ترك السادة زعماء الأحزاب السياسية بالمغرب قضايا الوطن والمواطنين بعيدا عن أجنداتهم السياسية ومشاريعهم الآنية والمستقبلية، وتهافتوا في سباق مذموم على من يظفر بصفة الحامل للمشروع الملكي في صورة تشكل أبشع مراحل الحضيض الحزبي بالمغرب، وتؤكد على صبيانية المشهد السياسي وميوعته بهذا البلد، وعدم قدرته على الرقي بنفسه عن خانة التفاهات والترهات، وعجزه على الاستجابة لتطلعات المواطن المغلوب على أمره، واستحالة التزامه بآليات الديمقراطية أو انضباطه لقواعدها القيمة وشروطها النبيلة.

فمن اليمين وما ملكت يمينه إلى اليسار بجميع نقاطه وحروفه، ومن الأغلبية المهادنة إلى المعارضة المساكنة، ومن كل لون سياسي معترف بقانونيته عند مراكز صنع القرار، الكل يدعي وصلا بمشروع الملك، والملك لا يقر لهم بذاك، والكل يسعى في جهد جهيد لامتلاك صفة تَتبَث بالواضح الملموس أنها لاتسمن ولا تغني من جوع، وفي المقابل لا تسمع أي صدى لتنافس قد يساهم ولو بشكل من الأشكال في التقرب أو الاقتراب من شعب مكلوم آمن بالديمقراطية كحل لخروج وطنه من أزمات ليلها كنهارها لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد، فجاءته التقارير من كل فج تبعده عن حيز التقدم لترجع به إلى سنوات قيل أنها انجلت مع أول ليلة من ليالي العهد الجديـد …

الكل إذن يخوض حربا بلا هوادة من أجل نعت ينعت به، حرب لا أخلاق تتخللها، ولا خصالا حميدة تضبطها، ولا معايير تحترم في صولاتها وجولاتها، وعورات الوطن تستنهض همم كل محارب شريف ليسترها فلا تجد بين الجنود والمحاربين الجدد من يملك أو يكتسب الهمة العالية ليقدم مشروعا متكامل الأطراف والجوانب يكون كافيا لعملية الستر، بل ولا تجد في هؤلاء المحاربين من يذكر نفسه أو غيره بأن هذا الوطن أمسى غريب الشكل ينفرد بغرابته عن باقي بلدان الكرة الأرضية، فهو وطن حكومته صورية ومعارضته شكلية، وصناديق اقتراعاته عبثية منعدمة التأثير، وقضاؤه بالزبونية والمحسوبية أحكامه تنطق، وتعليمه على مواثيق غربية لا تتوافق وبيئته التكوينية يقوم ويستوي، وصحته معلولة تبحث عن أدوية لعلل شتى، وعمرانه يصبح صعيد جرزا بعد كل زخة مطرية أو هزة أرضية خفيفة. وأيضا لن تجد مع هؤلاء المحاربين ولا بينهم من ينبههم في ساحة المعركة بوضعية هذا الشعب الذي تاه بين أرجاء الوطن في حيرة تعلوها المرارة، تعترضه خيبات الأمل حيثما ولى وجهه، وتمتهن كرامته فلا يجد من يذود عنها، وتبخس حقوقه ولا يلفي من يردها إليه، وتكسر عظامه إذا انتفض في وجه الجلاد ولا من ينصره أو ينتصر له، ويصرخ بأعلى صوته ولا من يوصل صوته إلى فوق، ويرجع البصر ويرخي السمع طولا وعرضا فلا يرى ولا يسمع إلا تسويفا يجر تماطلا تقمص من الحرباء سياسة تلون أضحت برنامجا عاما يؤثث لمشهد سياسي وحزبي، ليتساءل في غصة: “إلى من ترفع الشكوى؟؟؟”.

هذا هو الوطن الذي لم يلتفت إليه المحاربون والجنود الجدد، وطن انتهك فيه عرض الديمقراطية، وتعطلت فيه أدوات التغيير فعشش فيه اليأس والبؤس والإحباط والحرمان، واستبد به الظلام الدامس، وضاقت على مواطنيه السبل والحيل، فأدخل رغما عنه إلى غرفة الإنعاش مثخنا بجروح خطيرة وإصابات متنوعة.

إن مثل هذا الوطن يستدعي من زعماء الأحزاب إن كانوا حقا ديمقراطيين كما يدعون أن يشمروا على سواعدهم ليكونوا هم لا سواهم الأطباء والمنقذين له، ولن يتأتى هذا الأمر بطبيعة الحال إلا بامتلاكهم لسلطة فعلية حقيقية يمارسونها على أرض الواقع عبر مؤسسات دستورية تفسح لهم ولغيرهم المجال لبناء دولة ديمقراطية تفرض احترامها على غيرها، وتسمح لأبنائها بأخذ زمام المبادرة للسير نحو الازدهار والتقدم.

هذا هو التحدي المطلوب اليوم من الأحزاب المغربية، وهذا هو الأمل المرجو من الكل، أما التنافس حول لفت الانتباه أو الظفر بصفة من الصفات الفانية فلن يزيد طين الأحزاب إلا بلة، ولن يصنع إلا ديمقراطية بلا ديمقراطيين، ولن ينتج إلا زعماء يحاكون نمورا ورقية، ولن يجعل من الوطن الغفور الرحيم سوى وطن مرحوم مغفور له قضى نحبه في غرفة إنعاش عجزت أيادي الإنقاذ عن إبعاد الموت عنها.