تكتسي قضية التعليم أهمية بالغة في أي مشروع مجتمعي يتوخى تحقيق التقدم والتنمية، إذ أن مستقبل الأمم والأفراد مرهون بطبيعة العملية التربوية التي يخضع لها الأجيال، لهذا كان من الطبيعي أن يعرف المغرب مباشرة بعد الاستقلال الصوري أول مبادرة لإصلاح التعليم، حيث عملت الدولة على تشكيل مجموعة من اللجان للنظر في قضية التعليم، للأسف لم تمتلك رؤية واضحة وكافية لبلورة نظام تربوي تعليمي قادر على صناعة الرجال وتحقيق الأهداف التربوية التعليمية والتنموية انسجاما مع حاجيات المجتمع.

ولعل أهم هاته الإصلاحات التي انطلقت من المعمورة سنة 1963 والتي جاءت لتعيد النظر بشكل أو بآخر في المبادئ التي أقرها إصلاح سنة 1957 (التعميم، المغربة، التوحيد، التعريب) لتتوالى حلقات الإصلاح والندوات بدأ بندوة إيفران الأولى والثانية ومرورا بالميثاق الوطني ووصولا للبرنامج الاستعجالي 2009/2012 والمتأمل في هاته الإصلاحات سيتوقف عند مجموعة من الملاحظات أهمها 1- تهميش لقوى المجتمع ومختلف المؤسسات والهيئات التي لها علاقة بقطاع التعليم وإنفراد الدولة باتخاذ قرارات مصيرية.

2- تعامل النظام مع أزمة التعليم بمعزل عن بقية القطاعات والحال أنها أزمة شاملة.

3- غياب تصور شامل وواضح يضع النظام واختياراته تحت المجهر، ويحدد الأسباب الحقيقة لهاته الأزمة .

4- كل إصلاح يأتي لمعالجة أزمة التعليم ينتهي بفشل ذريع ويؤزم الوضع أكثر.

5- تجنب التطرق للنقط الأساسية إذ أن كل إصلاح يغرق في تفاصيل جزئية شكلية و تهيمن عليه شعارات إنشائية.

كل هاته الملاحظات تدفعنا للتساؤل عن طبيعة الإصلاحات التي يعرفها الحقل التعليمي وهل تتوخى الإصلاح كهدف لها؟ أم تتوسله شعارا لتمرير مخططات ماسخة ممسوخة خطيرة لا علاقة لها بهوية المغاربة ولا بواقعهم؟؟.

عرف المغرب أزيد من 14 مشروعا لإصلاح التعليم ناهيك عن القوانين والمراسيم والظهائر المنظمة له، كان قاسمها المشترك: “الاضطراب والارتجالية” حيث إن هاته الإصلاحات التعليمية التي انطلقت بالخصوص في الثمانينات كان هاجسها الكبير تقليص ميزانية القطاع التعليمي، أي أن الهاجس المالي هو المتحكم فيها، فالمغرب عرف احتداد أزمة اقتصادية خطيرة حيث انتقلت المديونية الخارجية من 900 مليون دولار سنة 1972 إلى 12 مليار دولار سنة 1982 وهذا ما جعل الدولة توقع اتفاقيتين مع صندوق النقد الدولي الأولى في أكتوبر 1980 والثانية سنة 1981 وسيتوج كل ذلك بتوقيع اتفاق جدولة الديون مع نادي باريس 1983 لتدخل في سياسة التقويم الهيكلي وما يسميها بعض المحللين بسياسة التقشف والتي على ضوئها يمكن قراءة خلفيات كل الإصلاحات التي انطلقت منذ تلك الفترة إلى الآن.

بعد انتهاء مرحلة التقويم الهيكلي ستعرف جميع القطاعات أزمة خانقة، ليتبين أن سياسة خدمة الدين الخارجي أدت إلى مضاعفة كارثية وخطيرة، ليأتي قطاع التعليم على رأس القطاعات المتضررة والمستهدفة باعتباره حسب الخطاب الرسمي قطاعا غير منتج، لهذا ستعمل الدولة على الإجهاز عليه تحت غطاء الأزمة التعليمية وضرورة الإصلاح، وفي هذا الصدد سيتم توجيه رسالة ملكية إلى مجلس النواب بتاريخ 16يونيو 1994 والتي دعت إلى ضرورة الحوار والتشاور بشأن القضايا التعليمية، والدعوة إلى تكوين لجنة موسعة تتكون من أعضاء مجلس النواب وممثلين عن الإدارات التعليمية، والفعاليات الاجتماعية والاقتصادية والنقابية وبالفعل تكونت هذه اللجنة ونظمت سلسلة من الجلسات خلال الفترة الممتدة مابين 5 ماي 1995 إلى يونيو 1995 وخلصت في الأخير إلى تقرير مفصل في 25يونيو 1995 يعرف بوثيقة المبادئ الأساسية، لكن الدولة لم تلتفت إلى ما قامت به اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم، ولم تعره أي اهتمام رغم أنها هي التي دعت إلى تشكيلها، والسبب واضح ويعود إلى عدم مسايرة اللجنة للطروحات المخزنية، إذ تحدثت الوثيقة عن المجانية والتعميم والجودة والزيادة في ميزانية التعليم… لهذا سيتم اللجوء بشكل سافر وخطير إلى البنك الدولي قصد استشارته وطلب معونته، ولن يتأخر هذا الأخير كثيرا فسرعان ما سيرد على الرسالة الملكية الموجهة إليه بتقريره المشهور لسنة 1995، ومتناولا مجموعة من المشاكل التي يتخبط فيها كل من الجهازين التشريعي والقضائي والقطاع التعليمي…

وهنا نسجل أن التقرير قد لامس بعض أوجه الأزمة ووضع أصبعه على الجرح وكشف القناع البراق الذي تختفي وراءه الدولة، وأشار إلى الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تنخر المجتمع، لكنه في الواقع لم يأت بجديد فهذا الوضع معروف عند كل المتتبعين والمهتمين، كما نؤكد أيضا على أن تقرير البنك الدولي بعد وقوفه على الأزمة المتعددة الأبعاد لم يحدد أسبابها الحقيقية والمتمثلة في نظرنا في السياسة الظالمة المملاة من طرف الدولة المخزنية ومن طرف الدوائر العليا والأجنبية بالأخص والتي يأتي البنك الدولي على رأسها، لكن ما يهمنا في هذا التقرير بالأساس الجانب الخاص بالتربية والتكوين الذي تضمنت دراسته مجموعة من التوصيات على رأسها:

* خوصصة التعليم وخاصة التعليم الثانوي والعالي، يقول التقرير: إن دور الدولة في التعليم يجب أن يتغير حتى تتمكن أنظمته من مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. وقبل سنة 2010 فإن نسبة مهمة من التعليم الثانوي والعالي يجب أن توفرها مؤسسات خاصة) 1 .

* ضرب مجانية التعليم كخدمة عمومية وكمساهمة تربوية مستقبلية لأجيال ناشئة: الهدف الحقيقي الذي يسعى إليه البنك الدولي هو تخفيض ميزانية التعليم والتراجع عن المجانية لتستطيع الدولة تخصيص حصص كبيرة في الميزانية لخدمة الدين الخارجي، فهو يشير بوضوح إلى: إدخال آليات وميكانزمات لاستخلاص التكاليف ويجب حث الجماعات المحلية على لعب دور أكثر نشاطا في تمويل وتعبئة التعليم الابتدائي… ويجب تقييم وقع إدخال مصاريف التمدرس في التعليم الثانوي العمومي على المالية العامة، وذلك عن طريق إحداث مصاريف التمدرس في قطاع التعليم الثانوي العام، وكذلك المسجلون في التكوين المهني يجب عليهم المشاركة في تكاليف تكوينهم، أما فيما يخص التعليم العالي العام فيجب الحصول على مصاريف التمدرس لتغطية 20 % إلى 25 %من التكاليف… ويجب التقليص من الإعانات المالية الموجهة للخدمات الاجتماعية..) 2

لقد سعت الحكومة المغربية إلى وأد الانتكاسات، وإشغال المغاربة بقضايا هامشية يتم اختلاقها للتعتيم على القضايا الجوهرية، لتتوالى التقارير الدولية التي تضعنا في صدارة ميادين الرشوة والإجرام والفساد وحوادث السير والتحلل الأخلاقي، وأخرى جعلتنا في أواخر الترتيب في مجالات حيوية التي يشكل التعليم القلب النابض فيه.ويبدو أن قدر المغرب أن يبقى بلد الفرص الضائعة، وأن يمتلئ مساره بالانتكاسات فلا يغفو شعبه من صدمة حتى يتلقى صفعة جديدة تنسيه الصفعات السابقة، حظه أن يبقى رهين عقال مؤسسات لا تصدر له غير الشعارات المصبرة، ولا سياسة واحدة واضحة غير سياسة الضحك على الذقون آخرها ترهات “المخطط الاستعجالي” الذي سنتحدث عنه في حلقة قابلة وعن ما سبقه من عشرية للإصلاح التي سميت “بالميثاق الوطني للتربية والتكوين” والظروف التي جاء فيها وأهم ما جاء به والمواقف التي راجت تجاهه بالجامعة إن شاء الله رب العالمين.


[1] انظر تقرير البنك الدولي حول: التربية والتكوين في القرن 21 – المملكة المغربية.\
[2] نفس المرجع.\