المبحث الثاني: مشروع النقابة الوطنية للتعليم العالي

في مؤتمرها الوطني السادس، الذي انعقد بين 23 و26 دجنبر 1993، حددت النقابة الوطنية للتعليم العالي رؤيتها لإصلاح التعليم العالي من خلال ما أسمته “مشروع إصلاح التعليم العالي وهيكلة البحث العلمي”. فما هي أهم ملامح ذلك المشروع؟

المطلب الأول: المشروع في شقه المبدئي والتنظيمي

يتشكل الإطار العام لهذا المشروع من مبادئ أساسية هي:

أ- ضرورة اعتماد المنظور الشمولي، الذي يربط بين مختلف جوانب الإصلاح الهيكلية والمالية والبيداغوجية والقانونية من جهة، ويأخذ بعين الاعتبار العلاقات العضوية التي تربط التعليم العالي بالتعليم الابتدائي والثانوي من جهة أخرى؛

ب- احترام الصيرورة التاريخية التي مرت منها الجامعة، إذ لا يمكن لأي تصور لهيكلة جديدة للتعليم العالي أن يقفز على التراكم الذي عرفته المؤسسات الجامعية؛

ت- ضرورة المحافظة على مكتسبات ظهير 25 فبراير 1975، مع تعميق إيجابياته وتجاوز سلبياته. والاستفادة من التقاليد الجامعية التي أبدعها رجال التعليم العالي؛

ومن أهم ما دعا إليه المشروع في الجانب التنظيمي توحيد التعليم العالي من جهة أولى، وتحقيق استقلالية الجامعة و”دمقرطة” تسييرها من جهة ثانية.

فالمهام التي يجب أن يضطلع بها التعليم العالي، تفرض أن يكون هذا الأخير متجانسا ومنسجما لا تتقاسمه سلط حكومية متعددة، وهذا يفرض بالأساس توحيد التعليم العالي وتجاوز وضعية الشتات -بين تعليم جامعي، ومؤسسات لتكوين الأطر العليا- كما يجب إخضاع القطاع الخاص للمراقبة المستمرة لوزارة التعليم العالي.

وتوحيد التعليم العالي طرح نفسه آنذاك كأولوية ضرورية وحيوية، ليس فقط لتجاوز وضعية الشتات وهدر الطاقات، بل أيضا لتوحيد المقاييس التسييرية والعلمية والتأطيرية والبيداغوجية، كل ذلك من أجل إحداث جامعات متعددة الاختصاصات ومتفاعلة المؤسسات ومنفتحة على محيطها الخارجي العام.

كما دعا المشروع إلى منح الجامعة استقلالا إداريا وعلميا وبيداغوجيا، بالإضافة إلى الاستقلال المالي الذي نص عليه ظهير 25 فبراير 1975، وذلك حتى يتأتى للجامعة القيام بمهامها كاملة.

ورأت النقابة الوطنية للتعليم العالي ضرورة الدفع في اتجاه انتخاب العمداء ورؤساء المؤسسات الجامعية، وانتخاب مكاتب للشعب، لمساعدة رؤساء الشعب في مهامهم التربوية والعلمية، ودعت أيضا إلى رفع كل الحواجز والعوائق التي تواجه الطلبة، وفسح المجال لهم للنقاش الحر والديمقراطي، وإبعاد عناصر الشغب المتمثلة فيما يسمى “الحرس الجامعي”، وتكثيف مشاركتهم –أي الطلبة- في الحياة الجامعية (مجالس الجامعات، مجالس الكليات، على مستوى الشعب الدراسية، تسيير كل المرافق الطلابية الاجتماعية…).

المطلب الثاني: المشروع في شقه البيداغوجي والعلمي

أكدت النقابة الوطنية للتعليم العالي فيما يرتبط بالجانب التربوي على بعض المبادئ العامة. فإصلاح النظام التربوي لا يمكن أن يتم بصفة منعزلة عن الإصلاح الشامل لمختلف الجوانب الأخرى، كما أنه من اللازم تفعيل دور المؤسسات التربوية والهيئات التمثيلية داخل التعليم العالي والبحث العلمي في تقديم ومناقشة التصورات المتعلقة بأي إصلاح للنظام التربوي. ولابد من اعتبار الإمكانات المادية والبشرية التي يتطلبها الإصلاح التربوي. وأن هذا الإصلاح لا يمكن أن يكتب له النجاح إلا إذا تم في إطار عام يبرز ويبلور استقلالية الجامعة.

وأكد مشروع “إصلاح التعليم العالي وهيكلة البحث العلمي” على ضرورة تعويض نظام السنوات في الدروس والامتحانات بنظام أكثر مرونة، وإحداث أشكال متنوعة من الجسور بين الأسلاك والتخصصات والجامعات، وجعل البحث العلمي لدى الأساتذة والطلبة إحدى المقومات الأساسية لنظامنا التربوي واعتماد نظام للدروس منفتح على مختلف التطورات والميادين المطروحة في الساحة الوطنية والدولية، والاستجابة إلى متطلبات المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، وإدخال التطورات التكنولوجية و”المعلوماتية” في المناهج الدراسية.

وشددت النقابة الوطنية للتعليم العالي على ضرورة إحداث خلية وطنية لتخطيط برنامج عام للتعريب في مختلف القطاعات وعلى كل المستويات، يتم على مراحل انطلاقا من “تقويم المرحلة الحالية؛ كمرحلة أولية، لا تراجع عنها”، ووصولا إلى تعريب كل مرافق البلاد، بما في ذلك التعليم العالي. واعتبرت ربط تعريب التعليم العالي بتعريب كافة المرافق الأخرى للبلاد مسألة أساسية لحل إشكالية التعريب.

ونص المشروع على جعل البحث العلمي إحدى المهام الأساسية لرجال التعليم العالي إلى جانب مهام التدريس والتأطير والمشاركة في التسيير ونشر المعرفة والثقافة، الأمر الذي يتطلب التخفيف من ساعات التدريس لتمكين الأساتذة من المزاولة الفعلية للبحث العلمي. ودعا إلى تقنين ذلك عن طريق قانون إطار يقر بتعددية تلك المهام.

كما أن تمويل البحث العلمي يتطلب إيجاد مؤسسة خاصة لهذا الغرض، ويتطلب أيضا إدخال بنود في الميزانية العامة للتسيير، مخصصة لضمان السير العادي للمختبرات وصيانة معداتها، وكذا لتغطية نفقات المشاركة في المؤتمرات الدولية، والنشر في المجلات العلمية الدولية.

كانت هذه بعض ملامح مشروع “إصلاح التعليم العالي وهيكلة البحث العلمي” للنقابة الوطنية للتعليم العالي لسنة 1993. وإذا كانت “النقابة الوطنية للتعليم العالي” قد انتقدت المشاريع الحكومية لإصلاح التعليم العالي، فإن مشروعها هو الآخر لم يسلم من ملاحظات. في هذا الصدد يقول الأستاذ إدريس السايح: لابد من الإشارة إلى أن المشروع المقدم من طرف الأساتذة الباحثين، بقدر ما هو واضح وهادف في جوانبه العامة ومنطلقاته الأساسية… يبقى مع ذلك فاقدا للدقة والوضوح.) 1


[1] السايح (ادريس)، مقال بعنوان “نظام التكوين بالجامعة المغربية”، مجلة عالم التربية العددان 6 و7، 1999 ص 270.\