفت حالة من الحالات إلا وتمت ملاحقتها وفضحها ونال الفاعلون جزاءهم المستحق. وكم من رؤوس كان لها شأن فأطيح بها وحطمت وتوارت إلى الأبد، حتى إن وقع الفضيحة كان على بعضهم من الشدة والإيلام بحيث لم يتمالك أن وضع حدا لحياته. ولذلك إن الفساد هناك لا يتسلل إلا خفية وحيث يصعب ضبطه، ولا يجرؤ على الإعلان عن نفسه، والإفصاح عن هوية من يريد أن يعبث بحاضر البلد ومستقبله، أو يحطم مكاسبه وإنجازاته.

لكن الأمر عندنا في وطننا العربي والإسلامي يختلف، وما أحسب أن عاقلا يجادل في هذا. وحتى لا يتشعب بنا الحديث وتتشتت النظرة، دعونا نركز على البلد الذي نعرف، وفيه نعيش -وهو المغرب- باعتباره حالة جديرة بالتأمل والدراسة.

إن الذي يراقب أوضاع المغرب، ويتمعن في السياسات المعتمدة، وفي أساليب التدبير المطبقة، وفي الممارسات التي تكاد تصبح مألوفة في الإدارة والقضاء والتعليم والصحة وغيرها من القطاعات، ليتملكه العجب من حجم الفساد الموجود فيها، والذي ما انفك ينتشر، ولا يبدو أنه في الظروف الراهنة، سيقف عند حد معين أو يقتصر على صورة محددة.

فلو جلست إلى مقاول أو طبيب أو محام أو إداري أو قاض أو رجل تعليم أو غيرهم من أصحاب الأيادي النظيفة ليحدثوك عن المجالات التي ينتسبون إليها وما تعرفه من فساد، لسمعت العجب العجاب. قصص لاتكاد تنتهي فيها من ألوان الفساد ما يمارس بشكل فج، وفيها ماهو أغرب من الخيال، وفيها ما يكتسي من الخسة والدناءة والجراءة على الله جل وعلا مايندى له جبين من له أدنى مسكة من إيمان ومروءة.

لا زلت أذكر قصة رجل كان قبل سنوات يجمع كميات كبيرة من علب السردين الفاسد ويعيد تعليبها وتسويقها. وكنت كلما تذكرت تلك الحادثة قلت مع نفسي هل هناك إجرام أشد من هذا، وهل هناك مجرم أخطر من هذا الذي يوزع بضاعة يعلم يقينا أنها إما أن تردي مستهلكها في الحال أو تصيبه بعاهة مستديمة تجعل ما تبقى من حياته أقرب إلى الجحيم. وكنا نحسبها حالة شاذة ونادرة الوقوع حتى أصبحنا نقرأ اليوم ما يفيد أنها أصبحت ظاهرة واسعة الانتشار. وكم من حالات التسمم التي قرأنا عنها بسبب رواج مواد غذائية منتهية الصلاحية، وعند المشتغلين بالتجارة الخبر اليقين.

ومن أخبار الفاسدين الصادمة ما يحكى عن أحد القضاة أنه كان يطلب في القضايا المعروضة عليه رشاوى ويغالي في ذلك، وإذا ما راجعه أحد في المبلغ المطلوب، يرد بانفعال قائلا: “إنك لن تكون معي عندما أدخل جهنم”. وقد كنا نظن أن هذا الاستهتار وهذه الجراءة على الله جل وعلا نادرة، وما كنا نحسب أننا سنحيى إلى زمن يصبح فيه الاستخفاف بالدين والجراءة على الله تبارك وتعالى ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم من الأمور المألوفة غير المنكورة في بلد ينص دستوره على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة وأن النيل منه يمنعه القانون ويعاقب عليه.

وفي مجال الطب حدث ولا حرج عن بعض الأطباء الذين ينصبون على مرضاهم للمطالبة بفحوصات ليست ضرورية، أو إجراء عمليات جراحية لا داعي لها طبيا لقاء مبالغ مالية مرتفعة، دونما اعتبار للعنت الذي يتعرض له من قد يستحيل أو يصعب عليهم إحضار المبلغ المطلوب، ناهيك بالعبث ظلما وخيانة بأجساد وكرامة أولئك المرضى.

فإذا تجاوزنا الأفراد وانتقلنا إلى المؤسسات الخاصة والعامة، فإن حوادث الاختلاس فيها أشهر من نار على علم، والتفصيل في ذلك يحتاج إلى أسفار ضخمة. وتقول التقارير إن الأموال المختلسة في المغرب تقدر بملايين الدولارات، يتم تهريبها خارج الوطن أو تستثمر في مشاريع خاصة. أما الرشاوى التي تروج لإبرام عدد من الصفقات، أو لتمويل مشاريع تافهة أو فاشلة، أو لتفويت التدبير لشركات سيئة السمعة وأقل كفاءة فهي معلومة ومشهورة بين الناس. وقد تحدثت عن هذه الفضائح وأمثالها تقارير محلية ودولية، وتناولتها عدة منابر إعلامية.

وأما في عالم العقار فإن فيه من العجائب والغرائب ومن ألوان الغش والخداع ما لا يعد ويحصى. فكم من المنشآت سقطت قبل أن تكتمل، ونجم عن ذلك سقوط عدة ضحايا أبرياء من القتلى والجرحى (وما وقع بالقنيطرة في يناير 2008 نموذج لذلك). وكم من الدور والمنازل ظهرت فيها الشقوق والتصدعات بعد أشهر من بنائها. وكم من القناطر والطرق والمدارس والمستشفيات والعمارات التي سرعان ما ظهرت فيها عيوب فاضحة أحوجتها إلى إعادة إصلاح شاملة، رغم أنه لم يمض على إنشائها سوى شهور أو سنوات قليلة.

لا يتسع المجال لاستعراض أخبار الفساد والمفسدين في هذا البلد الكريم، بل وأنى لنا ذلك والحال أنه لا يوجد مجال واحد لم يتسلل إليه الفساد، أو بقي في مأمن من عبث العابثين. ولعلي لا أبالغ إن قلت إن بلدنا أصبح لديه خبراء كثر في الفساد والإفساد، يعرفون كيف يتسللون إلى مواقع حساسة لتمرير سياسات تكرس هذا الوباء، وتمكن لشروط تجذره واستمراره وامتداده في دواليب الحكم والإدارة، وفي القضاء والتعليم والصحة والاقتصاد وفي مختلف المرافق.

ترى ما الغرض وما الفائدة المرجوة من إشاعة هذا الوباء العضال وبهذه الصورة الرهيبة في مجتمعنا؟ ومن المستفيد من نشر الفاحشة والرذيلة بين الناس؟ ولمصلحة من تحطم المروءات، ويتم الإجهاز على الأخلاق الفاضلة، وتعمم الرذاءة، وتداس الكرامة الآدمية؟ وماهي الأضرار التي تخشى من التمكين لقيم النزاهة والاستقامة والعدل والمساواة وصون كرامة الإنسان؟ وما العيب أن تسود في المجتمع الفضيلة وتحاصر الرذيلة وتحفظ الحريات، ويتم التعاون على البر والتقوى، ويفتح الباب على مصراعيه للتنافس الشريف في خدمة بلدنا وقضايانا.

ثمت أسئلة كثيرة تتوارد على الخاطر عندما يتأمل المرء ما يجري في هذا البلد العزيز، وتتراءى له أبعاد هذه الحرب الضروس التي وقودها الإنسان المغربي وأرضه وشرفه ودينه وحاضره ومستقبله. ولو كان هذا الذي يحدث من صنع أعداء خارجيين، لما كان هناك من داع للاستغراب. ذلك أن العدو لا يمكن أن نتوقع منه إلا ما يسوء. لكن أن يتم هذا الإفساد بأيدي بعض أبناء هذا البلد ممن يقيمون بين ظهرانينا، ويتكلمون بألسنتنا ويكونوا في إضرارهم بالوطن وأهله أشد من أعدى الأعداء، فهذا ما يدعو إلى الحيرة وتتفطر له القلوب أسى وحسرة.

بيد أن عددا من المؤرخين والباحثين والمفكرين والفلاسفة لا يجدون في ما تحدثنا عنه ما نجد من الحيرة والاستغراب. فقد درسوا ظاهرة الفساد من قديم ووجدوا أنها تخضع لشروط معينة تدور معها وجودا وعدما. وممن كتب في هذا الموضوع إتيين دو لابويسي (Etienne de la Boetie)، وهو مفكر فرنسي عاش في القرن السادس عشر وخلف كتابا سماه “العبودية المختارة”. والكتاب على صغر حجمه مفيد في بابه، وجدير بالقراءة ليس فقط لما يحتويه من نظرات ثاقبة وملاحظات دقيقة، ولكن أيضا لكونه كتب قبل أربعة قرون من الزمان، مما يؤكد أننا بصدد ظاهرة لها منطقها الذي لا يتغير في جوهره وإن اختلف الزمان والمكان. لنتأمل النص التالي الذي يتحدث فيه عن كيفية انتشار الفساد. يقول:

أربعة أو خمسة يبقون الطاغية في مكانه ويشدون البلد كله إلى مقود العبودية، يتقربون أو يقربهم إليه، ليكونوا شركاء جرائمه، وقواد شهوته ولذته. هؤلاء الخمسة أو الستة يدربون رئيسهم على القسوة نحو المجتمع، وينتفع في كنفهم ستمائة يفسدهم الستة مثلما أفسدوا الطاغية. ثم هؤلاء الستمائة يفسدون معهم ستة آلاف تابع، يوكلون إليهم مناصب الدولة والتصرف في الأموال، ويتركونهم يرتكبون من السيئات ما لايجعل لهم بقاء إلا في ظلهم، ولا بعدا عن طائلة القانون إلا عن طريقهم ليطيحوا بهم متى شاؤوا، ليصبح ليس فقط الستة أو الستة آلاف بل الملايين يربطهم بالطاغية هذا الحبل، لو شده لجذبهم كلهم إليه. فصار خلق المناصب الجديدة، وفتح باب التعيينات والترقيات على مصراعيه، كل ذلك لا من أجل العدالة، بل من أجل أن تزيد سواعد الطاغية، فإذا الذين ربحوا من الطغيان يعادون في النهاية من يؤثرون الحرية. فما إن يستبد ملك حتى يلتف عليه حثالة المملكة وسقطها، ليصبحوا أنفسهم طغاة مصغرين في ظل الطاغية الكبير) 1 .

أترك للقارئ الكريم أن يتأمل هذا النص جيدا الذي اختطته أنامل شاب لم يتجاوز الثلاثة والثلاثين من العمر ليستخلص ما يمكن استخلاصه من ملاحظات، بل إني أدعو إلى قراءة الكتاب كاملا لتكتمل الصورة التي يعرضها هذا الكاتب عن أصول الفساد وآليات نشره وانتشاره، وعن البيئة الحاضنة لتجذره واستفحاله.

ويكفي أن أسجل هنا إحدى الخلاصات الهامة التي انتهى إليها جل من تناول ظاهرة الفساد، وإن تعددت زوايا النظر من مؤرخين ومفكرين وفقهاء وفلاسفة، ومفادها أن الفساد والاستبداد صنوان لا يفترقان، وحيثما حل أحدهما، قال له الآخر خذني معك أو حل بجانبه. لاينفك الواحد عن الآخر. ولا يمكن التخلص من أحدهما إلا بالتخلص من الآخر معه. وهذا ما أكده صاحب كتاب “العبودية المختارة”، وأكده من قبل حكيم المؤرخين العلامة ابن خلدون في مقدمته الشهيرة التي ألفها قبل أزيد من ستة قرون، وبينه بالفصيح الواضح احد فقهاء هذه الأمة الأفذاذ وهو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في فتاويه قبل سبعة قرون ونيف، وكذا الكواكبي رحمه الله في كتابه الشهير “طبائع الاستبداد” في أواخر القرن التاسع عشر، وغير هؤلاء كثير جدا من المسلمين وغير المسلمين، وكذلك الدراسات والأبحاث العلمية الحديثة.

لأجل ذلك يمكن القول وبكل اطمئنان إنه لا سبيل للقضاء على الفساد المستشري في هذا البلد الكر يم أو محاصرته على الأقل إلى أبعد الحدود الممكنة، إن لم يتم القضاء أيضا على الاستبداد بالحكم، وإنهاء الاستفراد بالقرار والثروة من دون الناس. وما لم يتم هذا، فإن كل المبادرات وكل المحاولات للتخلص من هذا الوباء الذي انتشر في كل مفاصل الدولة والمجتمع الحيوية، ستصطدم بآلة صناعة الفساد المخزنية ومن ثم ستبوء بالفشل المدوي، أو تبقى شعارات جوفاء للتمويه أو الإلهاء ليس إلا.

وسأكون شاكرا لمن يدلنا على سبيل آخر.


[1] العبودية المختارة، ص 81.\