أجرت مجلة “مغرب اليوم” حوارا مع الدكتور محمد منار، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية، حول المشروع المجتمعي والبرنامجي عند جماعة العدل والإحسان، وعموم الإسلاميين، نعيد نشره تعميما للفائدة.

سؤال:

ما ردك على من يتهم التنظيمات الإسلامية بأنها تمارس نوعا من الرقابة الأخلاقية على المجتمع دون أن تقدم الحلول البديلة للمشاكل المطروحة سياسيا اقتصاديا واجتماعيا؟

جواب:

أظن أنه أصبح واضحا اليوم أكثر من أي وقت مضى أن الحركة الإسلامية بالإضافة إلى امتلاكها لبرامج دعوية وتربوية تمتلك مشاريع سياسية. فالعديد من التنظيمات الإسلامية داخل المغرب وخارجه عبرت عن مشاريعها السياسية في شكل أوراق ومبادرات وبرامج واضحة المعالم، لذلك فالباحث الموضوعي والمتتبع المنصف للحركة الإسلامية عن قرب من الصعب جدا أن يستنتج افتقاد الإسلاميين لمشاريع وتصورات سياسية. قد تكون هناك بعض الملاحظات والانتقادات لتلك المشاريع والتصورات وهذا أمر طبيعي لا ينطبق فقط على الإسلاميين، فكل المشاريع السياسية عليها ملاحظات، وتلك الملاحظات تختلف باختلاف الاقتناعات وباختلاف زوايا النظر.

من هذا المنطلق ينبغي أن نقيم حضور المسألة الأخلاقية في مشاريع وبرامج الإسلاميين. وحتى يكون تقييمنا موضوعيا ينبغي أن نطرح بعض الأسئلة، من مثل: هل لا يوجد في مشاريع وبرامج الإسلاميين إلا المسألة الأخلاقية؟ وهل فعلا يتم اختزال كل القضايا الأخرى، و ما تطرحه من تعقيدات وتحديات، في القضية الأخلاقية؟ بصفتي متتبع عن قرب للحركة الإسلامية أجيب عن تلك الأسئلة بالنفي، رغم ملاحظاتي على بعض الحلول والاقتراحات التي يقدمها بعض الإسلاميين. فالتركيز على أمر من الأمور لا يعني اختزال كل الأمور في ذلك الأمر. الإسلاميون حين يركزون على الأخلاق في دعوتهم وبرامجهم يفعلون ذلك انطلاقا من مرجعيتهم الإسلامية التي تحث على الفضيلة وتوصي بمكارم الأخلاق، لكن ذلك لا يعني أننا سنتغلب على الصعوبات السياسية والتحديات الاقتصادية والانتظارات الاجتماعية بالأمانة والصدق والورع فقط. هذا جزء ضروري من المعادلة، لأن الإدارة الصالحة أساسها ناس صالحون، وكذلك السياسة والاقتصاد والتعليم، لكن الجزء الآخر من المعادلة والذي لا يقل ضرورة هو الكفاءة واليقظة والاحترافية والحساب الموضوعي والخبرة والاستفادة من تجارب الأمم . والمتتبع للحركة الإسلامية يلاحظ اهتماما متزايدا بهذا الجزء الثاني، بل أقول أن من بعض الانتقادات التي أصبحت توجه لبعض الإسلاميين هي الاهتمام المتزايد بهذا الجزء الثاني على حساب الجزء الأول. ولك أن تطلعي في هذا السياق على بعض كتابات فريد الأنصاري رحمه الله.

سؤال:

ما هي أهم ملامح المشروع المجتمعي والاقتصادي والسياسي لجماعة العدل والإحسان؟ وما هي رؤية الجماعة لحل بعض المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للمملكة؟

جواب:

للتدقيق أقول أن المشروع المجتمعي هو شيء آخر غير البرنامج. أقول هذا لأن هناك خلط كبير بين المفهومين وهما مختلفان تماما. فالمفترض في المشروع المجتمعي الإجابة عن أسئلة فلسفية كبرى تبين نوع وشكل النظام الاجتماعي الذي تريد حركة اجتماعية ما تحقيقه في المستقبل. من هذه الأسئلة الكبرى مثلا: ما معنى الإنسان؟ وما مصيره؟ أي مجتمع؟ أي إنسان؟ أية حوافز؟ أي تضامن؟ أية أفكار؟ أي نظام عمل؟ أي شكل حضاري؟ أي أسلوب؟ أية وسائل؟

وأنت إذا رجعت إلى أدبيات الجماعة، خاصة كتب الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، تجدين محاولات للإجابة عن هذه الأسئلة الفلسفية الكبرى، تجدين الحديث عن مجتمع الإسلام، مجتمع الأخوة، أو المجتمع التضامني كما يسميه جارودي، وتجدين أن الإنسان في نظرة الإسلام مخلوق كرّمه الله تعالى وجعله محل نظره في الكون وبعث إليه الرسل لهدايته، وفي المجتمع الأخوي تكون الحوافز الإيمانية في المقام الأول، والتضامن يكون على أساس الولاية بين المسلمين وعلى أساس العدل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والقضائي، والصفة المميزة للحضارة الإسلامية هي النظافة العامة، نظافة الذمم ونظافة الناس والمدينة والأشياء، وتجدين أن الأسلوب الإسلامي رفق في غير ضعف وقوة في غير عنف… في كتابات الجماعة تجدين توضيحا بكثير من التحليل لتلك القضايا، لكن في المشروع المجتمعي لا يكون الخوض إلى أبعد الحدود في التفاصيل الجزئية، نجد فقط تحديدا للمنطلقات ورسما للأفق المنشود، لتأتي بعد ذلك البرامج من أجل التفصيل. والذي لا يعرفه الكثيرون عن جماعة العدل والإحسان أنها بالإضافة لامتلاكها لمعالم عامة لمشروع مجتمعي مغاير للنظام الاجتماعي القائم، وأفتح قوس لأقول أني قرأت منذ سنوات على الصفحة الأولى لجريدة الاتحاد الاشتراكي مقالا لمحمد سبيلا يدحض فيها دعوى امتلاك الأحزاب السياسية لمشروع مجتمعي، وذلك بحجة أن مختلف تلك الأحزاب تنطلق في وضع برامجها من داخل النظام الاجتماعي القائم وليس من تصور مستقبلي للمجتمع، فهي لا تمتلك-حسب سبيلا دائما- إلا تعديلات وتقويمات للنظام الاجتماعي القائم. أغلق القوس لأعود إلى العدل والإحسان، وأقول أننا لا نكتفي بتلك المعالم العامة للمشروع المجتمعي، وإنما نحاول تصريف ذلك وتنزيله من خلال برامج، ويمكن الحديث عن ثلاثة أنواع من البرامج، هناك البرامج الدعوية العامة، وهناك برنامج المعارضة الشرعية الذي يتم تصريفه من خلال مبادرات ومواقف تعارض النظام السياسي في الجوهر وليس فقط في الأشكال، وهناك برنامج القوة الاقتراحية الهادئة، وفي هذا النوع الأخير يأتي تحديد بعض الحلول والاقتراحات، وأقول لك أن الجماعة تولي هذا النوع الأخير من البرامج أهمية خاصة، وهناك اشتغال دائب ومتواصل على هذا المستوى، وفق رؤية واضحة وبنيات تنظيمية محددة، وكان يمكن أن يعرف الرأي العام الكثير عن بعض الاقتراحات التفصيلية التي تقدمها الجماعة في شتى المجالات من خلال مركز بن خلدون للدراسات والأبحاث الذي حاول أطر الجماعة تأسيسه سنة 2005 ومنعته السلطة.

فهناك اشتغال متواصل على عدة محاور يصعب التفصيل فيها من خلال تصريح مقتضب. لكن على العموم أقول أننا نركز في معالجتنا لمختلف القضايا على مدخلين أساسيين، أولا: المدخل التربوي والثقافي لأن كل الإصلاحات وكل المبادرات تقوم على الإنسان، وإذا لم يكن هذا الإنسان أمينا وكفأ ومدربا لا يمكن أن ننتظر أي إصلاح من أي نوع، فمريض النفس أنَّى يكون شفاء لغثائية المجتمع ولخموله وهو حامل للجرثومة بين جنبيه. ونحن نلاحظ في المغرب سن العديد من القوانين المتقدمة والقيام بالعديد من المبادرات الهامة، لكن تلك القوانين وتلك المبادرات ظلت حبيسة مقاربات قانونية وتقنية جزئية، وبالتالي ظلت محدودة النتائج، بل أحيانا أدت إلى نتائج عكسية لأنها لم تهتم بالسياق التربوي والثقافي. أسألك مثلا هل تحققت حياة حزبية سليمة من خلال قانون الأحزاب؟ لعل في انتخابات 7 شتنبر 2007 وانتخابات2009 وانتخاب رئيس مجلس المستشارين جواب على ذلك، وهل يستطيع المغرب القضاء على الرشوة فقط من خلال إحداث قانون أو مؤسسة لذلك، وكذلك الأمر بالنسبة لحوادث السير وغيرها. المدخل الثاني الذي يوازي المدخل الأول هو المدخل الدستوري والسياسي، وفي هذا الصدد تعلن العدل والإحسان بدون مواربة أنها تريد الانتقال من دستور الحاكم إلى دستور الأمة، الانتقال من الدستور الذي يتمحور حول مؤسسة واحدة إلى دستور المؤسسات حقيقة وفعلا. وهناك عدة اقتراحات تفصيلية في هذا الشأن من قبيل التأكيد على أن كل سلطة تنتج مسؤولية وكل مسؤولية يمكن أن تعرض صاحبها للمحاسبة والمساءلة، والنص عل تساوي الجميع -أقول الجميع- أمام القانون، وتوسيع صلاحيات الوزير الأول واعتباره سلطة رئاسية ليس فقط سلطة تنسيقية، وجعل الحكومة هي المسؤولة الوحيدة عن تنفيذ السياسة العامة، وتوسيع صلاحيات البرلمان التشريعية والرقابية، والتنصيص على أن القضاء سلطة مستقلة، القضاء وليس القضاة كما ذهب إلى ذلك عبد الواحد الراضي، والنص على أن الإسلام هو المرجعية الأولى للتشريع…

والعدل والإحسان تقترح كأساس لهذين المدخلين ميثاق وطني تشارك فيه كل القوى المجتمعية التي تريد الخير لهذا البلد وتتطلع لمستقبل أفضل. فمعضلات المغرب أكبر من أن يتحملها طرف واحد مهما كانت قوته التنظيمية والاقتراحية.

المصدر: مجلة مغرب اليوم، العدد 49، يناير 2010.