يقول الله عز وجل: فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا، وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون، والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم، ومما رزقناهم ينفقون، والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون.

من هذه الآيات الكريمات استخرج الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله بنود سياق الشورى، وهي -بإيجاز-:

1- إيقان المؤمنين والمؤمنات بأن ما يؤتاه الإنسان من شيء في الحياة الدنيا إنما هو متاع، وأن بعد الحياة الدنيا موتا، وبعد الموت حياة أخرى.

2- الإيقان بأن ما عند الله في الدار الآخرة خير وأبقى.

3- الإيقان بأن ما عند الله لا يناله إلا المتوكلون على الله، والتوكل على الله أخذ بالأسباب دون وقوف عندها، وذكر لفضل الله ورحمته في النتائج.

4- اجتناب كبائر الإثم والفواحش. مناخ أخلاقي ضروري لمشاركة المؤمنين والمؤمنات في الحياة العامة.

5- ضبط زمام النفس، وهناك فرق كبير بين العنف الغاضب الهدام والقوة المطمئنة البانية.

6- الاستجابة كاملة لنداء الله عز وجل؛

7- إقامة الصلاة؛

8- المشاركة في البناء بالشورى؛

9- إيتاء الزكاة؛ وهي رمز للعدل الاجتماعي.

10- الانتصار على البغي، وهذه الخصلة الشريفة تجمع الإسلاميين مع الفضلاء الديمقراطيين، وتصلح رباطا وثيقا ومقدمة لاندماج المختلف وانسجامه وتعاونه.

هذا سياق الشورى ومناخها، فشجرة الشورى لا ثبات لها ولا قرار ولا ثمار إذا غرست في مناخ غير هذا المناخ. يقول الأستاذ المرشد حفظه الله: بُني نظام الحكم الإسلامي القرآني على مقدمات سبع، تكون الشورى قبة البناء. فإذا بنيت بناء ما وسميته إسلاما وهو شكل فارغ، ومسرح ونفاق، ثم وضعت على قمته قبة سميتها شورى، فأنت في مسرح ونفاق أساسا ونهاية. قاعدة وقمة) 1 .

في القرآن الكريم مثالنا، وتاريخنا نزنه ونقيسه بهذا المثال، فسمو تاريخنا ورقيه يكون في مراحل تطبيق المثال أو الاقتراب الشديد منه، وانحداره وانحطاطه يكون في مراحل بعده عن المثال.

رأينا مثالنا في الشورى، ولنا أن نسأل عن مدى مصاحبة هذا المثال لتاريخ المسلمين وواقعهم؟ لنا أن نسأل متى ابتعدنا عن المثال؟ وما أسباب ذلك وما نتائجه، وما السبيل للصعود نحو المثال من جديد؟؟

أولا- مرحلة النبوة والخلافة الراشدة

كان جواب قريش لكل زعيم من زعمائها: “أنت سيدنا ورأينا تبع لرأيك”، وكان اللجوء إلى الكاهن أحد أهم الوسائل للوصول إلى الرأي الصواب، إلى أن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء بنور الهداية، ورفع لواء الشورى، وجعلها سمة بارزة في المجتمع الإسلامي.

والأمثلة على ذلك من سيرته صلى الله عليه وسلم كثيرة أذكر منها:

– تقريره صلى الله عليه سلم الشورى في أول بيعة، وهي بيعة العقبة التي وقعت بمكة، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة الذين جاؤوا لمبايعته “أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم”.

– استشارته صلى الله عليه وسلم في أول معركة، حيث أشار عليه الخباب بن المنذر بأن يكون مكان المعركة منطقة بئر بدر وكان ذلك.

– استشارته صلى الله عليه وسلم في حرب أحد، وكان يفضل أن يتم ذلك من داخل المدينة، فرأى أغلب الصحابة رضوان الله عليهم أن تكون المواجهة من خارج المدينة فنزل عند رأيهم صلى الله عليه وسلم.

– استشارته صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب، حيث أشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق.

– استشارته صلى الله عليه وسلم لأم سلمة في صلح الحديبية، حيث قال في حقها صلى الله عليه وسلم “حبذا أنت يا أم سلمة، فقد نجّى بك الله المسلمين من عذاب أليم”.

وقال صلى الله عليه وسلم: “من بايع رجلا من غير مشورة المسلمين، فإنه لا بيعة له، ولا الذي بايعه” 2 .

وقال أيضا “المستشار مؤتمن”. وقال عليه الصلاة والسلام: “ما تشاور قوم قط إلا هدوا إلى رشد أمرهم”.

وجاء في كتاب روح المعاني للألوسي أنه صلى الله عليه وسلم بعد نزول قول الله تعالى ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله قال: “إن الله ورسوله لغنيّان عنها، ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتي، من استشار منهم لم يعدم رشدا، ومن تركها لم يعدم غيا”.

وعلى منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم سار الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم. فالشورى، التي هي ركن أساس من أركان نظام الخلافة، ستكون أسلوبا لاختيار الخليفة، كما ستكون أسلوبا لتدبير شأن الأمة.

1- الشورى لاختيار الخلفاء الراشدين

أ- اختيار سيدنا أبي بكر رضي الله عنه

مباشرة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورغم هول الواقعة التي هزت كبار الصحابة رضوان الله عليهم، اجتمع المسلمون أنصارا ومهاجرين في سقيفة بني ساعدة ليمارسوا حوارا مفتوحا، يقوم على الكلمة والإقناع لاختيار مرشحهم الذي سيخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيادة الأمة وسياسة الدولة الناشئة. ما استلّ سيف ولا أريقت قطرة دم واحدة. تمت البيعة الأولى في السقيفة، وما لبثت جموع المسلمين أن توجهت إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأداء البيعة العامة.

ب- اختيار سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه

طلب سيدنا أبو بكر من كبار الصحابة أن يتشاوروا في الأمر، مطلقا أيمانهم من بيعته، وهم يخولونه حق الاختيار، ويضع لذلك رضي الله عنه معايير خاصة، ويختار عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي لا يمت له بقرابة ولا عصبية من قريب أو بعيد، ويقول: اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم ما أنت به أعلم فوليت عليهم خيرهم وأتقاهم وأحرصهم). ويؤكد رضي الله عنه حرصه وخشيته وإحساسه بالمسؤولية ويقول: إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن برّ وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه، وإن جار وبدّل فلا علم لي بالغيب والخير أردت، ولكل امرئ ما اكتسب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون). ويؤكد التاريخ بعد ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان الرجل الأنسب. كما تؤكد بعض كتب التاريخ مبايعة سيدنا عمر بيعة خاصة وعامة.

ج- اختيار سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه

لما طعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بخنجر أبي لؤلؤة الفارسي، احتار في أمره بين أن يترك المسلمين يختارون أو أن يختار هو لهم بموافقة الصحابة، وعبر عن ذلك بقوله: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني).

وعندما عرض عليه أحدهم أن يرشح ابنه قال رضي الله عنه: والله ما أردت الله بهذا!! لا إرب لنا في أموركم، وما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهلي، إن كانت خيرا فقد أصبنا منه، وإن كانت شرا فبحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد، ويسأل -أمام الله- عن أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم. أما لقد جهدت نفسي، وحرمت أهلي. وإن نجوت كفافا، لا وزر ولا أجر، إني لسعيد) 3 .

وهو يعاني رضي الله عنه آلام الجراح لمعت في ذهنه صيغة جديدة للاختيار… ووضع برنامجا شوريا على الشكل الآتي:

– حصر الخلافة في واحد من أولئك الرجال الذين يمثلون طليعة الصحابة وهم:(عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوّام، عبد الرحمن بن عوف، سعد بن أبي وقاص) رضي الله عنهم جميعا.

– طلب منهم أن يجتمعوا ويتشاوروا لاختيار واحد منهم، وألا يسمحوا للنقاش أن يطول ويتشعب، لأن الظروف الحساسة لا تسمح بذلك، وحدد مدة التشاور في ثلاثة أيام.

– طلب من صهيب رضي الله عنه أن يصلي بالناس خلال هذه الفترة، لأن اختيار أحدهم إماما يعني ترجيحه.

– قرر أن يحضر عبد الله بن عمر رضي الله عنه مشيرا ولا شيء له في الأمر. قالها رضي الله عنه مرتين.

– طلب من المقداد بن الأسود رضي الله عنه أن يشرف على المشاورات ريثما يتم الانتخاب.

وعرض عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه مشروعا مفاده أن يسحب نفسه من الترشيح، وأن يخوّلوه مقابل ذلك الحق في انتخاب أحدهم خليفة، وقبلوا ذلك لأنهم يعرفون مدى إخلاص الرجل وتقواه.

وبرهن رضي الله عنه على ذلك من خلال الساعات الطويلة التي قضاها يستطلع آراء المسلمين في المدينة، رجالا ونساءا.

وقبل أن تشرق شمس اليوم الرابع، اختار عبد الرحمن بن عوف عثمان رضي الله عنه، وتقدم إليه قائلا: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده)، ومن ثم تقدم المهاجرون والأنصار ليبايعوا خليفتهم الجديد…

د- اختيار علي رضي الله عنه

بويع علي رضي الله عنه بنفس الطريقة التي بويع بها أبو بكر رضي الله عنه، لكن في ظروف غير الظروف، حيث كان المرشحون للخلافة يتهربون من ذلك تفاديا للسقوط في الفتنة، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي كان يلوذ ببساتين المدينة فرارا من الناس.

وبعد أن طعن رضي الله عنه من طرف عبد الرحمن بن الملجم، طلب منه حشد من الصحابة أن يعمد بالخلافة لأحد أبنائه، فكان جوابه لا آمركم ولا أنهاكم أنتم أبصر، وفي رواية: بل أترككم كما ترككم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلعل الله يجمعكم بعدي على خيركم كما جمعكم بعد نبيكم على خيركم) 4 .

هكذا تبدو الشورى واضحة في اختيار الخلفاء الأربعة.

2- الشورى لتدبير الأمر

كان أبو بكر رضي الله عنه يقول: استشيروا القرآن، والزموا الجماعة، وليكن الإبرام بعد التشاور، والصفقة بعد طول النظر).

وكان عمر رضي الله عنه يقول: لا خير في أمر أبرم من غير شورى).

هذا أبو بكر يستشير الناس في حرب الروم والفرس…

وهذا عمر بن الخطاب بالإضافة إلى استشارته في تولية الخليفة من بعده يستشير في اختيار الأمراء وقسمة أراضي الفتح…

وكتب التاريخ حافلة بمناسبات شوراهم رضي الله عنهم.

3- استنتاجات

-1- لقد كان تطبيق الشورى في طور النبوة والخلافة تطبيقا مثاليا، وما كان ذلك ليتأتى لولا إنزال السياق القرآني للشورى على واقع المسلمين، بل الصعود بواقع المسلمين إلى السمو القرآني، وكيف لا ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان قرآنا يمشي، وكيف لا والخلفاء الأربع من كبار الصحابة الذين تشربوا معاني الصحبة وتخرجوا من مدرسة النبوة.

-2- كل الخلفاء تم اختيارهم بالبيعة الخاصة والعامة، لكن طرق اختيارهم في تلك الفترة الوجيزة تعددت، مما يأذن في الأخذ بروح الشورى والاجتهاد في تحديد الشكل والطريقة حسب ظروف الزمان والمكان.

-3- نجد أن الخلفاء لم يرشحوا أنفسهم للإمامة، بل كانوا يتهربون منها ولا يريدونها لأقربائهم، وذلك لأنهم كانوا يخشون على أنفسهم أن لا يقوموا بها حق القيام فتكون عليهم يوم القيامة خزيا وندامة.

-4- إن أهل الشورى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء كانوا هم كبار الصحابة المشهود لهم بالتقوى والصلاح والعلم والجهاد، وهذا ما جعل لأهل الشورى مواصفات خاصة حاول الكثير من الفقهاء تحديدها. فهذا الماوردي رحمه الله يحددها في:

– العدالة الجامعة لشروطها؛

– العلم بشؤون الحكم؛

– الرأي والحكمة.

والإمام النووي رحمه الله يجعل صفاتهم هي صفات الشهود.

لكن استشارة أهل الشورى الممثلين للأمة لم تكن تمنع من استشارة كافة الناس في بعض القضايا. وعموما يمكن التمييز في هذه المرحلة، كما ذهب إلى ذلك الأستاذ عبد الحميد إسماعيل الأنصاري، بين ثلاث فئات من أهل الشورى:

1- في مسائل فنية خالصة يؤخذ فيها برأي الفنيين والمختصين؛

2- في مسائل تشريعية عامة يؤخذ فيها برأي أهل الشورى؛

3- في مسائل أكثر عمومية (إعلان الحرب، العلم، التحالفات، اختيار الخليفة…) تحتاج إلى معرفة رأي الناس جميعا.

-5- في ذلك الوقت كانت معرفة أهل الشورى أمرا متيسرا، أما الآن فأصبح ذلك متعسرا، كما أن اجتهاد الخلفاء في طريقة اختيار الخليفة يفتح باب الاجتهاد لاختيار أهل الشورى، وقد طرحت في هذا الصدد عدة اجتهادات. فالأستاذ مصطفى كمال وصفي في كتابه “المشروعية في النظام الإسلامي” يطرح طريق التدرج الاجتماعي، والدكتور محمد رأفت عثمان في كتابه “رئاسة الدولة في الفقه الإسلامي” يطرح طريق التعيين من طرف رئيس الدولة الذي يتم انتخابه، والإمام حسن البنا والإمام المودودي رحمهما الله والدكتور محمد سليم العوا وكثير من المفكرين الإسلاميين المعاصرين يحددون طريقة الاختيار في الانتخابات الحرة والنزيهة.

-6- إذا كان الاستخلاف -كما وقع في تولية سيدنا عمر- يساعد في بعض الأحيان على الاستقرار، فإن الأمر من قبل ومن بعد يعود للأمة، وذلك حتى لا يتحول الاستخلاف إلى شكل من أشكال الاستبداد. فالأصل الشورى.


[1] كتاب الشورى والديمقراطية، الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين.\
[2] رواه الإمام أحمد.\
[3] الطبري.\
[4] البداية والنهاية.\