تأطير

في إطار مكون التعبير والإنشاء يتعلم تلامذة سلك الثانوي الإعدادي مجموعة من المهارات انسجاما مع الكفايات التواصلية التي تؤطر البرنامج العام لهذا السلك وغيره، ومن هذه المهارات مهارة الوصف وتقنيته حيث يتعرف تلاميذ السنة الثالثة إعدادي على متطلبات المهارة وخطواتها، وبعد حصتي الاكتساب والتطبيق أنجز التلاميذ وصفا اعتمد فيه شكل المجموعات، وكان المطلوب هو وصف الأساتذة الذين درَّسوهم أو يدرِّسونهم ضمانا لمشاركة الجميع؛ ومن خلال عملية التقويم تجمعت مادة هذا المقال.

كفايات تواصلية، ولا تواصل

تبين أن التلاميذ يجهلون -في الغالب- كل شيء عن أساتذتهم بدءً من أسمائهم، فالقليل من يعرف أسماء أساتذتهم بشكل صحيح؛ أما تاريخ الميلاد ومكانه والوضعية الاجتماعية وعدد الأبناء وأعمارهم والعنوان… لا يعرف التلاميذ عن أساتذتهم إلا ما يتناقلونه بينهم عن طباعهم وكيفية تعاملهم وطريقة وضعهم للفروض وما يروقهم وما يستفـزهم،.. يختزلون ذلك كله في لقب أشبه بالاسم الفني، فيصير عنوانا لشخصياتهم.

يحدث هذا في وقت يعتبر التواصل أو الكفايات التواصلية ديدن البرامج والمقررات. الأساتذة -إلا القليل- في جزر -حتى لا نقول في بروج- معزولة، يعيشون همومهم اليومية: نظرة اتهام من قاعدة واسعة من المجتمع، وقلة ذات يد غدا معها رجل التعليم مادة للنوادر، ومعاناة مع تلاميذ يلهثون وراء سراب الجديد، يعيشون انفصاما نكدا بين هوس العصر ومنظومة قيم يرونها تكبل حركتهم وتئد تطلعاتهم.

وبالمقابل يجهل الأساتذة -إلا ما ندر- أحوال التلاميذ العائلية وظروفهم المعيشية واهتماماتهم الشخصية، ويثقلون كواهلهم بالواجبات المنزلية دون أن يستحضروا كثرة المواد وضعف الحافز وكثرة المشوشات وإغراءات العصر، دون أن يسألوا عن سبب عدم اكتراث أو انطواء أو سوء حال؛ لا يكلفون أنفسهم -في الغالب- عناء السؤال أو مجرد التساؤل: ما بك؟ ما الذي أذهب نشاطك؟

أما في قاعة الأساتذة حيث يجب أن يكون التلاميذ وصعوبات تحصيلهم محور النقاش خلال فترة الاستراحة، فلا نصيب للتلاميذ فيها، فلكل قضيته: تأخر ترقية، ارتفاع نسبة فوائد قروض السكن، غلاء تكاليف البناء، عدم تسوية ملفات المرض..

ماذا يحب التلاميذ؟

يحب التلاميذ الجد في أساتذتهم، ويكبرون المثابرين حتى وإن كانوا هم –التلاميذ- لا يبالون بدروسهم. يكنون للمجدين كل الاحترام، ويحبون أن يكونوا في أحسن حال؛ فالأساتذة -رغم كل شيء- هم المثل العليا لهم مع وقف التنفيذ.

يحب التلاميذ في أساتذتهم مواكبة العصر وروح الدعابة ومخاطبتهم بلغتهم، فعوض أن يغضب الأستاذ لأن تلميذا يمضغ علكا، يطلب أن يُتخلص منه إذا فقد حلاوته، عندها سيبتسم الجميع ويعتذر المعني بالأمر ويبادر للتخلص من العلك. وعوض أن يُحرج الشارد من التلاميذ بتكرار ما قيل، ينبه الأستاذ أن فلانا أو فلانة خارج التغطية، وأنه يجب معاودة الاتصال لاحقا…

وبالمقابل يكره التلاميذ في أساتذتهم الطبع الغضبي وسيء الكلام وسوء التصرف وإهمال الزي ورث الهندام، مثلما يزعجهم التمييز في التعامل وعدم التمكن من المادة وتسويف تصحيح الفروض.

ما هي انتظارات التلاميذ؟

ينظر التلاميذ لأساتذتهم نظرة إكبار، وينتظرون منهم حنو أب ورحمة أم:

حنو أب قد يفتقدونه في محيطهم الأسري، فيتطلعون لصدر رحب يسع همومهم، وحكمة مجرب يذلل ما يعترضهم من عقبات، وتفهم صديق يعيش أحاسيسهم، فيواسي ويسلي، وعزيمة سالك خبر الدنيا ودروبها يشحذ الهمم ويعبئ ويحفز.

رحمة أم قسوتها لين، وعتابها دلال، وتأنيبها صفح، تستر العورات، وتجازي عن مجرد النوايا، فكيف إذا أضحت منجزات. تنظر بعين الحب، فتكل عن العيوب، بل وتحيل النقائص شمائل، أليس الولد في عين أمه غزال؟

انتظارات مشروعة تقتضي إعادة النظر في اختيار من يلج أسلاك التعليم، مثلما تقتضي توفير شروط كرامة وهيبة من ينبري للتربية والتعليم . فالمطلوب معلم منسجم في نفسه، مرتاح في سربه الاجتماعي، سوي في بنيته النفسية الخلقية، كفء في مادته العلمية، مراقب لله تعالى في أمانته، مطمئن بالإيمان، صابر على معالجة النفوس الناشئة والعقول، زاهد فيما بأيدي الناس، ذو مروءة وعفة وهمة.) 1


[1] “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” للأستاذ عبد السلام ياسين. ص: 173،172.\