بداية أستأذن روح الفقيد العزيز لأكتب هذه السطور هدية مني إليه، وعربون تقدير وإجلال وحب ووفاءٍ لرجل كبير أُدرك تماما أن القلم وبضع كلمات لن توفيه حقه أبدا، لكن حسب هذه المقالة أن تميط عنه بعض اللثام، ليكون ذلك حافزا ودافعا لآخرين ليكتبوا حتى يعرف الجميع بأننا أمام رجل وأي رجل.

مَن ذاك الرجل الوقور، الأبيض اللون، الساطع النور، ذي اللحية البيضاء والذي إذا جالسته تشم منه رائحة القرآن الكريم؟ مَن ذاك الرجل الذي لم يكن يعرفه أحد باسمه وكان مشهورا بلقبه حتى أنك إذا سألت شخصا من منطقة تافيلالت أو نواحيها عن شخص يسمى “محمد الخالدي” لم يكد يعرفه، وما أن تقول له “الشِّيخْ” حتى يقول لك: “نعم ومن لا يعرف الشِّيخْ”؟ مَن ذاك الرجل الذي لم يكن يناديه أحد من طلبته أو تلاميذه أو من عامة الناس الذين يعرفونه إلا باسم “سِيدِي” وقد كان بالفعل من سادة الناس وخيرهم. فَمَن الرجل؟

مولده وحياته

ولد الشيخ محمد الخالدي رحمه الله سنة 1936 بإحدى مناطق تافيلالت، حفظ القرآن الكريم على يد والده والسادة اهلال الهلالي وابنه حسن الهلالي والحاج محمد الغرفي رحمهم الله جميعا، درس الفقه، والحديث، والنحو، والشيخ خليل، ورسالة ابن أبي زيد القيرواني، وابن عاشر متنا وشرحا، والألفية، والأجرومية، ولامية الأفعال، والزواوي، ومتن العاصمية، والبيقونية في علم الحديث وغيرها من المتون، كما درس علم الفرائض والعقائد والتجويد وغيرها من العلوم، وذلك على يد الشيخين الفاضلين السيد المدني وعبد الرحمن جعفري الهواري رحمهم الله.

عُين سنة 1956 إماما وخطيبا بمسجد قصر تاغنجاوت (يطلق على دواوير منطقة تافيلالت قصور، والقصر يضم “دوارا” بكامله وله باب أو بابين ومحاط بأسوار).

مشروعه الكبير

حمل الرجل رحمه الله وهو في سن مبكرة مشروعا أُخرويا كبيرا ندر إليه حياته كلها، حيث بدأ سنة 1958 في استقبال وفود الطلبة من مختلف مناطق المغرب ليُحَفِّظَهم القرآن الكريم ويعلمهم إياه، وقد استمر في ذلك إلى 2010 سنة وفاته رحمه الله، ليكون من ثمار هذا المشروع الذي استغرق 52 سنة من تحفيظ القرآن الكريم في مسجد يضم أزيد من مائة طالب متجددة باستمرار آلاف الطلبة الذين حفظوا القرآن الكريم على يديه، حتى أن البعض يقدر العدد بأزيد من 4600 حافظ، والأكيد أن هؤلاء حفظ على أيديهم آخرون، ليكون عمله هذا صدقة جارية إلى يوم القيامة، ولِيكون مشروعه مربحا وبشكل كبير.

بشرى لك سيدي إذ تركت سجل صحيفتك مفتوحا “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له” وقد تركت سيدي الصدقة الجارية حيث تصدقت بمالك وجهدك ووقتك وشبابك بل وحياتك كلها على خدمة القرآن الكريم وأهله، وجمعت في صدور الناس وحي الله العزيز، وتركت آلاف الأولاد الصالحين الذين علمتهم كتاب ربهم يدعون لك، وقبل هذا وبعده وأثنائه نلت شهادة “الخيرية” التي منحها النبي صلى الله عليه وسلم لمعلم القرآن الكريم ومُتعلمه: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”.

ولم يكتف الشيخ بتحفيظ الطلبة أو “الـمُرَتِّبِين” (كما يسميهم أبناء منطقة تافيلالت) القرآن الكريم فحسب، بل كان يعمل على إيوائهم وتوفير المأكل والمشرب والمسكن لهم دون أي مقابل مادي، وقد كان يبذل في ذلك رحمه الله جهدا كبيرا بحثا واتصالا بالمحسنين.

من المسجد إلى المدرسة

كان الشيخ يُدرس الطلبة في مسجد قصر تاغنجاوت، وبعد ذلك اتصل ببعض المحسنين لبناء مدرسة قرآنية بالمنطقة، لتثمر هذه الجهود بناء الجزء الأول من المدرسة سنة 1996، والجزء الثاني سنة 2002 على نفقة الحاج حيدة رحمه الله أحد محسني مدينة الدار البيضاء، وقد بنيت المدرسة بجانب قصر تاغنجاوت.

مصاحبتي للشيخ

في صيف 1995 قضيت عند هذا الشيخ الفاضل الوقور رحمه الله مدة شهرين كاملين، شاهدت فيها عن قرب جهاد الرجل، وبذله، وحبه لطلبته، وتفانيه لخدمتهم، وكذا عبادته وزهده وغير ذلك كثير.

وفيما يلي بعض مشاهداتي فقط إذ يعجز القلم عن التعبير عن أعمال الرجل الجليلة:

– لم يكن للشيخ رحمه الله أوقات عمل يبدأ فيها وينتهي، بل كان يقضي الليل والنهار في عمل وسط طلبته بما في ذلك المبيت والمأكل والمشرب، وذلك على الرغم من أن بيته كان لا يبعد عن المسجد إلا خطوات، وعلى الرغم من أن زوجه كانت وحيدة فيه (للشيخ ثلاث بنات متزوجات ولم يكن له ولد ذكر) أما حاجات البيت اليومية فقد كان يرسل أحد طلابه لينظر فيها.

– كان رغم سِنِّه ومرضه لا ينام حتى يصل موعد نوم طلبته وهو الثانية عشرة ليلا صيفا وشتاء، ويستيقظ على الساعة الثانية والنصف صيفا وشتاء أيضا، ثم يوقظ طلبته بكلمة واحدة منه، ومن لم يستيقظ كان له معه شأن آخر.

– كان يُشرف على وضوء طلبته بعد الاستيقاظ المبكر حتى يصعد الجميع للسطح للمراجعة.

– كان رحمه الله بين الفينة والأخرى خلال اليوم ورغم سنه يقوم بجولة على جميع المرافق التابعة للمسجد والمكَوَّنة بالإضافة إليه من طابق علوي وسطح، ليبحث عن نائم هنا، أو متكاسل هناك.. بل كان يصعد حتى الصومعة.

– كان يجلس بعد تناول وجبة الإفطار وسط المسجد متكئا على سارية من سواريه ليراقب الجميع.. يحفظ أحدهم فيذهب عنده للاستظهار، فيأذن لهذا بمسح لوحه ويأمر الآخر بالمزيد من الحفظ.

– عند الساعة 10 والنصف تقريبا يكون الكثير من الطلبة قد مسحوا ألواحهم، فتجد أمام الشيخ أزيد من ثلاثين طالبا في حلقة حوله ليُملي عليهم، إذ كان يمنع الكتابة من المصاحف.. فتجد هذا يقول: يرحمك الله سِيدِي “سيقول السفهاء..” فيتمم له الشيخ والطالب يكتب، ومباشرة يقول آخر: يرحمك الله سِيدِي “إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا..” فيتمم الشيخ ويكتب الطالب، وهكذا تجد الشيخ يملي على الطلبة آيات مختلفة من القرآن الكريم دون خطأ ولا كلل ولا تعب.. وفي نفس الوقت تجد الشيخ وهو يملي مشتغلا بتصحيح لوح أحد الطلاب الذي أكمل الكتابة، وفي ذات الوقت يستمع لطالب آخر يستظهر عليه أو يقرأ عليه بعد أن صحح له الشيخ لوحه، كل ذلك في مشهد يصعب تصديقه لمن لم يره، مما يجعل الأجواء أكثر روعة في رحاب الله تعالى، وفي ظلال كتابه العزيز، وفي حضن أب وشيخ مجد مجتهد عطوف، لكن في نفس الوقت شديد وصارم على الطالب الذي ينام في غير وقت النوم، أو يتكاسل في وقت الاجتهاد، وقد كان رحمه الله يضرب طلبته من أجل ذلك، وكم يكون المشهد رائعا حينما يجد الشيخ طالبا متكاسلا فيضربه مهما كان سنه، فينزل الطالب “المضروب” على يد الشيخ يُقبلها، فتجد الشيخ يعانقه في لحظة أبوية حانية، ثم يأمره بأن يذهب للحفظ والاجتهاد، وبعد ذلك تجد الشيخ في وقت الاستراحة يتفقد الطلبة الذين نالهم حظهم من الضرب ليمازحهم ويضاحكهم، مما كان يجعل مكانة الشيخ تكبر وتكبر وتكبر عند طلابه لأنه كان بالفعل أبا بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

قد يرفض البعض أسلوب الضرب من الشيخ، لكن الطالب حين يختار الذهاب لحفظ القرآن الكريم عند الشيخ فإنه يكون على علم بأسلوبه وطريقته وبرنامجه المكثف جدا لأن ذلك معروف في كل منطقة تافيلالت تقريبا، وعلم الطالب بذلك وقبوله به يعد بمثابة تعاقد بين الشيخ والطالب، وكم من طالب ذهب إلى مدارس أخرى للحفظ فلم يجد بُغيته فشد الرحال إلى الشيخ الجليل.

– كم شاهدت الشيخ رحمه الله في حزن وبكاء حين يأتي أحد الطلبة ليودعه، وخاصة إذا كانت مغادرته لعدم قدرته على تحمل البرنامج اليومي للشيخ، كان بالفعل رحيما حنونا عطوفا رحمة الله عليه.

– كم شاهدته رحمه الله يصعد بغذائه القليل جدا، وحين يرى في وجه بعض الطلبة رغبة في المزيد يعطيهم نصيبه كاملا وينزل إلى المسجد ويبقى دون أكل إلى الليل، وقد كان يجمع التمور التي يجنيها من أملاكه ويقدمها لطلبته في وقت الضحى.

– كان يذهب للسوق يوم الخميس والذي هو يوم عطلة فيلتقي أحد المحسنين فيعطيه بعض المال، فيأتي به الشيخ للطلبة ويوزعه عليهم.. لم يكن في حاجة إلى الدنيا بل كان كل همه وشغله طَلَبَته.

– ذات خميس كنت جالسا بجانبه بعد أن أتيت معه من السوق ننتظر آذان صلاة المغرب، فبارك له أحدهم حصوله على وسام (حصل رحمه الله على وسامين وجوائز وتكريمات) فقلت له مازحا: “هنيئا” فأشار بيده غير مبال وقال لي: “إيوا صافي حنا باغين الوسام ديال الله تعالى”، وما قاله بالإشارة كان أكبر من العبارة، وما ذكره بالتلميح كان أكبر من التصريح. زهد تام في الدنيا وإقبال كلي على الآخرة.

– كان يداوم رحمه الله على صيام الاثنين والخميس صيفا وشتاء.

– كان دائم قيام الليل ومكثرا من النوافل رغم أنه كان يغضب حينما يجد طالبا يصلي النوافل في وقت الحفظ أو المراجعة، وقد كان العديد من الطلاب يهربون من الحفظ بدعوى صلاة النوافل وكانت النفس تجد راحة في ذلك، لذلك كان الشيخ يصر على أن يحافظ الطلبة على صلاة الجماعة وكان يتابعهم في ذلك، لكن بعد الصلاة المفروضة يجب الإقبال على الحفظ أو المراجعة حسب توقيت كل منهما.

– لم يترك الشيخ عمرة رمضان منذ خمس عشرة سنة، حتى أن سارية بالمسجد الحرام كانت تُعرف باسمه، وكل من ذهب للعمرة وأراد أن يراه كان يجده فيها.

أكتفي بهذا القدر لأن أعمال الرجل أكبر من العد والحصر.

وفاته رحمه الله

أصيب الشيخ بمرض ظنه المحيطون به والمقربون منه نزلة برد فقط، لكن حينما اشتد عليه المرض وأصبح يصاب بنوبات أشبه بالصرع ذهبوا به إلى مدينة الدار البيضاء للكشف والعلاج، وهناك وجدوا أن الدم تخثر في رأسه، فأجريت له عملية جراحية كُللت بالنجاح، لكن الله عز وجل أراد خادم كتابه إلى جواره، وهكذا وفي صبيحة يوم الاثنين 25 محرم الحرام 1431/ 11 يناير 2010 وفي طريق عودته إلى مدينة الريصاني من رحلة العلاج، وبالضبط بمنطقة زاوية الشيخ لبى الشيخ الجليل محمد الخالدي نداء ربه، لينتقل إلى الرفيق الأعلى بعد أن خدم القرآن الكريم وأهله لأزيد من 52 سنة.

وقد شُيِّع جثمان الفقيد والراحل الكبير يوم الثلاثاء 26 محرم الحرام 1431/ 12 يناير 2010 في موكب مهيب حضره العديد من الفقهاء والعلماء الذين جاؤوا من مناطق شتى ومدن بعيدة بالإضافة إلى سكان المدينة ودواويرها.

هذا وقد دأب الشيخ الجليل رحمه الله في سنته الأخيرة على الحضور لأحد اللقاءات التنظيمية لجماعة العدل والإحسان بالمنطقة والذي يسمى “اللقاء الشهري”، كما كان خادم الشيخ ومرافقه الخاص والقَيِّمُ على شؤونه من أبناء جماعة العدل والإحسان.

رحمك الله سيدي محمد الخالدي رحمة واسعة وجعل مقامك في أعلى عليين، وأستميحك إن قصرت في التعريف بك، لكن محبتي لك ومحبتك أيضا لي وسؤالك الدائم عني دفعاني لأتشرف بالكتابة عنك، وكم كان ألمي شديدا وحزني كبيرا حين وصلني نبأ الوفاة فتذكرت تأخري عن زيارتك بعد أن التقيتَ والدي بالبيضاء منذ سنة تقريبا وسألتَ عني، وطلبت منه أن أزورك بمكان معين وتأخرت قليلا، وبعد أن هممت بالزيارة وجدتك سافرت فكانت حسرتي كبيرة.

ختاما أسأل الله تعالى أن يجعل القرآن العظيم مؤنسا لك في قبرك وشفيعا لك في حسابك.