ثانيا- الملك العاض والجبري

الملك حسب العلامة بن خلدون رحمه الله يقوم في الغالب على التغلب والقهر، وأحكامه في الغالب جائرة عن الحق مجحفة بالخلق، وهو نوعان:

– ملك طبيعي وهو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة.

– ملك سياسي وهو حمل الكافة على جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار.

فالملك في الغالب يكون نقيضا للخلافة، التي هي حسب العلامة بن خلدون حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبار مصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به). فالخلافة وجهتها الآخرة والملك في أحسن الأحوال وجهته الدنيا والمصالح الدنيوية، وفي أسوئها وجهته شهوات ونزوات الملوك ورغباتهم الصبيانية، والذي ينظر إلى تاريخ الملوك يجد هذا واضحا جليا.

والملك في تاريخ أمتنا كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم نوعان: ملك عاض وخاصيته العض على الأمة بالوراثة وبيعة الإكراه، وملك جبري وهو الديكتاتوري بلسان العصر، يفرغ أجهزة الحكم والإعلام والتعليم وقوانين الحكم من كل معاني الإسلام، معاني الشورى والعدل والإحسان.

1- انقلاب الملك على الخلافة

المؤمن كي يفحص تاريخ أمته لابد له من نظرتين متساوقتين متكاملتين، الاقتصار على النظرة الواحدة منهما يجعل تحليله مغلوطا وحكمه مبتورا. نظرة إيمان راسخ بقضاء الله عز وجل وقدره، ونظرة إلى الأسباب الظاهرة.

ما كان لدولة الشورى أن تتحقق لولا إنسان الشورى الذي يوقن بأن الحياة الدنيا متاع، وأن الآخرة خير وأبقى، ويوقن أن الشورى بما هي سلوك فردي وجماعي عبادة يُتقرب بها إلى الله عز وجل، وأنها لا تنفك عن عبادة الصلاة وسائر العبادات، ولولا مجتمع الشورى الذي من خصائصه التضامن والتكافل، والتعاون للانتصار على البغي.

تحقق ذلك في عهد النبوة والخلافة، عهد الصحبة الكاملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

من نور صحبته عليه الصلاة والسلام، وهو القرآن يمشي، سطع إنسان القرآن، ومجتمع القرآن، ودولة القرآن. تحقق سياق الشورى، فتحققت الشورى. ثم قضى الله عز وجل أن تتحول الخلافة إلى ملك، وأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، من أشهرها ما رواه الإمام أحمد عنه بسند صحيح: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت”.

وكان من أسباب ذلك الانكسار التاريخي المهول ما يلي:

1- استيقاظ عصبية كانت في طريقها إلى الذوبان في عهد النبوة والخلافة الراشدة، وهذا انفراط لأساس من أهم أسس السياق القرآني للشورى. أساس الولاية بين المؤمنين.

2- دخول طوائف جديدة من الشعوب والأجناس في الإسلام دون أن تتربى عليه تربية كاملة، ودون أن تكون لها صحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو صحبة مع من صحبه صلى الله عليه وسلم، وبذلك لم يكن لها إيقان بأن ما تؤتى من شيء في الحياة الدنيا إنما هو متاع، وبأن ما عند الله خير وأبقى، ولم تعرف معنى التوكل على الله، ولم تستطع اجتناب الكبائر والفواحش، وانساقت لشهواتها. وكل هذا نقيض لسياق الشورى، فكانت النتيجة تفشي المطالبة والاعتراض والتآمر والانتهازية، وكانت النتيجة الأخطر على الأمة فيما بعد ذهاب الشورى.

3- خار البناء الداخلي، بناء الولاية بين المؤمنين الذي هو روح الشورى، فوجد المتربصون من خارج الأمة طريقهم إلى نفخ نار الفتنة، وتمثل ذلك أساسا في التيار اليهودي وبالتحديد في الحركة السبائية بقيادة عبد الله بن سبأ.

تضافرت هذه الأسباب فانقلب الملك على الخلافة، وحل السيف وشراء الضمائر محل الشورى والنصيحة للحاكمين.

2- السيف وشراء الضمائر

أراد معاوية بن أبي سفيان إرغام المسلمين على بيعة ابنه يزيد، فبايعه على ذلك أهل الشام وأهل العراق، وأبى أن يبايعه أربعة من خيار المؤمنين وهم: الحسين بن علي، عبد الله بن الزبير، عبد الله بن عمر، عبد الرحمن بن أبي بكر. جاءهم معاوية إلى المدينة يطلب منهم ذلك، فخرجوا إلى مكة فلحقهم ووعدهم وأوعدهم، لكن ذلك لم ينفع معهم، حيث اشترطوا عليه أن يجعل الأمر شورى بين المسلمين، فخطب معاوية في الناس بعد أن أمر رئيس حرسه قائلا له: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين، ومع كل واحد منهما سيف، فإن ذهب رجل منهم يرد علي كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بالسيف). وبدأ يخطب معاوية: إنه من أنذر فقد أعذر! كنت أخطب فيكم فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس فأحمل وأصفح، إني قائم بمقالة، فأقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا، لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقينّ رجل إلا على نفسه).

هذا عن السيف، ولأمثال هذا في تاريخ الملك العاض صفحات وصفحات … أما عن شراء الضمائر، الذي ما كان ليكون لولا فقدان الإيقان بأن الدنيا متاع، وأن ما عند الله خير وأبقى، فقد كان في الكوفة رجال هم شيوخ العشائر، اشترى ضمائرهم المغيرة بثلاثين (30) ألف درهم، وبعثهم مع ابنه موسى إلى معاوية ليقترحوا عليه تولية يزيد ابنه العهد من بعده. فسأل معاوية موسى: بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟). لنتأمل كلمة دين. قال موسى: بثلاثين ألف درهم) قال معاوية: لقد هان عليهم دينهم).

دينهم! والدين سياق الشورى. الدين طلب لما عند الله، توكل على الله، صلاة، شورى، زكاة، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر..

وفي مقابل هذه القصة نجد عبد الله بن عمر يعرض عليه معاوية 100 ألف درهم ليبايع يزيدا. فيقول عبد الله: إن ديني عندي إذا لرخيص).

كم هي كثيرة دماء سيف العض، وكم هي كثيرة رؤوس كبار الصحابة والأولياء المقطوعة بذلك السيف، وكم هي كثيرة فضائح شراء الضمائر، كل هذا سيجعل أمر المسلمين بيد حكام مسرفين بعد أن كان أمرهم شورى بينهم، ومن أراد المزيد من الاطلاع على مآسي الأمة وآلامها ليرجع إلى كتب التاريخ.

3- من “وأمرهم شورى بينهم” إلى “أمر المسرفين”

ذهب الملك العاض وأتى الملك الجبري، وانمحت الشريعة من الحياة العامة أو كادت، وكُسرت شوكة الإسلام، وتفككت دار وحدة الأمة، وزادت حدة الاستبداد، وحُجبت الشورى، وحصل الابتعاد التام عن سياقها، وحصل الاقتراب التام من الفرعونية، بل حصل التمثل الكامل لصيغة فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، وصار الحاكم يصور نفسه للأمة على أنه المعبود من دون الله، وينفخ في هذا التصوير بطانة السوء الذين باعوا الدين بالتين، فأصبح الحاكم هو كل شيء، فلا بأس أن يُسحق شعب بكامله مقابل أن يبقى الحاكم سليما، ولا بأس أن تُسلب أرض الأمة مقابل أن يبقى حزب الحاكم موجودا.

ووجد الملك الجبري دعامته في الاستعمار الذي رحلت دباباته وبندقياته بجهاد وطنيين كان حافزهم الإيمان والجهاد في سبيل الله.. لكن لم ترحل نحلته وأفكاره التي غُرست في نفوس النخب عن طريق التعليم وغيره .. وقُدم للأمة السم القاتل وسط دسم أنظمة وأشكال مختلفة.. وانقسم العلماء في مرحلة الملك، بنوعيه العاض والجبري، إلى دائر في فلك الملك المستبد، وعالم معارض يحرس الشريعة في سرية ويكتم معارضته، التزاما بأحاديث خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفاظا على وحدة الأمة وشوكة الإسلام ضد العدو الخارجي، وعالم ثالث عرف أن الساكت على الحق شيطان أخرس، فأعلن رفضه للاستبداد، وأعلن العصيان التام للملك الفاسد امتثالا لقول الله تعالى: ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وتمثل هذا الصنف في قومات آل البيت بتأييد من أئمة المذاهب الكبار كالإمام مالك وأبي حنيفة رحمهم الله جميعا، كما تمثل فيما بعد في مواقف علماء أجلاء لم تمنعهم وحشية الاستبداد في عهد الملك الجبري من الجهر بكلمة الحق والانبراء لتربية أجيال على خصال الإيمان وشعبه.

هكذا كان الانحطاط من أمرهم شورى بينهم إلى احتكار الأمر من قبل المسرفين ولا تطيعوا أمر المسرفين، من سياق الشورى الذي هو فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا، وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون، والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم، ومما رزقناهم ينفقون، والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون إلى مساق الاستبداد الذي هو بعبارة جامعة إسراف وإفساد في الأرض الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. هكذا كان الانحطاط من نبوة وخلافة راشدة إلى ملك عاض فجبري، فهل من صعود من جديد نحو المثال، نحو الشورى وسياقها الإيماني؟ هل من صعود من قدر الله الكوني إلى أمر الله القرآني؟