مقدمة

تحية الأخوة والمحبة والسلام لجميع شبابنا الناهض، شباب المغرب الأقصى وشباب الأمة الإسلامية على امتداد الزمان والمكان. شباب الإبداع والإتباع والاجتماع. شباب الطاعة والسنة والجماعة. تحية الترحم على شبابنا الذي مات غرقا في البحر فرارا من ضغط الحاجة وضيق الأفق، وهروبا من ظلم بني جلدتنا وقسوة ظروف واقعنا 1 . تحية الاحترام لمن قطع ضفاف البحر الأبيض “المتحشش” ونجا ووصل الضفة الأخرى ليؤمن لقمة العيش لوالديه وإخوته وأهله.

تحية الشفقة والرحمة والاعتذار للمشردين والمتسولين والغرقى والحرقى والمخدرين، بما أننا في مملكة الحشيش 2 ، وللفقراء والمعوزين والمعطلين مادامت نسبة الفقر في شباب المغرب وصلت رسميا إلى 74%! فقراء 3 ، تحية الأمل والعلم والعمل لإخواننا التلاميذ والطلبة الذين يبذلون زهرة شبابهم في مؤسسات تعليمية تحتضر سياستها المأساوية، وهم يستبشرون بغد الكرامة والحرية الذي تتحسن فيه أحوالهم. وهاهي السياسة العربية العجوز تسعى لإقصاء الشباب عن العلم والمعرفة ومراكز الخبرة والقرار وأي قرار؟ “ما لها من قرار”.

والحمد لله رب العالمين على نعمة شبابنا الذي يمثل 70,4% دون سن الثلاثين من مجموع السكان، و62,8% منهم أقل من 25 سنة.

لماذا الشباب؟

لا أحد من العقلاء ينكر أهمية فترة الشباب في عمر الفرد وفي حياة الأمة، ولا أحد يغيب دور السواعد والعقول الفتية في توطين التكنولوجيا وإنقاذ الأمة وحمل الرسالة وأداء الأمانة، باعتبار ما خص الله به هذه المرحلة العمرية من قوة وحيوية وثروة وقدرة على البذل والتحمل والعطاء. قوة بين ضعفين: ضعف الصغر، وضعف الكبر. قال صلى الله عليه وسلم: “أوصيكم بالشباب خيراً. فإنهم أرق أفئدة.لقد بعثني الله بالحنيفية السمحة.. فحالفني الشباب وخالفني الشيوخ” 4 . الشباب نصر الدعوة بجهاده الصادق، الشمولي والمستمر، يلتف بصدقه وسلامة قلبه حول الصادقين صحبة وعملا واتباعا، لا يعرف التردد ولا الشك ولا المساومة ولا العجز. لا يتعصب لقبيلة ولا عرق ولا نسب ولا حسب. باع نفسه وماله لله تعالى من غير منة ولا ريب.

أوصى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا وشهد لهم برِقة الأفئدة وصفاء الطوية وسذاجة الطبع، وضمن الله لهم جزاء استقامتهم سعادة الموقف بين يديه وسعادة الخلد في نعيمه. روى البخاري ومسلم في صحيحيها، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سبعة يُظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظلُّه: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق، بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه”.

الشباب آية قبل أن يكونوا آلة. عطاء من الله من غير حساب. وقد وهب الله هذه الأمة ثروة عظيمة من الشباب، فيم عاقب بعض الأمم بالشيخوخة. لكن أمتنا ما تزال لم تستفد من هذا المعين، إذ ما يزال أغلب شبابها عالة على غيره، قاعدا عن كسبه، والقاعد عن الكسب ساقط الشرف.

البداية الواجب

إذا كان من أهمية فترة الشباب في عمر الإنسان أنه سيسأل عنها العبد يوم القيامة، حيث قال صلى الله عليه وسلم في الحديث: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، منها: شبابه فيما أبلاه…” 5 ، فما هي واجبات الشباب في الحياة؟ والحياة مغالبة واقتحام، فكيف يغالبها ويقتحمها؟ كيف ينهض بواجبه دون أن يضر بحق غيره؟ من أين يبدأ وما الغاية؟

من الشباب ممن لم يبرح تفكيره ذهنية المؤامرة ولوم الآخرين، فتراه قاعدا متكاسلا، يتلذذ بالشماتة في غيره، مستثقلا ظروفه، مستهينا بطاقته. يعيش {كَلاًّ على مولاه}، لا هو في العير ولا هو في النفير.

يقول المثل: اعْمل الواجب القريب منك، وانقُل أصبع الاتهام من السبابة إلى الإبهام، أي انطلق مما يمكن ويجوز وحسبك ما تطيق وفوق طاقتك لا تُلام، ولا تنتظر إلى أن يتحقق الكمال جملة وفجأة، احزم نفسك ورتب أعمالك ولا تدعها تتراكم حولك، اعمل ما يُطلب منك واطلب ما يُعمل من غيرك. وأنجز عملا فيه: الفاعلية والنوعية، والقصد والجدية، والجدوى والعطاء. ولا تضع يدك في عمل حتى يكون فيه كرم دينك، وتعلم حكم الله تعالى فيه، قال صلى الله عليه وسلم: “كرم المرء دينه” 6 ، وحتى تشاور فيه من سبقك، وتستخير فيه من خلقك.

تربية رفيقة

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: “إنه من أُعطي حظه من الرفق فقد أُعطي حظه من خيريْ الدنيا والآخرة، ومن حُرم حظه من الرفق فقد حُرم حظه من الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار يُعمران الديار، ويزيدان في الأعمار” 7 .

يحتاج شبابنا إلى تربية رفيقة، تربية قرآنية نبوية شاملة وعميقة، تتجنب التيئيس مثلما تتجنب الحماسة والعنف، تربية على الرفق، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، تربية متدرجة ومتوازنة وعميقة، توازن بين مطالب الروح ومطالب الجسد، تجمع بين التربية والعلم والعمل، بدء بالصلاة في وقتها وبالدراسة بأدبها، ولا يتأتى ذلك إلا بإرادة صادقة ومقتحمة للعقبات النفسية والاجتماعية.

شبابنا ينبغي أن يتربى على معاني الفتوة المبتوتة في القرآن الكريم: فتوة الشجاعة والاقتحام، وفتوة الخدمة، وفتوة الهجرة: هجرة المعاصي وهجرة الكسل وهجرة القعود وهجرة الغفلة. دون أن يساء فهم هذه المعاني فتنقلب الشجاعة تهورا والخدمة تملقا والهجرة مفاصلة. الفتوة جندية كاملة لكنها رفيقة حانية.

أخرج الخرائطي رحمه الله عن الفضيل بن عياض رحمه الله قال: إذا خالطت الناس فخالط الحَسَنَ الخُلُق، فإنه لا يدعو إلا إلى خير). وأخرج البيهقي رحمه الله في الأسماء والصفات عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الرفق يُمْن والخرق شُؤم، وإذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم باب الرفق. إن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه، وإن الخرق لم يكن في شيء قط إلا شانه”. شانه أي عابه.

تربية وجندية

تصلح الأعمال بتجديد التوبة واليقظة وتجديد النية وحفز العزم وحشد الإرادة والتخطيط والمتابعة والتقويم. لكن المنطلق التربية المتوازنة والمستمرة. من نصيحة العلماء للشباب قولهم: انظروا إلى هذا الشباب الذي ذهب ضحية مجتمع فاسد وتعليم ملغوم نظرة الرحمة والشفقة. خذوهم برفق نحو المسجد، كونوا أذكياء في أسلوب التقرب للناس والتحبب إليهم بالكلمة الطيبة والهدية الصغيرة والخدمة المتكررة الحانية والزيارة والاستزارة، كونوا الوجه البشوش واليد الممتدة بالعون والبلسم الشافي لهذه “الجماهير” المخدرة العابثة ولطلائع الكفر الصاخبة العنيفة. دلوهم على الإسلام، دلوهم على الله).

من نظرة الرحمة والرفق إلى الدلالة على الله مساحة الاجتهاد الدعوي الواسعة، حتى لا يعذر أحد في تفريطه وتسويفه وتعلله. كلٌّ مُيسرٌ لما خُلق له.

التربية التي تحتاجها الأمة اليوم هي تربية جماعية إنجازية عملية، لاشك أن من علاماتها حفظ الصلاة وإقامتها جماعة، والاجتهاد في طاعة الوالدين والإحسان للأقربين والناس أجمعين، العطاء بغير امتنان، والدوام على العطاء، والاهتمام بأمر الأمة والإعداد لتغيير ما بها مع تغيير ما بأنفسنا. قال الإمام حسن البنا رحمه الله: سنربّي شبابنا ليكونوا مع الشعب المسلم، وسنكون من بين هذا الشعب المسلم، وسنسير بخطوات ثابتة إلى تمام الشوط). وقال أيضا: يخطئ من يظن أننا (جماعة دراويش) قد حصروا أنفسهم في دائرة ضيقة من العبادات الإسلامية، كل همّهم صلاة وصوم وذكر وتسبيح؛ فالمسلمون الأولون لم يعرفوا الإسلام بهذه الصورة ولم يؤمنوا على هذا النحو، ولكنهم آمنوا به عقيدة وعبادة، ووطنًا وجنسية، وخلقًا ومادة، وقانونًا وثقافةً وسماحةً وقوة، ونظامًا كاملاً يفرض نفسه على كل مظاهر الحياة، وينظم أمر الدنيا كما ينظم أمر الآخرة)اذكروا أيها الإخوة أن أكثر من 60% من المصريين يعيشون أقل من معيشة الحيوان).

فهلا تنمية حقيقية تفك رقابنا من التبعية والذيلية والامتساخ الحضاري؟


[1] ذكرت مؤسسة AFVIC (جمعية أصدقاء وعائلات ضحايا الهجرة السرية) أن آلاف الجثت تم العثور عليها عند شواطئ المضيق، فخلال خمس سنوات فقط (1997-2001) أكثر من 10000 مهاجر قضوا في المضيق.\
[2] جريدة الصحيفة، عدد 201.\
[3] حسب تقرير اللجنة العليا للإسكان.\
[4] رواه البخاري.\
[5] رواه الترمذي وصححه الألباني.\
[6] صحيح ابن حبان، سنن البيهقي الكبرى، شعب الإيمان، سنن الدار قطني.\
[7] أخرج الإمام أحمد رحمه الله.\