حسن الظن والتوكل

تربية الشباب وتنظيمهم لا يجوز أن تغفل أخلاق التفاؤل والاستبشار، والتواضع وحسن الخلق وحُسن الظن. فإن الطبع المتشائم العبوس يسيء الظن بالله ويسيء الظن بالناس، المتشائم محجم، متردد وجبان، يهدم ولا يبني، يعرقل ولا ييسر، يعارك ولا يبارك. التربية على حسن الظن بالله تنمي في الفرد الثقة في الله وفي موعوده والتوكل عليه واحتساب الأمر إليه، ففي الحديث القدسي: “أنا عند حُسن ظن عبدي بي”. وفي الآية: ومن يتوكل على الله فهو حسبه.

يقول الشاعر: إذا كنتَ ذا رأي فكن ذا عزيمة *** فإن فساد الرأي أن تتردداوحُسن الظن بالناس يفتح قنوات التواصل معهم ويُمَكن من استثمار مساحة خيريتهم لتوسيعها، ففي الحديث “من قال هلك الناس فهو أهلكهم” 1 ، وحسن الظن بالأشياء يوفر حُسن استعمالها وإتقان تسخيرها، ففي الحديث القدسي: “لا تسبوا الدهر فأنا الدهر”. حسن الظن يحفظ المسلم من الوقوع في ذهنية القنوط واليأس والتأفف والشك والتراجع. فالمستقبل خير ونصر وتمكين. لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.

بحسن الظن تتقوى عندنا قدرات التواصل بالحوار الحسن وتدبير الاختلاف، بالتفاهم والتياسر والتسامح والإقناع. بالبحث عن الحلول عوض تعميق المشاكل. ومن لم يكن جزء من الحل فهو جزء من المشكلة.

المتفائل يتفاعل برشد وحِلم من غير عنف ولا استعجال، بتجدره في أخلاق الإسلام، يمد الخير إلى الغير. ويدعو بالمعروف إلى المعروف وينهى عن المنكر من غير منكر. يبدأ بتغيير ما بالنفس من أهواء لتتغير ما بالأمة من أدواء، والتغيير يبدأ بالعثور على المفاتيح، ففي الحديث: “إن من الناس لمفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس لمفاتيح للشر مغاليق للخير”. المفتاح معية في السلوك، ورحمة في القلب وحكمة في العقل ومهارة في اليد.

علم وعمل

العلم إمام العمل، العلم النافع هو الذي يُسعد الإنسان في الدنيا والآخرة، العلم قبل القول والعمل، بدءا –في حق الشباب- بالتعلم الذي هو جهاد المرحلة، به نبني عقولا ونشيدا مستقبلا، وننتج وننافس ونتفوق. ولا خير في أمة لا تُعلي من شأن التربية والتعليم والتدريب. أما بلد الكسالى والبطالين فلا يصلح إلا للتسول والتقليد.

الشاب الناجح طاهر في مظهره وفي مخبره، يضيف نور العلم إلى نور الطهر، قال العلماء: العلم نور يقذفه الله في قلب من أيده بالإرادة الجهادية)، نور لأنه يطرد الظلمة من الصدر والعقل والواقع، فيستشعر المرء وجوده أنوارا وأسرارا، ويدرك كينونته تفكرا واعتبارا، ويشيد واقعه انتصارا واستمرارا. ويشع بخير على غيره.

الشاب الناجح من تدارك النقص وجرب طاقته ومنح لذاته فرصة الإبداع ولم يضجر من الخطأ، بل استفاد منه، فكل من يعمل يخطئ وكل من يخطئ في العمل يتقدم إلى الأحسن… والعلم يتقدم باكتشاف الأخطاء) كما قال الإبستمولوجي الفرنسي غاستون باشلار.

الشاب الناجح من يبادر فيُدون لنفسه عملا يحب أن يلقى به الله فيرضى عنه به. رجل له مشروع، له قضية يحيا ويموت من أجلها. انطلاقا منها يحدد أهمية غيرها.

الشاب الناجح ينشد التخصص والإتقان، فالتخصص ينمي المهارات ويقوي الخبرات، ويقوي فرص الإبداع، والإتقان يجود العمل ويطوره ويباركه ويرقيه.

الشاب الناجح يسعى لاكتساب مهارات التخطيط والبرمجة ليتجنب التعسف والارتجال والعشوائية، وينهج أفضل سبل التواصل والحوار ليتفادى آفات المعاندة والمراء والصخب والتنفير.

إن الله عز وجل جعل في كل منا قابليات للكمال الروحي والسمو إلى مقامات النور، فينبغي اكتشاف الطاقات وتحرير المبادرات لمواجهة التحديات الفردية والجماعية التي تتطلب تكاملا واستمرارا في التدافع. حتى يكون الشباب مصابيح الهدى، هادون مهتدون مهديون يهدون بأمر الله لأمر الله: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون، مصابيح للضياء في كالح الظلمات، تنير الطرقات وتكشف المنعرجات وتزيل الشبهات.

تضحية وتنمية

الشباب وعاء وعطاء، الوعاء قلب ينبغي أن يعمر باليقين بقضيته ورسالته، والوعاء عقل يجب أن يملأ بالتدبير في شؤونه وشؤون أمته، والوعاء يد يلزم أن تبسط بالبذل والسخاء.

الشباب اهتمام واقتحام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله” 2 ، عماد البناء والتنمية هو الإنسان، وعنوان المستقبل هو الشباب، وكل يوم يمر دون خطوات للإصلاح ليس من شأنه إلا أن يعمق المشكل.

الشباب شهود وحضور ميداني فاعل، وليس منتقدا ومبتعدا. يخالط الناس ويُسهم في الخير. ولا يتنطع وينسحب.

الشباب تعاون لا تهاون، يتعاون مع من سبقه، إذ بصحبة من سبق تُنال الدرجات العلا، بفريق العمل لا بفريق الجدل، التعاون مشاركة لا معاركة، وتطاوع لا تصارع.

ينبغي الانخراط الواعي والمسؤول في مشروع تجديدي وإبداعي شامل يعيد للأمة كرامتها وعزتها ويخرجها من الذيلية والتبعية وينقلها من ذل الاستبداد إلى عزة العدل والكرامة والإيمان.

ديننا يحتاج إلى سواعد فتية وقلوب نقية وأيادي سخية، تبذل بلا حساب ليعطيها الله بغير حساب. وهو الكريم الوهاب. يحتاج إلى تعمير كل الحقول بالخير، يهتم بكل ما يفيد الإنسان كإنسان في دنياه وفي آخرته، دعوة في انتشارها ودولة في انتصارها، فردا في خلاصه الفردي وأمة في خلاصها الجماعي. 3

قلب وعقل ويد

الرحمة في القلب، قلب الفرد المؤمن السالك إلى الله، الذاكر المجاهد، يستمدها من إن رحمة الله قريب من المحسنين والحكمة في العقل لتدبير حاجته والرقي بها. والمهارة في اليد لاكتساب الخبرة التقنية والتكنولوجية والعلومية. الشباب يريد التغيير، والتغيير ذات وموضوع، أنفس وآفاق، إنسان وكون، قال الله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، تغيير المبدأ مقدم على تغيير المظهر، تغيير الذات مقدم على تغيير المؤسسات، تغيير الحال مقدم على تغيير المجال، ننشغل بما أراد الله منا ولا نشغل بما أراد الله لنا، الله يغير متى استجبنا من جهتنا واستقمنا تربية وإعدادا. الفاعل الله. ولا نتجاوز من جهتنا سوى التعرض بإلحاحٍ لعطائه ونواله ونفحاته.

التغيير قيادة وسيادة، قيادة الأئمة الربانيين وسيادة الأمة في جميع الميادين، بتجاوز الأمراض والأعراض؛ من سلبية وانكماش واستقالة وانقياد، والتبصر بآفات العصر وأوهامه من انحلال ومروق ومسخ ودوابية.

التغيير مراعاة السنن الكونية من التدرج والتدافع والتعاون وانتظار الفرج من الله. لا تغيير يرجى بتكفير الناس والغلظة عليهم. التغيير نهضة ويقظة إيمانية وفكرية وسياسية…متكاملة ومتداخلة.

خلاصة الأمر التغيير إعداد فتوة الشباب إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى. اللهم جدد الإيمان في قلوبنا وزدنا هدى.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.


[1] رواه مسلم وأحمد.\
[2] حديث رواه أحمد والترمذي والطبراني رحمهم الله بإسناده حسن.\
[3] التربية الروحية والعقلية والسياسية والبدنية والاجتماعية والفنية. التربية لخدمة الأمة حتى تكون في مستوى الموعود التاريخي؛ خلافة قوية جامعة مبلِّغة.\