لكي لا يخطف منا تعاقب الأحداث وحدة السوط وانسداد الأفق وسفاهة الواقع وإشاعات العدو وعموم البلوى، رسالتنا الخالدة. وحتى لا ينال من سبيلنا القاصد تنوع العطاء وتعدد الواجهات وكثرة الالتزامات.

لكي نبقى كما قررنا لأنفسنا أن نكون، حركة خضراء تضمر الأشواك الرادعة للمغتصبين وتفوح عبقا ينال الإنسان من حيث كونه إنسانا.

لكي تبقى الحركة الطلابية المغربية رهانا إنسانيا يختزل طموح المقهورين المستضعفين ويحمل البشرى بغد مشرق ملؤه الأخوة والسلم والسلام.

من أجل هذا كله، ارتأينا أن ندون بعضا مما تعلمناه في ساحة النضال الطلابي. سأتناول في حلقات بعضا من هذه التجربة أدونها كلمات مختصرة علها تجد تفصيلاتها في أراء وأقلام بعض المناضلين.

فقد علمتنا أدبيات النضال أن الحديث في التجربة إنما هو جنس من الوفاء لساحة أشربت الهوان فما هانت وألبست الذل فتحول الذل عزا فوق رؤوس العظماء.

بهذا المعنى، ليست الحركة الطلابية قلعة حتى تلفق إليها تهم العنف والإرهاب، ولا نشاطا مبتذلا حتى تنعت بالثقافة السلبية، ولا سوق مزايدات حتى تتهم بمحاربة العلم والتملص من واجبات تحصيله.

إنما هي حركة اجتماعية محورها الإنسان (الطالب) وإليه تتوجه كل المخططات ومنه تستمد كل البرامج، هذا ما يجعل المهمة غاية في الصعوبة مع زحمة الأوقات وتعدد الاحتياجات وشح الإمكانات.

لا تهديد يواجه الحركة إلا ما كان فهما أو سلوكا يغير وجهتها إلى غير الإنسان، والإنسان فقط، تعبئته وتعليمه ومستقبله.

مدخل هذه الأهداف كلها أن تجسد الحركة الطلابية في نفسها وممارستها حقيقة الإنسانية أسلوبا ووسيلة، ومن هذا المنطلق نرى أنه من الواجب التذكير بمقومات الإنسانية في حركة كحركتنا وعمل من قبيل نضالنا.

1- العمل الإنساني شرف وعبودية

إنما شرف العمل بشرف القصد وسمو الغاية، فهذا الحصر هو الذي جعل الحركة الطلابية على مر عقد ونيف من الجهد المتواصل تحول وجهتها من القصور إلى الطموح ومن الابتذال إلى الإبداع.

لقد شرف الله تعالى الإنسان وخلق من أجله كل ما حوله، وأمره أن يكون له، ويجتهد في عبوديته، كما ندبه سبحانه إلى استكمال هذه العبودية باستفراغ الجهد في انتشال الإنسانية من العبوديات كلها إلى عبودية موحدة تجل الله تنزيها له على ما أنعم، وتكرم الإنسان تقديرا لفعل الله فيه بالنفخ من روحه.

وقف المصطفى صلى الله عليه وسلم يوما بين يدي الكعبة يخاطبها: ما أجلك، ما أعظم حرمتك. ولم يغفل أن يذكرها بأن حرمة المؤمن عند الله أعظم منها. لقد سطر صلى الله عليه وسلم بهذا الحوار القصير منظومة جديدة في الوعي الإنساني مفادها أن شرف الاعتراف بالخالق وتعظيمه سبحانه إنما هو بشرف تعظيم حرمة الخلق، واكتمال العبودية إنما هو بالسعي الحثيث إلى جعل الإنسان محور العمل الصالح ومناط استكمال العبودية.

لا يغيب عنا ذلك المشهد العظيم الذي يصف فيه الحديث الشريف أحد مشاهد القيامة والناس يجتازون الصراط كلّ حسب عمله، فمنهم الذي يمشي ومن يجري ومن يسرع ومن يحبو ومنهم من يمر مر البرق “إنهم ناس كانت تقضى على أيديهم حوائج الناس”.

فيا من يريد المرور مثل البرق، شمر فما أعظم حاجات البشرية وهي ترزح تحت نير الاستبداد، وما أكثر مسائل الإنسانية وهي تعيش الاستضعاف تحت صفيح سفاهة المستكبرين.

الحركة الطلابية شرف وعبودية إذا اتصفت بما يخرجها ويخرج معها الإنسانية من جور الاستبداد إلى عدل الإسلام، ومن ضيق القهر إلى سعة رحمة الخالق وعظيم كرمه وجزيل عطائه.

2- العمل الإنساني يحكمه الوعي بالهدف

في حركتنا الطلابية ليس تمت هدف واحد، بل هي أهداف عدة تتفرع عن غاية واحدة: تحقيق وضع كريم تمارس فيه الحركة وظيفتها بلا شوائب ويمارس فيه الفاعل (الطالب) مهمته بحرية كاملة.

وحيثما غاب هذا الوعي عن الحركة، يكاد يرمى بها خارج النسق (الوضع الطبيعي للممارسة النقابية) ويزج بها في مستنقعات الممارسة المفتعلة التي لا طائل من ورائها.

هدفنا بكل وضوح وكما تم التعبير عنه في غير ما مرة: أن يتحول الاستبداد عدالة، والفوارق مساواة، والخوف أمنا، والذل عزة والتبعية استقلالا.

أو إن شئت قل ذلك في جملة واحدة: “نريد أن يكرم الإنسان من حيث كونه إنسانا، لا من حيث موقعه ومسافته عن الاستبداد الحاصل”.

3- العمل الإنساني تحكمه الوطنية الإيجابية

كثيرا ما ينعت من يشخص الأوضاع المأساوية والظروف السفيهة التي تعرفها البلاد، بأنه عدو الوطن وناقص الوطنية، حتى أنه ينعت في بعض الأحيان بأنه يعطي الولاء لغير الوطن. ولطالما وضح المتهمون وجهات نظرهم ورفعوا التحدي أن يتحدد بدقة علمية وفلسفة دستورية وحضارية مفهوم الوطنية وواجباتها، كما تحدث البعض منهم عن رغبته في الاحتكام إلى هوية وطنية محددة بكل أصولها. لكن مع توالي الأيام تكشفت الحقائق أن نقاش الهوية والوطنية إن هو إلا كغيره من النقاشات والمفاهيم الجاهزة التي تشهر في وجه كل ناقد أو مقترح.

ليس منا من لا يغار على حرمة وطنه، وليس من بيننا من يبيع كرامة الوطن والمواطنين عملة رخيصة في مواطن تناقض الوعي البشري المكتمل.

الحركة الطلابية ليست بعيدة عن هذا النقاش، يل هي في صلبه. فما هي مواقفها، وكيف تفهم انتسابها لهذا الوطن ومفهوم الوطنية.

إذا استثنينا موقفا واحدا شاذا في تاريخ الحركة. لا يوجد ما يوحي -على الإطلاق- بأنها تريد الانتساب لغير الوطن.

المواطنة كما نفهمها ونمارسها في الحركة الطلابية، هي التي تتحقق في أحضان دولة الإنسان، الدولة التي تمارس الحياد الإيجابي اتجاه قناعات المواطنين ومعتقداتهم، كما أن المواطنة تكتمل في دولة مدنية لا تمنح الامتياز على أساس المعتقد والرأي، بل على أساس المساهمة الفعالة الصادقة في البناء الجاد المفضي إلى كرامة الوطن والمواطنين الذين تستوعبهم الدولة المدنية تحت سقف واحد مستفيدة بذلك من إرادات الجميع.

إن الدولة لا تمنح صفة المدنية إلا إذا كانت المواطنة أحد ركائزها، المواطنة المبنية على الأسس الإنسانية والقانونية لا أساس الولاء للأشخاص والهيآت والمؤسسات.

المواطنة تسويق وهم لا أكثر إذا تحكمت فئة معينة بمصير عامة الشعب وخيراته مستعملة في ذلك وسائل الترغيب والترهيب والعصا والجزرة.

إن مشجب الخصوصية الذي يعلق عليه من يستفيدون من الوضع الحالي قصورهم عن التغيير، إنما هو محاولة مضادة ومعوق فعلي لمشروع التقدم، وتشويه لمعنى الخصوصية نفسها التي أصبحت في بلادنا مقابل حالة الجمود والتراجع والقهقرى.