في نهاية القرن 19 وبداية القرن العشرين، كانت الدول الغربية قد اجتاحت معظم الدول المسماة اليوم دول العالم الثالث – وضمنها العالم العربي والإسلامي – وارتكبت مجازر بعضها كان فظيعا، كما عمدت إلى استضعاف مواطني هذه الدول ونهب خيرات بلدانهم لعشرات السنين، وأقامت دول الغرب حضارتها على هذا الاستغلال كما استفادت من اليد العاملة لهذه الدول المستضعفة من أجل قيام عمرانها المادي. وقد ووجه الاحتلال الغربي بمقاومة قوية انتهت بجلاء هذا الاحتلال عن هذه البلدان، لكن مع العمل على إحلال نظم محلية لها أوجه تبعية في معظمها لهذا الغرب وتشترك في الطابع الاستبدادي لبنيتها وحكامتها. كما تميزت فترة الاحتلال بإشراف الغرب – وبريطانيا بشكل مباشر- على تشريد ملايين الفلسطينيين من أرضهم وتسليمها إلى الكيان الصهيوني الذي تم استنباته بطريقة قيصرية نشاز في أرض ومحيط غريبين عنه عرقا ودينا وثقافة.. وفي عالمنا العربي والإسلامي استبشرت الشعوب خيرا بعد جلاء الاحتلال في أواسط القرن 20، وكان الأمل يحدو الأمة في التحرر الكلي وبناء دول مستقلة ديمقراطية وعادلة وقوية تمهد الطريق لاسترداد الحق الفلسطيني الذي استمر في الهدر واستمرت معه مأساة الشعب الفلسطيني في أرض فلسطين في سياق التهجير الداخلي كما في الشتات لكن المعاناة استمرت بشكل آخر، فقد تواصل الاستثمار الغربي لخيرات الدول المستضعفة بطرق جديدة ومختلفة. كما تبخرت، مع مرور السنين الآمال التي كانت معقودة على استقلال الدول القطرية، فدخلت هذه الدول في قلاقل داخلية عرفت سفك مزيد من الدماء. وقيام الأنظمة المستبدة بنهج سياسة قمع وظلم وتحجير على الحقوق والحريات العامة بمباركة من الدول الغربية التي تضع اعتبارا واحدا في علاقتها الخارجية، هو اعتبار المصلحة المغلفة بالأنانية المفرطة في السيطرة واستغلال الآخرين، بعيدا عن الشعارات المسوقة إعلاميا كالديمقراطية وحقوق الإنسان… وكنتيجة أيضا لتقسيم الاحتلال للدول التي استقلت عنه عسكريا نشبت نزاعات سياسية وعسكرية بين معظم هذه الدول، وكذا بداخل الدولة الواحدة في بعض الحالات، غض الغرب الطرف عنها أو استغلها بمختلف الطرق قصد تثبيت الخدمة الدائمة لمصالحه ولهيمنته.

بل عمد في حالات إلى التدخل العسكري المباشر من أجل تثبيت وضع رسمه مسبقا كتدخله في الصومال ولبنان والعراق وأفغانستان وفي بعض الدول الأمريكية الجنوبية.

إن هذا العنف الذي استعمله الاحتلال في حقبته الأولى، والعنف الذي استعملته الأنظمة التي عقبت جلاء الاحتلال ضد المعارضين والمستمر إلى الآن، والعنف الذي استعمله الغرب، وما يزال، في عملية الاحتلال ومحاولة الاحتلال المعاصرة، واستمرار العنف ضد الشعب الفلسطيني من قبل الكيان الصهيوني المدعوم من الغرب… إن كل هذا العنف والظلم بسنواته العجاف، قد ولد ردود فعل قوية ذات أشكال مختلفة وفي مجالات متنوعة منها التعبئة النفسية والسياسية الجماهيرية ضد الهيمنة الغربية وضد الظلم المحلي الذي تدعمه هذه الهيمنة أو تسكت عنه، ومنها مقاومة مسلحة مشروعة كسرت معادلة مشوهة كانت دائما تعطي الحسم للقوة العسكرية عدة وعددا وأحيت المعادلة التي حررت البلدان العربية والإسلامية أثناء الحقبة الاستعمارية وأعطتها نفس السرعة وإرباك العدو. فبعد ما كان انطلاق عمليات المقاومة يتطلب وقتا نسبيا أطول، أضحى في المقاومات المعاصرة عملا سريعا كما حدث في العراق بعد الغزو الأمريكي في 2003 وكما حدث في أفغانستان بعد 2001 وكما حدث في ردع العدو في حرب يوليوز 2006 ودجنبر/يناير 2008-2009.. هذه المعادلة المقاوِمة تدخِل مع عاملي العدة والعدد عوامل أخرى حاسمة منها عامل الحرب النفسية، وعامل التعبئة الصفية للمقاومة والجماهيرية للأمة، وعامل قوة الإرادة والاقتحام المنبثقة من الأساس العقدي الفكري والروحي لمرجعية القضية ولمدى الانخراط في خدمتها والاستعداد للموت من أجلها، وهذا الأساس في المقاومات المعاصرة في العراق وأفغانستان ولبنان وفلسطين تمثله عقيدة الإسلام ومنهج الإسلام والإيمان الذي يجعل من عشق الشهادة أسمى ما يحرص عليه المقاوم، مقابل الحرص على الحياة الذي يمثل أسمى ما يتعلق به الجندي المعتدي المحتل! من المومنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.

لقد اكتسبت هذه المقاومات مشروعية لا نزاع حولها وسط الأمة وحتى في أوساط المنصفين في الغرب، ولم تستطع محاولة الاحتلال إلصاق “الإرهاب” بهذه المقاومات أن تصمد أمام هذه المشروعية.. لكن عنفا تطاير كالشرر في مواجهات بينية داخل البلاد العربية والإسلامية، وامتد إلى البلاد الغربية أساء في بعض المواطن للمقاومة الشريفة، وأدخل مناطق أخرى في عالمنا العربي والإسلامي إلى ما يشبه حروبا أهلية خلفت جراحات وآلاما ومعاناة لا تزال مستمرة، كما أعطى الذريعة للدول الغربية كي تحكم قبضتها على مناطق حيوية وولد عنفا مضاعفا للقوة العسكرية الغربية خصوصا عندما توافقت مع نماذج قيادية ذات خلفيات عقدية واقتصادية عنصرية وتسلطية (مثل بوش وتشيني ورامسفيلد وأمثالهم..) طبعا هذا العنف المضاعف لن يتوقف هو بدوره بل يولد عنفا مضادا أيضا وهكذا دواليك.. والنتيجة خلط الأوراق في كل اتجاه وإعطاء المبررات للتدخل المباشر ولدعم الغرب للأنظمة الاستبدادية عندنا في المنطقة، ولتأجيل كل حديث عن التغيير والإصلاحات الديمقراطية في الوطن العربي والإسلامي… صحيح أن منطلق الشرر هو القمع الذي تعيشه الشعوب العربية والإسلامية والاستبداد المطلق من جهة، والظلم الفظيع الذي تمارسه بعض القوى الغربية في منطقتنا إما بشكل مباشر أو بدعمها لهذه الأنظمة وللكيان الصهيوني المحتل لفلسطين من جهة أخرى، والذي دفع إلى ردود فعل مندفعة وبدون اتجاه، لأن هؤلاء الأفراد والمجموعات الذين يقودون اليوم العنف المضاد الموجه للأنظمة ولبعض الدول الغربية، إن هؤلاء لو وجدوا بيئة شورية وديمقراطية وعادلة تحترم حقوق الأفراد والحريات العامة لما اضطروا أصلا للخروج على أنظمتهم وقتال من حالفها.. قلت صحيح أن هذا كان منطلق الشرر، لكن ومراعاة لمبادئ الحكمة وترتيب الأولويات وبعد النظر والوعي والنضج السياسيين وترجيح المصالح العامة اللاحقة للأمة، كل ذلك كان يحتم ويحتم الآن وفي المستقبل اجتناب العنف والاقتتال داخل الأمة واجتنابه أيضا خارج المناطق المحتلة وتحمل المسؤولية في “المقاومة السياسية” داخل البلاد العربية والإسلامية بمواقف مبدئية وشجاعة تجعل من المواجهة المدنية الواعية والمتزنة (بأشكالها السياسية والتعبوية والتربوية والدعوية والحقوقية..) استراتيجية لتحقيق التغيير نحو الانعتاق من الاستبداد والظلم وإقرار مجتمع الشورى والديمقراطية والحريات العامة والاستقلال السياسي والتنمية الشاملة. وللأسف يمكن اعتبار تواطؤ أو سكوت نخبة معينة في البلاد العربية والإسلامية (علمية ودعوية وسياسية بالأساس) على ممارسات الاستبداد أنها شكلت عاملا مساعدا على تفجر العنف في أكثر من مكان وسط الأمة.

إن مصيبة العالم اليوم أنه أمام عنف مزدوج: الأول العنف “الحضاري المتمدن” الذي تقوده اليوم الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني ومن حالفهما والذي يسعى من خلال تهوره هذا إلى استمرار إحكام القبضة على العالم بكل الوسائل ولو تطلب الأمر العمل على اختراق بعض المجموعات العنيفة وتوظيفها لخدمة استراتيجيته الإقصائية الاستضعافية المهيمنة. والثاني “العنف المضاد” الذي يضرب بدون اتجاه ويعمق الانقسام الداخلي ويعطي المبررات لاستمرار الاستبداد وللتدخل الخارجي في المناطق الحيوية من أراضينا.

لقد ساد نوع من الأمل بعد انتخاب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية وكان من المتوقع أن تطوى الحقبة البوشية الحديدية الطائشة، ويحل العقل والتعقل وبعد النظر محل منطق الهيمنة ويتم العمل على إحلال عدالة دولية محترمة حقا وصدقا لحقوق الإنسان وحقوق الشعوب في الحرية والكرامة وردع كل هيمنة استكبارية..، إلا أن مسار العمل الذي سلكه الرئيس أوباما (محاطا وموجها من فريقه ولوبياته المهندسة لسياساته وقراراته) بعد مرور سنة لا يبشر بأي خير في هذا الاتجاه. ولم يتم إنجاز أي عمل يذكر حتى مجرد إغلاق سجن يضم عشرات من المعذبين وغير خاضع لأي قانون محلي أو دولي لم يستطعه السيد الرئيس، وما زال تهويد القدس مستمرا وغصب الأراضي (الاستيطان) مستمر وحصار مليون ونصف مليون شخص في قطاع غزة وراء جدر إسمنتية وفولاذية وفي وضع لم يشهد على مثله إجماع وسكوت “المجتمع الدولي” في أي حقبة مما سبق في التاريخ مازال مستمرا أيضا، وإرسال آلاف الجنود إلى أفغانستان واستمرار دعم الأنظمة المستبدة واستمرار الاستئثار والتمييز في مجال التسلح النووي.. كل ذلك يؤشر في المدى القريب والمتوسط على الأقل على أن الكلمة ما زالت لخيار الضغط على الزناد.. والضغط المضاد. ولا ندري متى يقتنع الغرب بأن منطق فرض الأمر الواقع عن طريق العمل العسكري قد وصل إلى الباب المسدود خصوصا بعدما حققته المقاومة في العراق وأفغانستان وبعد حربي يوليوز 2006 ودجنبر / يناير 2008/2009 واللتين، بالمناسبة، جاءتا إفرازا لحالة من الهبة المتقدة العامة في الأمة الرافضة لكل أشكال الاحتلال والاستضعاف والحاضنة للمقاومة، مهما حاولت القوى الاحتلالية استغلال واستثمار العنف الطائش وتوظيف مبرراته فلن تستطيع، بإذن الله تعالى، هزيمة المقاومة. وخير للغرب الآن وللعالم ولمستقبل الغرب والعالم أن يغير الغرب استراتيجيته ويعتمد مسلك الحوار والتواصل والانفتاح والتفاهم والتعاون في حل الإشكالات العالقة وتصفية الاحتلال على أساس إحقاق الحقوق الفردية والعامة والعدل السياسي والاجتماعي للجميع بدون تمييز أو إقصاء.

فهل يمكن أن يشهد العالم يقظة في الضمير تغير الاتجاه من مسار سفك مزيد من الدماء والإغراق في مزيد من المعاناة ونشر مزيد من الحقد بين الشعوب والحضارات.. إلى مسار أمن محلي ودولي يأخذ فيه كل ذي حق حقه ويعيش العالم من خلاله في أمان وتعارف وتعاون؟

نأمل ذلك من خالص قلوبنا. وإلا فإنه لا بد لمخاض التحرير والمقاومة أن يشق طريقه بكل إصرار وقوة إرادة نحو صبح التحرر والانعتاق من كل صور الاحتلال والاستبداد.

ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز .