1. مقدمة لا بد منها

إننا حين نتحدث عن عمل نقابي في ظل قبضة استبداد شاملة لابد من الانتباه إلى البعد السياسي في السلوك النقابي؛ فأي تحرك مهما كانت درجته ومستواه النضاليين يأخذ بعدا سياسيا من جهة نظام/دولة الاستبداد. لذلك سيكون من العبث والبلادة النضالية أن لا تنتبه النقابة وكوادرها لهذا البعد حين التعاطي مع القضايا النقابية والنضالية.

ومعنى هذا أن مع قبضة الاستبداد السياسي والاجتماعي تشكل علاقة النقابي بالسياسي معضلة بالغة التعقيد يحصل تجاوزها بالوعي السياسي الضروري لدى الممارس والقيادي النقابيين، وهو ما يعني حتما ضرورة توفر هذين الأخيرين على وعي كاف من المستويات التالية:

أ-الوعي الدقيق بالنظرية السياسية التي يتبناها بحيث أن النظرية السياسية أداة ضرورية في توجيه الممارسة، لأنها تزود بالكفاءة العلمية والعملية المتكاملة للربط بين المفاهيم السياسية والممارسة، ومن دونها يكون الارتباك الاستراتيجي الذي ينعكس مباشرة على الأداء النقابي اليومي؛ إذ نلاحظ أن كثيرا من الممارسين لما يفتقرون إلى هذا المستوى من الوعي يكونون ضحايا تصرفات نقابية ولو كانت على حسن نية.

إن النظرية السياسية وسيط ضروري للنخبة المناضلة بين المشروع الكلي والبرنامج المرحلي عبر الخط السياسي الذي يشكل مضمون الإستراتيجية السياسية.

ب-الوعي الدقيق بالإستراتيجية السياسية التي ينخرط في تنفيذها الممارس والقيادي النقابيين. ذلك أن عدم التوفر على هذا المستوى من الوعي يؤدي حتما إلى الغموض الشديد في أفق الممارسة النقابية، كما يربك أداءها اليومي والمرحلي، والأخطر من ذلك أن غياب الإستراتيجية السياسية أو غياب الوعي الدقيق بها يجعل الممارس ضحية استراتيجيات أخرى، وفي البلاد التي تحكمها أنظمة استبدادية متمرسة يصير حتما في قبضة استراتيجياتها الحادة والقاتلة.

ت-الوعي بالنظرية النقابية التي يتبناها الممارس والقيادي النقابين، بحيث إن النظرية النقابية هي مستوى تفصيلي للنظرية السياسية في المجال النقابي وتزودهما بمفاهيم دقيقة وكفاءة في الربط بين هذه المفاهيم النقابية والممارسة.

إن الممارس والقيادي النقابيين ليسا من عموم الناس ليكتفيا بمستوى الفهم للمشروع الكلي وحركته وبتبنيه وتأييده فقط، بل هما مكونان طليعيان في حركته، أي المشروع، ومن ثمة يجب عليهما أن يمتلكا النظرية الضرورية التي تحتضن وتوجه ممارستهما اليومية والبرنامجية.

فالنظرية النقابية وسيط ضروري بين النظرية السياسية والممارسة النقابية عبر وعي نقابي متكامل خادم للإستراتيجية السياسية.

ج-الوعي النقابي الذي يمكن الممارس والقيادي النقابيين من إنجاز المهام بتنفيذ خطوات بنائية في اتجاه تحقيق الأهداف والمطالب النقابية القريبة.

فالوعي النقابي كفاء ذهنية وفكرية ضرورية لجعل أي خطوة نقابية ونضالية في سياق بنائي مستمر تصير العمل النقابي كله لبنة فوق لبنة.

2. واقع العمل النقابي

يلاحظ خلال العقود الأخيرة تراجع الأداء النقابي من حيث بعده النضالي الشمولي إلى مواقع متخلفة ومجزأة بالمقارنة مع واقع الظلم والحيف الذي شمل كل فئات المجتمع؛ خاصة المأجورين والعمال والطلبة والتلاميذ والكسبة والفلاحين الصغار وغيرهم، بل قد مس الطبقة المتوسطة وجعلها في حيرة وارتباك شديدين؛ إذ كثير منها صار مهددا بالفقر والكساد، كما يلاحظ عجز القوى السياسية عن بلورة إستراتيجية نضالية تجعل النقابات قوة اقتراحية ومانعة من تدهور الأوضاع الاجتماعية وتحافظ على خط النضال المجتمعي بناء على نواة قوية تحول دون تمادي قوى الفساد والاستبداد والاستغلال والخراب في اختراق بنى النقابات والعمل النقابي وتمزقهما وتفتتهما.

نعم، هناك تفاسير عديدة لهذه الوضعية المتخلفة تشترك، في الغالب، في كون واقع العولمة بكل إمكاناته السياسية والاقتصادية والمالية والفكرية والثقافية والاجتماعية والعسكرية، وغيرها، أدى إلى تقوقع العمل النقابي، إذ لم تكن النقابات مؤهلة لخوض المعركة المناسبة لهذا التحدي العولمي فكريا ونضاليا وهيكليا وتنظيميا..، حيث كانت المفاجأة السريعة في انهيار المعسكر الاشتراكي عامل إرباك شديد متزامن مع سرعة امتداد التوجه اللبرالي بكل صوره، خاصة المتوحش منه، وبطء تصاعد قوى دولية جديدة تدفع في اتجاه توازن العلاقات الدولية.

لقد حصل كل ذلك بين يدي واقع تواصلي كثيف ومُتَحَكَّم في مصادره الإعلامية والمعلوماتية الأساسية، وهو ما أفرز تحالف العامل الذاتي السلبي في كليته مع العامل الموضوعي المحاصر للعمل النقابي، فكانت النتيجة انكماش هذا الأخير في كل المجالات، مما أدى إلى حيرة شديدة في تحديد الخط النضالي المناسب للمرحلة التي من مظاهرها بروز فكرة الاشتغال من خلال جمعيات المجتمع المدني بما هي ظاهرة جديدة، والرهان على البعد والدعم الدوليين في الباب وإن كان رهانا جزئيا، كما هو شأن مناهضة العولمة عبر تسجيل احتجاجات في مدن أوربية وآسيوية وأمريكية وغيرها.

إن النقاش الواسع بين مكونات اليسار، عموما، في موضوع العمل النقابي والنضال المجتمعي بناء على المعطيات الذاتية والموضوعية التي عليها اليسار محليا وإقليميا ودوليا، وبناء على تجاربه المتعددة، يؤشر من حيث موضوعاته إلى نوع الأزمة وأبعادها في ظل المخاض الشديد الذي يعرفه العالم وعلاقاته مع تمادي الهيمنة العولمية من يحث الفكر والاقتصاد والمال والتجارة والصناعة والتواصل، وغير ذلك.

لنترك اليسار يفكر في هذه المعضلة بناء على تاريخه ورصيد خبرته في النضال النقابي ومزاولة الحكم في بلدان عديدة حتى تكتمل عنده الصورة وتتحدد له الفكرة ويجيب عن سؤال استمرار تمزقه وضعفه العالمي خاصة في معاقل اللبرالية وفي حواشيها من الدول العربية والإسلامية، وكيفيات تعامله مع المستقبل المنظور مع القوى الصاعدة من قبيل الصين والهند والنهضة الإسلامية العامة وما إلى ذلك.

لنترك هذا، إذ يتصدى له مفكرون كبار من أوروبا وأمريكا خاصة، ولنقف نحن في المغرب عاكفين عن الجواب عن السؤال المركب المطروح بقوة وإلحاح: لماذا هذا الانكماش في العمل النقابي، وما السبيل إلى الخروج من الانتكاسة الكبرى التي يعيشها؟ بل السؤال: هل هناك ضرورة لهذا؟

3. تَغَيُّر الأداء من تَغَيُّر الموقف وتغير الموقف من تَغَيُّر الموقع

لم يسرقنا بريق التفكير اليساري الذي آل إلى الذبول حول قضية العمل النقابي، ولا نستعمل مفهوم “النضال” هنا استعمالا أعمى وجافا، بل نضع مسافة فارقة كاشفة عن مدى الاختلاف وجواهره وإن كانت الاستفادة منه لا ينكرها إلا جاحد.

ننتقل معا وبسلاسة إلى دلالة جديدة لهذا المفهوم حيث سننقله من سياق إلى سياق آخر يفتح له أفقا حركيا واسعا مهما كانت العقبات اليوم، ليظهر بجلاء أنه، وعلى الرغم من مستوى الضعف القائم في مجالات العمل النقابي، وعلى الرغم من مستوى الضعف المجتمعي المعيش، فالجميع أمام لحظة تاريخية حاسمة في تحديد الموقع والموقف الذي ينبغي أن تبنى على أساسهما الحركة النقابية والوعي النقابي والنقابة.

فقد شهد العالم، ومنه المغرب، امتدادا قويا للحركة النضالية النقابية منذ أواسط القرن العشرين؛ فشملت جميع قطاعات المجتمع وأعطت زخما هائلا للحركة الحزبية والحياة السياسية، وساهمت في صناعة الوعي النقابي والنضالي على أسس التجربة اليسارية بكل مدارسها وفعالياتها. ولا شك أن عوامل دولية ساعدت في ذلك، فتحركت النقابات بقوة -على ما اعترى حركتها هذه من نواقص تصورية وحركية واستراتيجية ساهمت في انتكاستها مرات عديدة- حتى شكلت هاجسا، بل تهديدا للأنظمة السياسية الاستبدادية، إلى أن وصلنا إلى تسعينات القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين ليتم حصار العمل النقابي حصارا شاملا تجلى في التالي:

1- انخفاض المنسوب النضالي للنقابات، وتراجع أثرها السياسي، حيث تشرذمت تنظيميا وهيكليا وميدانيا.

2- ضمور في المنتوج الفكري النقابي الذي يمكن النقابة من مغادرة أنفاق الأزمات إلى آفاق العمل المجتمعي الذي يضمن لها التدفق العملي وفق إستراتيجية فكرية ونضالية واضحة، إذ اكتفت أغلب الكتابات المباشرة للموضوع بتوصيف الأزمة النقابية وتسطيح عواملها الرئيسية.

3- انخفاض في حجم العضوية وظهور عدم الانضباط والانخراط النضاليين في أغلب النقابات.

4- غياب كوادر قيادية متعددة ومتنوعة وفاعلة في الميدان تستطيع أن تجمع بين وظيفة القيادة الإستراتيجية ومهمة التعبئة المستمرة، مما جعل الأعضاء عرضة لضغط الواقع وإكراهاته السياسية والاجتماعية والمالية والاقتصادية وغيرها، وهو ما فتح الباب أمام الانتهازيين والوصوليين ليتحكموا في مستويات قيادية مؤثرة في الأداء اليومي للنقابة وفي علاقاتها الداخلية والخارجية.

5- عدم اكتراث القيادات السياسية بأهمية العمل النقابي في البناء المجتمعي والسياسي، والاكتفاء بالتعامل الانتخابوي مع البناء النقابي. وهو ما شكل مدخل الهروب من تبعات العمل النقابي في اللحظات الصعبة، والاكتفاء بعلاقات غامضة مع النقابة ومطالب أعضائها وقواعدها مع هيمنة منطق الإقصاء والتهميش بمعيار الانتماء الحزبي لا بمعيار الكفاءة والجدية والصدق العملي.

6- انخفاض المنسوب النضالي للحركة الطلابية والتلمذية بما هي مصدر مهم في تزويد المجال النقابي لدى الفئات الأخرى بالشحنة النضالية المتدفقة وعيا وفهما وخبرة وممارسة.

7- عدم نشر وعي مناسب في صفوف الجماهير لتدرك أهمية العمل النقابي. وقد ساهم في هذا عوامل كثيرة؛ منها القمع المستمر والخوف المزمن والانتهازية الحزبية وعقليتها الضيقة المضافة إلى العوامل الذاتية السلبية لدى النقابة والنقابية السائدين.

8- تمزيق مجالات العمل إلى وحدات صغرى مبعثرة حركيا ونضاليا مما عقد عملية التنسيق النقابي.

9-تمزق القوة النقابية إلى نقابات صغرى مبعثرة جغرافيا وفكريا ونضاليا.

إن هذه التجليات تؤكد أن النقابة في وضع مترد وفي حالة شلل شبه كامل. وهو ما جعل العمل النقابي في المغرب أمام خيار الذهاب مع المعطى الجديد الذي فرضته الهيمنة العولمية وضغطها الشديد في اتجاه تغيير دلالات مفهوم النضال ليحمل معان مناسبة ومنسجمة مع مقتضى هذه الهيمنة بحيث يتخلى النقابي عن البعد المطلبي النضالي الكثيف والقوي ويكتفي بنضال هامشي ومواقف غير مؤثرة؛ من قبيل أنواع الاحتجاجات التي سنمر على بعضها بَعْدُ بتركيز، أو خيار البحث عن مسلك نقابي جديد يستطيع أن يساهم بقوة في إعادة بناء المجتمع وأنظمته بما يكفل واقع العدل والحرية والكرامة.

فما نلحظه اليوم تحول جوهري في الأداء النضالي للنقابة وقصور كبير في الفكر النقابي الذي ينبغي أن يتصدى لهذه المعضلة ويعالجها بما يضمن الامتداد النضالي السليم. ولعل أكبر دليل على هذا التحول، في الوقت الذي انكمش العمل النقابي وتراجع دور النقابة وتقلصت قيمتها المجتمعية، بروز أنواع من الاحتجاج من خلال توظيف جمعيات المجتمع المدني الصغيرة. ولا يخفى أنه في جميع الأحوال لن يكون حجم جمعية من جمعيات المجتمع المدني، من الناحية العملية والبشرية والنضالية، في مستوى أو فوق مستوى النقابة، خاصة لما تصل النقابات إلى درجة كبيرة من التنسيق أو التحالف لأجل النضال على أرضية مشتركة واضحة وعملية.

فالقبضة الاستبدادية التي استطاعت أن تتحكم في مفاصل بناء المؤسسة المجتمعية، وتحافظ على تفتت المجتمع وفسيفسائيته، وتتحالف مع المعطى الدولي الهاجم من خلال عولمة متوحشة من حيث إرادتها الاستعمارية والاحتكارية، جعلت أغلب إرادات الغضب والتغيير، خاصة لدى اليسار، تتحرك من خلال الجمعيات المدنية الصغيرة وتخوض معارك هامشية جدا، بل يمكن الجزم أن هذا السلوك في بناء الاحتجاج المدني تغيير كلي لموقع النضال؛ أي من موقع النضال النقابي والمجتمعي الشامل إلى موقع النضال الجزئي الذي يستهلك طاقات وجهود هائلة دون أن يكون مستوى المردودية مواز، ولو استراتيجيا، لمستوى التضحيات، حيث تهدر جهود كبرى لأجل موقع صغير وهامشي ولأجل أهداف محدودة تتحكم في آخر المطاف القبضة الاستبدادية في مداها وسقفها سياسيا وقانونيا وأمنيا وعمليا.(مدونة الشغل، قانون الجمعيات، قانون الأحزاب….)

ويمكن رصد محاور هذا النوع من الاحتجاج الهامشي في التالي:

– الاحتجاج ضد الفقر.

– الاحتجاج ضد غلاء الأسعار.

– الاحتجاج ضد البطالة.

– الاحتجاج الحقوقي.

– الاحتجاج ضد التدهور الأمني.

وهو ما سنعاجله في ما هو آت من حلقات. بحول الله تعالى وقوته.