الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه

إلى المعتقلين الاثني عشر

سلام تام وبعد:

لا نخفيكم غيظنا وحنقنا الشديدين منكم، وأنتم تغادرون سجن بوركايز بفاس صبيحة يوم الأحد فاتح نونبر 2009، وقد كنا نُمَنِّي النفس إلى آخر دقيقة أن تبدلوا أو تغيروا أو –على الأقل– تُلَيِّنُوا من مواقفكم المتعنتة، كما فعل غيركم -وهم اليوم على رأس مؤسسات رسمية كثيرة- لكنكم لم تفعلوا.

نعترف لكم أننا فشلنا حقا في تَرْكِيعكم، رغم كل الأساليب التي اتبعناها معكم بدءا بالعنف اللفظي، والجسدي الذي نتفنن فيه، حتى أصبحت بلادنا محطة عبور لأعتى مجرمي العالم، حيث سجلنا نجاحا غير مسبوق في انتزاع اعترافات من إرهابيين فشلت في انتزاعها وكالات الاستخبارات العالمية، فعهدت بهم إلى كرمنا المفرط. دون أن ننسى ما عرضنا عليكم من مناصب وامتيازات يسيل لها لعاب الكثيرين، لكن لعابكم تجمد في حلوقكم، فأي صنف من البشر أنتم؟.

لقد جُنَّ من جُنَّ داخل سجوننا، وانتحر من انتحر، وأصيب بالاكتئاب من أصيب، فقلما يخرج منها أحد – خاصة من أصحاب الأحكام الطويلة – سالما معافى في روحه وبدنه، لكنكم أنتم خرجتم من سجوننا ومعكم شهادات عليا، وأمور أخرى نمسك عن ذكرها لأننا لا نعترف لكم بها على كل حال. هذا والله يزيدنا ضيقا في الصدر.

إذا كان يؤذينا ويحز في نفوسنا صمودكم هذا، فنحن فرحون جدا، إذ لم يتضامن معكم إلا حفنة من الناس، لم تتقاطر عليكم برقيات التهاني -كما كنا نتوقعه- إلا من أعضاء جماعتكم، إذ نجحنا في استعداء كل الطيف السياسي والديني عليكم، فلم يتضامن مع قضيتكم إلا عدد محدود جدا، يعد على رؤوس الأصابع، بل أحيينا تاريخ الصراعات في الجامعة بُعَيْد خروجكم. لم يتضامن معكم أحد خوفا وطمعا، خوفا من غضبنا وطمعا في الامتيازات التي نمنحها لمن يخدمون مشروعنا، حتى غدوتم لا بواكي لكم ولما نزل بكم.

إن الذي يزيد دهشتنا حقا أننا لم نستطع طيلة هذه السنين الظفر ولو بواحد منكم، جرت العادة ألا يصمد الجميع في السجون، والسجن يغير الأحوال والأذواق والتوجهات السياسية، يدخل السجن سبعة من تنظيم واحد، فيخرجون بسبع هيئات جديدة. لو نجحنا في استمالة واحد فقط، لَمَرَّغْنا أنف جماعتكم في الوحل، لكننا فشلنا مع كامل الأسف.

ها أنتم رأيتم كيف استطعنا أن نُفَبْرِكَ هذا الملف، ونلفق التهم، ونحكم عليكم بما أردناه دون أن يستطيع أحد أن يمنعنا من كل ما قمنا به، إذ لا نعير لأحد بالا، وفي الحقيقة فأنتم لم تكونوا إلا كبش فداء، دفعتم غاليا ثمن تَعَنُّتِ جماعتكم ومرشدكم: كنا نساومهم بكم، لكنهم لا يساوَمُون، وكنا نمني النفس أن تتحرك عاطفة الأبوة في شيخكم، فيلين عوده قليلا فقط مقابل إطلاق سراحكم، لكنه لم يفعل، وأعجب العجب أن أحدا منكم لم يَلُمْهُ على تعنت أَفْنَيْتُمْ بسببه زهرة أعماركم وراء القضبان، بل لازلتم تكنون له المودة والاحترام. أي صنف من الناس أنتم؟.

لقد نُظِّمَ لكم حفل مهيب يليق بالحدث، والمهم عندنا أنه لم يفتح للعموم، ولم تحضره وسائل الإعلام، وإلا كنا اقتحمناه بالقوة، لأننا لا نهتم لفرح أحد ولا لحزنه. ولقد قلتم في حفلكم فينا ما لم يقله مالك في الخمر، واستوقفنا كثيرا صوت منشدكم يتغنى بالخلافة، وبالرشد يخلف الجبر، وبالتمكين وكسر القيود، نفس المصطلحات ترددونها دائما.

لقد قمنا بطي صفحة الماضي، وعوضنا ضحايا سنوات الرصاص، وأصبحت لنا مؤسسات تعنى بحقوق الإنسان، ومن الإنصاف أن نعوضكم أنتم أيضا، لكننا صنفناكم وصنفكم الجميع -بإيعاز منا- ضمن سجناء الحق العام رغم أن ملفكم سياسي بامتياز. لا نفكر في تعويضكم، لكننا نفكر جديا في السماح لكم بولوج سوق الشغل خاصة وأن منكم حملة للدكتوراه، نفكر جديا في هذا الأمر، لكننا نحتاج إلى وقت لنرى ما يمكن أن نفعله.

لدينا رسائل أخرى كثيرة نريد أن نبلغكم إياها، لكننا نكتفي بهذا القدر في هذا المقام، إذ يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، وخير الكلام ما قل ودل، وفي الختام، ورغم ما قلناه آنفا، نعترف لكم أننا نحترمكم كثيرا ونقدركم أكثر، ونخلع قبعاتنا إجلالا لكم، لقد كنتم رجالا حقا، وعظماء فعلا، لكننا نحن نحن وأنتم أنتم.

والسلام